صورة المنفيّ البدون في الفكر والأدب والفنّ
المنفى
الإنسانيّ حمّال لأوجه عديدة وصور كثيرة متدفّقة في ظلّ تمركز لجماعات
إنسانيّة تسعى لتكريس قوّتها وسلطتها، من خلال علاقتها القويّة بالمماثلين
لها من ذات القوّة ورمي البقيّة في قارب الحمقى والمجانين الفوكوي لنفيهم
خارج خريطة الزّمان والمكان الإنسانيّة؛ ليحملوا فيروس عدوى الانتماء لأرض
وردوها، وربطوا أواصر الانتماء إليها، ومارسوا طقوسه جميعًا معهم إلى
اللامكان وتوديع الأرض/ الأم ومن تمركزوا عليها، وتبادلوا مواضع القوى
ومارسوها، وأقصوا المنفيّين عن خارطة الوجود الإنسانيّ الطّبيعيّ المتحقّق
لأقرانهم ممّن تمتّعوا بوثيقة الانتماء.
لمحات من المنفى
في
هذا الجزء التّحليليّ لواحدة من قضايا المنفى الإنسانيّ قضيّة البدون
الكويتيّين، أو البدون في كلّ مكان في الوطن العربيّ والخليج العربيّ..
الرّاصدة لإشكاليّة حضاريّة وإنسانيّة وثقافيّة تحتاج منّا معالجة موضوعيّة
وإنسانيّة لها بعمق. والنّظر إلى عدّة أبعاد لها من ناحية أثرها على هذه
الفئة الإنسانيّة المعزولة عن عالم الوجود الإنسانيّ، وأثرها كذلك على
المجتمع المضيف لها. من خلال التّطرّق لنصوص فنّية وإبداعيّة عبّرت عن بعض
من صور هذه القضيّة. . فالبدون منفيّون لأنّهم محرومون من الانتماء
السّياسيّ لمكان انتموا له بجميع روابط الانتماء الاجتماعيّة والدينيّة
والثّقافيّة واللّغويّة والجغرافيّة، إلاّ أنهم حُرموا حقّ توثيق هذا
الانتماء .. والانتماء السّياسيّ والاعتراف بهويّتهم وانتمائهم لهذه الأرض
سبّب لهم عطل كبير في حياتهم، فمن يُحرم حقّ تسجيل شهادة ميلاده ووفاته أو
عقد زواجه هو منفيّ عن أبسط حقوق الحياة.. ومن يذهب إلى مدارس صوريّة
تقييمها التّربويّ ضعيف فهو محروم من حقّ التّعليم، وإكماله فيما بعد
بالمرحلة الجامعيّة حيث يتمّ تقليم آفاقه المعرفيّة عن ورود المستويات
الأكاديميّة التي
يمكن
أن تقوّي من وضعيّته المهنيّة، وتشعل في داخله جذوة الأمل، حتى من يجتهد
ويأخذ الشّهادة الأكاديميّة بشقّ الأنفس؛ فهو ليس له حقّ التّوظيف ليس لعدم
وجود شاغر، بل لأنّه يحمل وباء الهويّة التي ستتسلّل على مداخل الوزارات
بتعيينه، والتّأثير على بقيّة الأصيلين من البلاد، وفق الرّؤى العنصريّة
الدّارجة.
من
مظاهر نفْيهم أيضًا هو عدم السّماح لهم بالسّفر، ومحدوديّة رؤيتهم للعالم
الخارجيّ من خلال التّلفزة ووسائل الاتّصال. أوضاع معيشيّة متواضعة، آمال
متواضعة جدًّا تقلّ عن أبسط شخص من المترفين بصكّ الانتماء، وضعهم بتقسيمة
إنسانيّة واجتماعيّة أقلّ من وضع إخوتهم الكويتيّين يموقعهم في قمقم يعزلهم
عن شروط الحياة الكريمة؛ فهم من هذه النّظرة ورؤى أخرى لا متناهية عند
التّأمّل بها، منفيّون. نفْيهم عزْل لهم عن ممارسة مظاهر حياتهم الإنسانيّة
التي يتشاركها البشر جميعًا، وحرمانهم في مجتمع متمتّع بجميع مظاهر التّرف
الإنسانيّ المتأتّي من حقيقة انتمائهم السّياسيّ للوطن.. يجعل المجتمع
ينفصل بين ثنائيّة الغنيّ الفقير الأصيل غير أصيل المالك والمحروم وغيرها
من الثّنائيّات التي من شأنها أن تنمّي الحقد في قلب المحروم، وهذا شعور
طبيعيّ ينتج عن حالات الحرمان المستمرّة والمتوالية، الواحدة تلو الأخرى،
ومع تراكم صور العزل وحيثيّاته يعايش المحروم كلّ متعلّقات الحرمان من دون
مرور للزّمن النّفسي الذي يصارع ثوانيه المتفجّرة بالألم ..
تناقضات الحرمان
حقيقة
عند الالتفات لقضيّة البدون من ناحية سياسيّة، وبنظرة تاريخيّة للحركات
الإنسانيّة التي تناضل من أجل نيْل حقوقها السّياسيّة فإنّ الاختلاف كان
عاملاً مهما يقع بين الطّرفين؛ أي إنّ هناك اختلافًا عرقيًّا أو اثنيًّا أو
جندريًّا بين الغالب والمغلوب، كأن تكون هناك حركات تحرّريّة نسائيّة
تطالب بمساواة المرأة مع الرّجل. مثلما حدث في الحركات النّسائيّة
الأوروبيّة، و حركات السّود التي تطالب بالمساواة مع البيض من مبدأ
المساواة بين الأعراق البشريّة، أو من ناحية الأقلّيّات الدّينيّة التي
تطالب بمساواتها مع الأغلبيّة الدّينيّة المسيطرة على الفضاء المضيف. ولكن
البدون في الكويت، وهنا وجه من وجوه المفارقة اللاذعة، ليس هناك اختلافات
عرقيّة أو دينيّة أو أمميّة؛ ففئة البدون هي من نفس المكوّنات التي تمتّعت
بحقّ الانتماء السّياسيّ في الكويت.. وليس في أيٍّ ممّا ذكرنا ما يمنعهم من
التّجانس بمجتمع هم متجانسون معه بالأصل. ولكن يحتاجون إلى اعتراف من صانع
القرار السّياسيّ، والتّعامل معهم بإنسانيّة وإدماجهم إدماجًا حقيقيًّا في
المجتمع المدنيّ بكامل مؤسّساته الاجتماعيّة وإلاّ سيكون جسدًا اجتماعيًّا
مشلولاً بالكامل ... وورمًا يتضخّم حتّى يشمل جميع شبكات المجتمع.. وهذا
الظّلم السّياسيّ لا يكمن في حرمانٍ من حقوق ترفٍ سياسيّ في مشاركة
سياسيّة، بل هو حرمان إنسانيّ بمعنى الكلمة .. وإدماجهم سيعود على المجتمع
الكويتيّ ككلّ بتوافق أعضاء هذا المجتمع بخلق كيانات إنسانيّة مستقرّة،
معطاء، منتجة، ومتعايشة بمودّة وسلام.. وكيان واحد موحّد بحبّ هذه الأرض.
فارس المواقف النبيلة
من
أهم الأسماء الكويتيّة التي اتّخذت موقفًا إنسانيًّا من أجل الدّفاع عن
الحقوق الإنسانيّة للبدون هو الأكاديميّ الكويتيّ الأصيل بمعرفته وقربه من
منابع الإنسان
الحقيقيّ
هو الدكتور فارس مطر الوقيان الذي تفوّق على الكثيرين ممّن يدّعون
الإنسانيّة، وضحّى من أجل قناعاته الإنسانيّة ومبادئه ودفاعه عن كلّ ما هو
إنسانيّ خالص، ورصْد صوْلات وجوْلات ومحطّات مشرقة ومضيئة في تاريخ البدون
في الكويت بكتابته المستمرّة عن الجوانب الإنسانيّة للقضيّة، وظهوره بوسائل
الإعلام التّقليديّة والحديثة، حاملاً لواء القضيّة، وهذا ما يجعلنا أن
نزامن ونواصل ما بدأه هذا المفكّر الإنسانيّ العظيم، الذي يحتاج منّا دراسة
منفصلة ذات يوم، خاصّة بجهوده الفكريّة التي تحفر في واقع التّناقضات في
المجتمع الكويتيّ. فمن أعماله حول القضيّة "عديمو الجنسيّة في الكويت/
الأزمة والتّداعيات"، وغيرها من المقابلات التي يحفر فيها الخلل في مجتمعات
لا تحسن حتى التّعبير عن المسمّيات بشكل دقيق؛ إذ يشرح في واحدة من
المقابلات التي أُجريت معه استغرابه واستنكاره استخدام تسمية بدون، التي لا
تتطابق وحالة عديمي الجنسيّة:
"
المسار التّاريخي لقضيّة البدون مرّ بمسمّيات كثيرة بدايةً بأبناء
البادية، ومن ثمّ بدون، وبعد ذلك غير محدّد الجنسيّة، ثم غير كويتيّ،
وأخيرًا مقيم بصورة غير قانونيّة، طبعًا كلّ هذه المسمّيات تُعدّ نوعًا من
الضّحك على الذّقون. ليس هناك أيّ صلة بين تلك المسمّيات وما يُعرف
باعتبارات وإجراءات وترتيبات القانون الدوليّ؛ فهناك اتفاقية عُقدت في عام
1954 وتُعرف باتفاقيّة «عديمي الجنسيّة» وعديم الجنسيّة هو أيُّ شخص لا
تعترف أي دولة بأنّه ينتمي إلى أرضها أو يحمل جنسيّتها، وبالتّالي أفضل
المسمّيات العلميّة التي تنطبق على البدون هي "عديمو الجنسيّة"(١):
صور المنفى الإنسانيّ في أدب البدون والكويتيّين:
عند
الالتفات للجهود الإبداعيّة المنطلقة من الهمّ الإنسانيّ لقضيّة البدون
وعدم الانتماء السّياسيّ لبلد ينتمي له بالفعل سنجدها غير واضحة بشكل مفصل
وعميق، ولكنّها شذرات متفرّقة لا تؤصّل لهويّة البدون بشكل عميق وواضح ..
ولكنّها
تبقى محاولات تحاول أن تشير لفضاء الحرمان الإنسانيّ، ماعدا بعض الجهود
القليلة التي اطّلعت على بعض منها، مثل جهود الشّاعر دخيل الخليفة، والذي
يعبّر عن القضيّة بتصوير فنّي وفكريّ ومعرفيّ يتقاطع مع بدايات وجذور
القضيّة بتأكيده علـى فكرة الجغرافيا ورحيل البدوي المستمرّ باحثًا عن
موارد الماء يتوازى معه قدوم البدون إلى الكويت والاستيطان بها خلال
الخمسين عامًا الماضية، من مثل قوله في قصيدة "الذين خلفونا معلقين في
الهواء"(٢)::
أينما يمّموا الرّيح، واستوطنوا دمهم عبروا حملهم خاسرين الحداء وعلى "رمث" دلتهم سهروا.. خلعوا وتدَ البيت من صبره أفلوا..
تاركين الرّبابة تستلهم الحلم من جرحها.. يقرؤون المدى، يعشقون الصّدى!! خسروا نجمهم إنّما ربحوا الانتظار الطّويل..!
فرشوا بين عشب البراءة والبحر آياتهم.. مسمروا خشب الحلم في شمس يوم جديد، وانتهى الأمر، لم يسألوا غدهم عن تمرّده، يجهلون المسافة
مابين
عشب البراءة والبحر! لكنّهم سلّموا الأمر للغيب واحتشدوا.. هذروا خلف
دلّتهم عن عفاريت كانت تشاغب جرأتهم في الظّلام.. وعن كلّ شيء .. (مجموعة
صحراء تخرج من فضاء القميص، ص-ص: ١٣،١٥).
والوقفة
الهامّة النّاضجة روائيًّا تجاه قضيّة البدون هي وقفة الأستاذ الرّوائي
الكبير إسماعيل فهد إسماعيل في رواية "في حضرة العنقاء والخلّ الوفي" فهذا
العمل
الإنسانيّ
النّاضج فنّيًّا وتقنيًّا وإنسانيًّا يستحقّ أن يكون هو العمل الرّوائيّ
الأوّل المؤصّل لهذه القضيّة الإنسانيّة، وأب روحي لأيّ عمل أدبيّ لاحق
يتحدّث عن القضيّة وسيكون نصًّا مانحًا وواهبًا للكثير من القراءات
الإبداعيّة التي تتقاطع مع البدون. صورة المنسي في الثّقافة والمجتمع
الكويتيّ تنطلق من صورة المؤزم والمحروم في المجتمع الكويتيّ منسي بن أبيه
الذي خرج من هذه الفئة، حاملاً كلّ آلامها وعذاباتها، وليعيش كلّ حالات
مكابداتها الإنسانيّة، بسبب التّعرف على ماهيّة وضعه الإنسانيّ المهمّش
فاكتفى بالانطواء على نفسه، واتّخاذ الصّمت ليس لغة وحسب، بل كمظهر من
مظاهر حالته كإنسان فاقد الإحساس بالانتماء السّياسيّ، ويعيش الظّلم والقهر
بوصفه مستلمًا لهذه الطّاقة السّلبيّة ومنفذًا لها، من دون أن يكون له حقّ
اتّخاذ القرار، ولو مرّة واحدة مادام وُلد وهو بدون، وليس مختارًا بأن
يكون ابن هذه الفئة، فها هو يمارس طقوس المحروم والمغيّب والمهمّش، فإن فقد
ما فقد أذعن وأطاع لهذا القدر القاسي، واستسلم لنحيبه الدّاخليّ وتذكّر
مآسيه التي ابتُلي بها الواحدة تلو الآخرى، ولكنّ هذا الدّائرة الحالكة لم
تحرمه من نظرة موضوعيّة منصفة بتذكّره للخلّ الوفيّ، أو التّعلّق بأمل
المستقبل القادم بابنته الـ"نصف كويتيّة ونصف بدون"، ولعلّ من المفارقات في
النّهاية أنّ البدون يعيش في الكويت والكويتيّون يهاجرون البلد: مبارك
سويد يستوطن المغرب، وسليمان الياسين في فرنسا، وطليقته عهود وابنته في
سوريا.. فهذا الوضع المقلوب يحيل إلى إشكاليّة في التّعاطي مع مفهوم الولاء
الحقيقي للمكان.. وهل فضاء الكويت أصبح طاردًا للكويتيّين وجاذبًا للبدون؟
ما يهمّ في هذه الرّواية أنّها تقاطعت وقضيّة البدون منذ نشأتها، وكيف نما
البدون على حبّ الكويت، وكيف اعتبروا أنفسهم كويتيّين، بناء على بديهيّات
وأساسيّات الانتماء، ووقفوا في الغزو العراقيّ مع صفوف المقاومة مثلهم مثل
أيّ كويتيّ، بل إنّ من المفارقة إن د.سعود الكويتيّ يتواطأ مع الجيش
العراقيّ ويراسلهم موقعًا منسي في فخّ مكائده. كما تتميّز الرّواية بتصوير
تعقيدات القضيّة بعد الغزو العراقيّ الذي سبّب أزمة ثقة بين الحكومة وغير
محدّدي الجنسيّة. وانطلقت من جوانب سيكولوجيّة واجتماعيّة وثقافيّة
وإنسانيّة قفزت بين كلّ هذه المجاهيل الإنسانيّة وبلورتها في العدوّ الكامن
في جسد العنقاء الخرافيّة (عهود) ، رمزا للقرار السّياسيّ الذي أصبح
وعودًا.. تطلق في وجه رياح التّغيير. والخلّ الوفيّ وهو جانب متأصّل
ومتجذّر في المجتمع الكويتيّ الذي يندمج ويتماهى مع هذه القضيّة وكأنّه
واحد من المحرومين حقّ الانتماء.. ولعلّ جهود فاطمة الحيان في جمع أدب
البدون في كتاب هو واحدة من صور الخلّ الوفيّ الكامن في الشّعب الكويتيّ.
منفى البدون والرّسم على الجدران:
١- اللّقطة الإنسانيّة الأولى:
عند الالتقات إلى صورة البدون في عالم الفنون الجميلة فإنّ هناك قفزة
نوعيّة حقًّا في فنّ الصّورة الذي بدأ يوثّق صورًا فوتغرافيّة من معاناته
اليوميّة من خلال التقاط الصّور المعبّرة، وحقيقة ما لفتني منذ زمن طويل هو
شيء قار في الثّقافة الشّعبيّة والرّسم
على
الجدران في الشّوارع العامة أسئلة عميقة وهامة في وعي الكاتب ذاته فمقولة
(إلى متى بدون؟) تنطلق من سؤال عن غاية زمنيّة لا يعلم الكاتب متى تحلّ؟
جعل من الجدار وسيلة لوسم ينقش في معاناته على الجدران، التي تتيح للشّعبيّ
الظّهور والبروز في العلن، أمام سلطة الرّسميّ القمعيّ الذي يحجم الرّؤى،
ويقيس الكلام بمقاييس تحدّ من الكشف والبوح الكامل لمعاناة إنسانيّة،
فالمهمّش هنا كشف فيما يدور في وعيه وإدراكه بسؤال يتعلّق بالزّمن وحده،
فهذه الصّورة تؤصّل لثيمة مشتركة قارة في الوجدان الجمعيّ لهذه الفئة،
وتصبح سؤالاً يجمع بين أبناء هذه الفئة الذين يبحثون عن فرج قريب، وتتزامن
معه صورة هذا الشّاب المنكسر تمامًا، وليس لديه إلاّ الانتظار القدريّ أمام
المجهول.. ومن هنا نتشارك في الرّؤية مع الذي وصف ثقافة الكتابة على
الجدران، وماذا يمكن أن تؤدّيه وسط ثقافة القمع والتّهميش:
"
لذلك تطلق الجدران اليوم عمليّة إبدال وكسر لصورة الواقع الاجتماعيّ
بعيدًا عن قيوده وانضباطاته المترسّبة نتيجة التّدعيم السّلطويّ السّابق من
خلال الكتابات الموجودة عليها، بحيث مارس الجدار صفة متحوّلة توفّر للفئات
الاجتماعيّة، آليّة الخروج من حالة الإخفاء إلى حالة العلن، أيضًا خلقت
(كتابات الجدران) جغرافيّة للفصل والتّنويع على ضوء مضمون المحتوى
الكتابيّ، لذا ساهم هذا التّنويع الفرز المكانيّ، في تكوين وإنتاج دليل
شعاراتيّ مكانيّ، يعرف المنطقة والحيّ والشّارع ويحدّد انتماء المكان
سياسيَّا وثقافيَّا، لذلك يأتي التّساؤل عن الحافز المؤثّر الذي دفع إلى
كثافة نموّ هذه الظّاهرة، كأنّ هذا التّساؤل هو إحالة تأمّليّة تتفحّص
المرحلة السّياسيّة التي يمرّ بها البلد ونوعيّتها. إنّنا لانستطيع
اٌلانفلات من ضخامة التّرابط والتّشابك الفعّال بين سلوك السّلطة
السّياسيّة السّابقة وخصوبة تواجد ظاهرة شعارات الجدران"(٤).
2- اللّقطة الإنسانيّة الثّانية: واحدة
من الصّور الفوتغرافيّة المتقاطعة مع تداعيات القضيّة الموجعة لتلك
الطّفولة المنكوبة على شوارع المدينة القاسية هي صورة التّلميذ، الذي يقوم
بالدّراسة وبيع بعض السّلع في الشّارع العامّ، بسبب حالته الماديّة
السّيّئة، طفولة تُنتهك في الشّوارع لتدخل دهاليز عصابات الشّوارع التي من
الممكن أن تؤدّي بالإنسان إلى انحرافات أخلاقيّة كبيرة تتجاوزها قضيّة
هويّة وانتماء، ومصادر ماديّة تكفل العيش الكريم له ولأسرته.
موسيقا المنفى والاغتراب
من
تقاطعات الموسيقا وهي لغة الرّوح مع ثيمات الغربة الإنسانيّة للبدون أغنية
غربتي لأحمد الراشد تتحدّث عن إشكاليّة الغربة بين البقاء على أرض وطن لا
يعترف بهم والرّحيل، فالرّحيل غربة شهْدها مرّ، والمكوث على أرض وطن
يهمّشه، وينظر له بنظرات تخوّن وتشكّك في انتمائهم، تتحوّل إلى نظرات غير
مريحة، كما يفسّرها (جاك لاكان) في دراسته النّفسيّة للنّظرة وتأثيرها في
رسم صورة الآخر..
فهذا
البدون والعاشق المعذّب باسم الاعتراف يقف يسجّل عذابات منفاه المستمرّ
على أرض الوطن وخارجه، بلوحة وصورة ورسمة ومعزوفة أليمة، وعرض مسرحيّ ونقد
لاذع لبقايا إنسانيّتها، يجد عزاءه الوحيد بالتّعبير عن معاناته السّرمديّة
من خلال بوابة الفنّ والأدب متعدّدة الأجناس تعلن رفضها قمع وتهميش
الإنسان والحجر عليه مسجونًا بين فكّي البقاء في المكان مقموعًا، أو
الرّحيل والشّتات في بقاع العالم.
1. حوار مع الدكتور فارس الوقيان بتاريخ: ٢٦/١/٢٠٠٨ http://www.alabraj.org/NewsDetails.aspx?NewsID=4699
2. دخيل الخليفة، صحراء تخرج من فضاء القميص. دار أثر، الطبعة الثانية، ٢٠١١م.
3. إسماعيل فهد إسماعيل، "في حضرة العنقاء والخل الوفي" رواية. الدار العربية للدراسات والعلوم. الطبعة الأولى ٢٠١٣م.
4. كتابات الجدران، علاء حميد، ٢٠٠٤.
No comments:
Post a Comment