Friday, July 4, 2014


شخصيات أدبية (2-1)
فاضل خلف
2014/01/09   10:36 م
شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image


يشهد الواقع الثقافي في الفترة الأخيرة حركة ازدهار في نشر الكتاب الثقافي بصفة عامة، على الرغم من بعض الصعوبات التي أصبحت تحول الآن دون ان نشعر، بالسوق الرائج للكتاب، فقد يتخيل البعض ان المكتبة تحتل الاهتمام الأخير في عقل عامة الناس، وما معارض الكتب الا مناسبات تجذب القارئ ليس الى الكتاب بقدر ما هي فرصة أخرى للبحث عن أقراص الكمبيوتر التي تحتوي على الموسوعات والمعلومات العلمية وأيضاً ألعاب الأطفال على الكمبيوتر.
ولا غضاضة في هذا الأمر، فالكتاب سيظل في مكانته العالية ولابد ان يأتي اليه القارئ ليحمله برفق من فوق الأرفف، وينفض عنه الغبار لتضيء صفحاته بنور العلم واشراقات القيم العظيمة، وسيظل الكتاب هو الصديق الذي لا يستطيع ان يرفض صداقته القارئ المتخصص أو العادي، لأننا في عصر الانفجار المعرفي المتدفق الينا من كل انحاء العالم في لحظة قصيرة جداً.
وسيظل الكتاب كما عبر عنه الشاعر أحمد شوقي:

أنا من بدل بالكتب الصحابا
لم أجد لي وافياً الا الكتابا

وهذا يتطلب من المثقف أو القارئ ان يكون دائماً مستنداً الى خلفية عميقة من الثقافة العامة ثم معرفته في مجال تخصصه حتى يتيح له ذلك قدرة معرفية على مواجهة أحداث العالم، وأن يكون له موقف ازاء القضايا التي نعاصرها، فالمرء يقرأ ليثقف نفسه والثقافة موقف وأخلاق وقيم وسلاح الانسان ضد الغزوات الفكرية والثقافات المضادة التي تحاول ان تقهر طموحاتنا أو تكسر أجنحتنا انطلاقاً الى عصر من التحدي والتحضر والتمدن والتطور والتقدم.
وهذا يقودنا الى نتيجة هامة تؤدي اليها القراءة العميقة، حيث يولد المثقف الثوري الذي لا يحلم بالتغيير بل إنه أداة للتغيير والرفض والتحول، وعبر عنه الدكتور زكي نجيب محمود رحمه الله حين قال: ان القراءة هي مستويات في نهاياتها يولد المثقف الثوري، فالقارئ المتلقي يتحول الى قارئ ايجابي مشارك في الفكر الابداعي ويجادل ويحاور ويناقش من خلال مبادئه وأساليبه وطرائقه الجديدة في التفكير والبحث والمعرفة.
وفي المرحلة النهائية يولد هذا المثقف الثوري الذي يدرك، مُثلاً جديدة للحياة وفق ما أدركه شريطة ان يجئ هذا التغيير في الاتجاه الذي يسير فيه التاريخ، من حيث توسيع الرقعة البشرية، التي تتمتع بها وهو ما كان مقصوراً على القلة من جوانب القوة والحرية والعلم وسائر أوجه الكمال كما ارتسمت في تصور الانسان منذ أقدم العصور.

هكذا يكون الكتاب

قد يلاحظ المثقف المتابع للكتب ان هناك اهتماماً بالشخصيات والأعلام والقادة والعلماء ومشاهير الأدب والفن وأبطال المواقف والبطولات التاريخية وفرسان التاريخ والملوك الشعراء أو الأمراء الشعراء، والشاعرات في الجاهلية والاسلام وغيرها من الكتب التي تهتم بالسيرة وانجازات الأدباء والمفكرين.
وهذه الكتب التي تهتم اهتماماً كبيراً بالشخصية، تبرز النزعة الانسانية والابداعية التي تجسد إنجازات كبيرة لعظماء في مجالات المعرفة والفنون يمكن لنا نحن القراء ان نقتدي بخطى هؤلاء العظماء ونستلهم من حياتهم العبر والعظات، ونتعلم من وجودهم كيف قاوموا الفساد ووقفوا ضد الشر وحاربوا من أجل الحرية والخير والحب والجمال.
ويلجأ الكاتب عادة في هذه النماذج من كتب الشخصيات الى وصف الشخصية من حيث سجاياها التي تتمتع بها، وسماتها الاجتماعية وانجازها الابداعي والعلاقة بين مسيرة حياتها وما أنجزته في مجال المعرفة والعلوم والفنون.ووصف الشخصية ظهر في بداية الأمر في أوربا الغربية خلال القرن السابع عشر، وقد تأثر الأدباء بذلك بما كتبه الشاعر اليوناني ثيوفراستوس في كتابه «الشخصيات «وقد ظلت الكتابة عن الشخصيات سمة هامة في كل الآداب وعلى مر العصور.
ولعل الأدب الاسلامي قد حفل بتصوير الشخصيات العظيمة وأول هذه الشخصيات النبي محمد عليه الصلاة والسلام ولذلك عندما ترجم الأديب أنيس منصور كتاب «العظماء مائة أولهم محمد عليه السلام» انتشر الكتاب ونفد من المكتبات، لأنه يهتم بهذا العنصر الانساني والتراثي في أعماق الشخصية، ومن هنا كانت مسيرة أدب السيرة الذي تطور من عصر الى آخر ليواكب عطاء الأجيال التي منحت بلادها وشعوبها من العلم والمعرفة والنور الذي على هداه سارت المواكب اللاحقة، وترعرعت البذور النابتة وتشكلت الحضارة.
وهناك كتب كثيرة تغمر المكتبات العربية بفن تصوير الشخصية، سواء كانت من مشاهير الأدب أو قادة الفكر أو رواد العلم والمعرفة والفنون، ومن هذه الكتب صدر كتاب علي عبد الفتاح الذي حمل عنوان «شخصيات أدبية».
فماذا قدم المؤلف في هذا الكتاب؟ وماذا كان هدفه الحقيقي؟ وما المنهج النقدي أو الفني الذي وظفه في كتابه سير أكثر من ثلاثمائة شخصية تبدأ من العصر الجاهلي حتى الوقت الحاضر؟.

كتاب «شخصيات أدبية» يقول عنه المؤلف في مقدمة كتابه هذا:

«شخصيات أدبية أحببتها وعشت سنوات كثيرة أتوغل في حياتها، وأحيا بين أنفاسها وفي ظلالها، فالأدب الصادق ينبع من كاتب صادق قادر على التأثير في مشاعرنا بلمسات من السحر والعذوبة، والأدب الجميل ليس أدب التنميق أو الزخرفة اللغوية، وليس أيضاً أدب الديباجة والفلسفة العميقة أو الأفكار الذهنية المجردة، انما الأدب الجميل هو البساطة، الأدب الجميل هو الاحساس والروح واللمسات الانسانية».
واذا كان هذا مدخل الكتاب، فنحن نكتشف المنهج النقدي الذي أقام عليه الكاتب شخصيات هؤلاء، من الأدباء والشعراء والمفكرين والموسيقيين والفنانين التشكيليين حيث يعتمد في المقام الأول، على فنية الكتابة عن الشخصية من خلال استلهام روحها وفنها وسيرتها الذاتية.
فالشخصية المبدعة هي التي تحقق الأثر الأدبي وتقدمه لنا، شخصية خلاقة ومبتكرة ولها طابع خاص يختلف عن سائر عامة الناس أو الشخوص العادية، ولهذه الشخصية المبدعة أسلوب وطريقة فنية، ودرب تتجلى فيه مهارتها للتعبير عن الحياة والوجود ومصير البشر والمحن التي تصادفهم، وكيف يقاومون الصعاب ويتحدون العثرات، وأيضاً كيف ينهزمون ويعبرون جسر الحياة مؤرقين بالهموم ومعذبين بذنوبهم وخطاياهم.
ان أسلوب المبدع يختلف ويتميز ويتسم بالفرادة والجديد، ويمكنه - اذا أمكن بالطبع - ان يسيطر على هذا الأسلوب الفني، ويجعله صوراً أخرى نابضة بالحياة، كلما اكتسب خبرة في معايشة قضايا البشر، وأيضاً نقلة أدبية في تقديم عالم متكامل في تصويره، ومعقد في تركيبه ومتغاير، ومختلف في اتجاهاته، ولكن تسكنه البساطة واللمحات الانسانية.
وهذا المنهج ما يتوق اليه دائماً على عبد الفتاح من حيث التركيز على النزعة الانسانية بما تشمله من قيم الحرية والحب ومناهضة قوى البغي والشر والاستبداد، والتطلع الدائم الى المثل العليا والقيم الأخلاقية.
فالشخصية المبدعة لديه لابد ان تكون مدهشة ومؤثرة وساحرة في ابداعها ومواقفها في الحياة والواقع، وبذلك يخرج الفنان من دائرة المحاكاة والتقليد وينطلق في بحار تغمر العالم بالتميز والابداع، وتكون الشخصية هنا مدعاة للدراسة ومثار بحث ومتابعة من النقاد.
وقد قرأت للدكتور شوقي ضيف الذي يعتبر أبا النقد الحديث، كلمة في شأن كتاباته المثمرة والرائعة عن الشخصيات الأدبية قوله: «تحولت الى المبرزين من شعرائنا وكتابنا الذين شادوا بجهودهم الخصبة صرح أدبنا الشامخ فدرست شخصياتهم الأدبية وأعمالهم الفنية القيمة».
ومن هنا تتبين نظرية البساطة التي يعرض لها الكاتب على عبد الفتاح، في عرضه وتحليله لشخصيات أدبية، فهو حريص أشد الحرص على اختيار مفردات مصقولة، وعبارات شاعرة، ويركز على أساسين: أحدهما كثافة الأفكار وخصبها وعمقها أو طرافتها، والثاني انتقاء المفردات والتراكيب ذات الأثر النفسي والذهني في القارئ، بحيث يكشف لك عن شخصية الأديب أو الشاعر الذي يكتب عنه، ويبتعد الكاتب عن الزخرفة اللغوية كما ذكر في المقدمة ويتجه الى السهل الواضح والطبيعي.
فاذا قرأت عن شخصيات مثل الشنفري وعنترة وطرفة بن العبد والسلكة، وكعب بن مالك والحطيئة وغيرهم من الشعراء الأقدمين انجذبت لتلك البساطة والصور النابضة بالقيم المفعمة بالحيوية فيقول لك عن عنترة في بداية الكلام: «شاعر عاش وحيداً منفرداً بأحزانه لا يعرف له أهل أو أصل أو نسب، مقطوع الجذور، مرفوضاً من القبائل الأخرى، مذموماً يعاني الحرمان، فاتخذ الشعر سلاحاً يغتصب أعراض الناس، ويدفع به عدوان الآخرين عليه ويمضي خنجراً في عنق هذا الواقع الذي رماه في المنفى والتشرد منذ طفولته».
ويحاول الكاتب من خلال هذه الشخصيات، ان تكون البساطة في الأسلوب والتحليل، هما العامل المؤثر في المتلقي فينجذب الى عالم الشخصية، ويعيش معها مأساتها وأحزانها ومواقفها بالبطولية أو الانهزامية، وقد يعجب القارئ ويخفق حباً بهذه الشخصية، وقد يشعر بالتعاطف معها، حين تعاندها الأقدار وتضربها الريح وتعاني التشرد والضياع والموت.
ويمكنك أثناء تصفحك للكتاب ان تشعر أيضاً بأن هناك لغة وجدانية يخاطب بها علي عبد الفتاح قارئه وقد تظهر هنا ذات الكاتب وعاطفته، بحيث يقنعك بدور الشخصية وروعة ابداعها ومواقفها الكبيرة، ونحن نتقبل هذا الموقف من الكاتب لانه قال في بداية الأمر «شخصيات أحببتها» فنحن نرى ونتذوق أدب هذه الشخصيات من خلال احساس الكاتب وتصوره ورؤيته الفنية وقناعته بأن الأدب الحقيقي هو أدب الصدق والبساطة والقيم الكبيرة.
أدب يصاحب المرء في شؤون حياته ويرتبط بالحياة والميلاد والموت والهموم اليومية التي يعاني منها الفرد فالأدب هنا يعلمه كيف يشكل حياته من جديد، وكيف يحولها الى قطعة من الحب والحنان والرقة، ويدخل في علاقات حميمة مع الأشياء والكائنات ليظل يشعر بأنه انسان.


فاضل خلف 
 

شخصيات أدبية (2-2)
فاضل خلف
2014/01/10   09:47 م
شكرا لتصويت

التقيم التقيم الحالي 5/0
writer image


في كتاب شخصيات أدبية أكثر من ثلاثمائة شخصية من الأدب العربي قديماً وحديثاً ومعاصراً وفي هذا الكم الهائل من الشخصيات تنفرد كل شخصية بسماتها الابداعية، فالشخصيات لا تكون منظومة أو وحدة شعرية أو روائية أو قصصية، وانما الكتاب عبارة عن مقالات على ما اعتقد هي حصيلة عمل وخلاصة جهد كبير، نشر في الصحف الكويتية منذ أكثر من خمسة عشر عاماً، ثم بدأ الكاتب في ترتيبها وتنظيمها واعدادها للنشر في هذا الكتاب الكبير.
ويمكننا ان نقول انه تقريباًضم في هذا الكتاب معظم الشخصيات الشهيرة في الأدب من الشنفرى وعنترة الى الأدب الاسلامي والعصور التالية حتى عصر النهضة، مدرسة البارودي وأحمد شوقي ومطران وحافظ ابراهيم والمدرسة الرومانسية ومدرسة المهجر والأدب المعاصر.
في الحقيقة أنها ومجموعة كبيرة من أدباء وشعراء وفنانين تشكيليين ومفكرين، تحدث عنهم بطريقة مكثفة وموجزة وفي أحيان أخرى، ينساب في منهجه التحليلي مع الشخصية ويمنحها مساحة أكبر من الشخصيات الأخرى.
ولا أرى تناقضاً في ذلك لان الكتابة عن أعلام الأدب القديم، نالت نقداً كثيراً ودراسات وكتباً لا حصر لها أما الكتابة عن أعلام الأدب المعاصر، فانها لم تنل حظها من المتابعة والدراسة، فالشاعر الدكتور حسن فتح الباب وهو أحد رواد الشعر الحديث، تميز بمواقفه الكبيرة ضد الظلم وقهر السلطة، على الرغم من انه كان أحد أفراد السلطة فقد كان ضابطاً في الشرطة واستمر حتى وصل الى أعلى المناصب، وقد سجل تجربته في ثنايا قصائده وهي تجربة فريدة ومثيرة.
ولذلك كان لابد لصاحب شخصيات أدبية ان يسهب قليلاً في شاعرية هذا الرائد الكبير ويجعلنا نتجول عبر غابات قصائده، ونتأثر بمواقفه من أجل الحرية وردع الظلم ومساندة الفقراء والبسطاء، فالكتابة عن الشاعر حسن فتح الباب لا يمكن ان تأتي موجزة أو مختصرة.
ونقرأ من شعر حسن فتح الباب دعوته للأحرار وزرع وردة الأمل والبشارة في النفوس فيقول:

لا موت بعد اليوم
لا طفل يحترق
لا نار لا غبار ولا دمار
لتنطلق مواكب الجموع
في شواطئ البحار
لتتحد منابع الأنهار
ويولد ابن الأرض من جديد

وربما جاءت بعض المقالات مبتورة دون تحليل كبير، حين حدثنا عن البخاري وابن البيطار وعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه والجاحظ وأبو تمام وطرفة ابن العبد، وكذلك بعض الشخصيات الأدبية الأخرى المعاصرة، ولاسيما تلك التي لم تنل مكانتها الأدبية على خارطة الحركة الثقافية العربية فقد وقف معها المؤلف ومنحها فرصة لتكون في هذا العمل الكبير، لاعتقاده الجازم أنها شخصيات شابة واعدة ومبدعة تحقق دوراً ينتظرها وتهب طاقاتها لهذا الدور الاجتماعي.
وأود ان أبين هنا ان الكاتب حين أضاف الى كتابه مجموعة من الشخصيات الأدبية الشابة المعاصرة، فاننا نعتبر ذلك مغامرة منه لأنه يقدم لنا ما يؤمن به، بأن هؤلاء سوف يكونون أعلاماً في الغد ونجوماً للشعر أو القصة في المستقبل، وقد اختار من مصر ولبنان والسودان والخليج مجموعة من هذه الابداعات الجديدة، ولذلك لجأ الى ترتيب الكتاب تاريخياً من حيث الميلاد، فكان لابد ان يبدأ من العصر الجاهلي ثم العصر الاسلامي وحتى العصر الحديث وهكذا.
كتاب شخصيات أدبية يتميز أيضاً بأنه أقرب الى المرجع التوثيقي أو السجل الأدبي لهؤلاء النجوم من الأدباء المشاهير والصاعدين درب الابداع، مجموعة كبيرة هي حصيلة جزء من الثقافة العربية والتراث العربي والاسلامي، وهناك فقرات عن سيد قطب وأبو الحسن الندوي ود.مصطفى محمود وعلي الطنطاوي ومحمد اقبال وعمر الخيام وأحمد محرم ومحمد عبد المطلب وهارون الرشيد وطارق بن زياد ومحمد عبده وغيرهم من الشخصيات الاسلامية التي تميزت بجانبها الأدبي وتذوقها للفصاحة والجزالة والعبارة الأدبية.
فالكتاب هنا يغطي جانباً كبيراً من تراثنا في الأدب الاسلامي، واعتقد ان المؤلف كان موفقاً في هذا، اذ كان هدفه كشف الجانب الأدبي والابداعي لدى الكاتب، الى جوار رسالته التي يجاهد من أجلها، سواء أكانت رسالة دينية أم اجتماعية أم سياسية، فالأدب كامن في هذه الشخصيات وهو أحدى الوسائل التي تساهم في تحقيق أهدافها الأخرى.
واختار المؤلف شخصيات من المدرسة الرومانسية، نذكر منهم المنفلوطي وجبران ومي زيادة وايليا أبو ماضي وميخائيل نعيمة وابراهيم ناجي ونسيب عريضة وأحمد رامي وصلاح لبكي وأبو القاسم الشابي ومحمود حسن اسماعيل ومحمود أبو الوفا ومحمد عبد الغني حسن وحسين عفيف والأمير عبدالله الفيصل وغيرهم من الرومانسيين، الذين تركوا آثاراً في الوجدان العربي وما زلنا نتغنى بقصائدهم ونتابع آثارهم الابداعية.
أما عن رواد النهضة فقد كتب عن طه حسين والعقاد ومحمود تيمور وعبده بدوي وحسن فتح الباب وصلاح عبد الصبور ونزار قباني وأحمد أمين وأحمد شوقي وتوفيق الحكيم وأحمد زكي وأحمد حسن الزيات وحافظ ابراهيم وعزيز أباظة وحسن القرشي وأدونيس وأحمد حجازي وجمال حمدان وعلي الفزاني وعلي الباز، ولا يتسع المجال لذكر كثير منهم.
ولكن يمكن ان يقال بان الكتاب يحتوي على مجموعة أدبية تمثل موقف الثقافة من قضايا الحرية وقضايا التغيير، وكيف واجهت الثقافة قضية التغريب والتمسك بالجذور والأصول الدينية والتاريخ على الرغم من الهجمات الشرسة للاعلام والكتب المناهضة للفكر الاسلامي والعربي ودور العرب في التنوير والنهضة التي تهتم بها أوروبا الآن.
ونقرأ في الكتاب عن موقف من قضايا الحرية حين يتحدث الشاعر المناضل محمود درويش عن وطنه المسجون معه في سجون العدو الصهيوني ويقول:
سجل أنا عربي
سلبت كروم أجدادي
وأرضاً كنت أفلحها
أنا وجميع أولادي
ولم تترك لنا ولكل أحفادي
سوى هذه الصخور فهل ستأخذها
اذن سجل برأس الصفحة الأولى
أنا لا أكره الناس
ولا أسطو على أحد
ولكن اذا ما جعت آكل لحم مغتصبي
فحذار حذار من جوعي ومن غضبي

ويفسر لنا المؤلف فنية شعر محمود درويش، بتلك القدرة على تحويل الحديث اليومي الى لغة شعرية فياضة بالمشاعر والحنين والعاطفة المتقدة التي تعبر بصدق عن عاشق وطن وعاشق يناضل ووطن يئن في القيود وفي الأصفاد، ويربط محمود درويش بين الأرض والانسان في صورة حميمة للغاية، حتى تبدو الأرض هي الحبيبة، والمرأة التي يناضل من أجل حريتها وكرامتها وانسانيتها.
ويقترب أيضاً الكاتب من حياة الشاعر الراحل المناضل أمل دنقل، ويرى ان قضيته كانت هي الحرية وتحرير الأراضي التي سقطت تحت سيطرة الأعداء، وتحرير الوطن من الظلم والاضطهاد وبعثه من جديد، ليكمل مسيرته في حياة حرة تصون فيها كرامة الفرد وترد له حقوقه ويشارك في صنع قرارات حياته.
ونقرأ هذا النص الرائع من شعر أمل دنقل الذي يقول فيه:
كل صباح
أفتح الصنبور في ارهاق
مغتسلاً في مائه الرقراق
فيسقط الماء على يدي دما
وعندما
أجلس للطعام مرغماً
أبصر في دوائر الأطباق
جماجماً جماجماً
مفغورة الأفواه والأحداق

أما عن الخليج فقد احتوى الكتاب على مجموعة كبيرة من الشعراء والأدباء وقد تلاحظ ان المؤلف اختار مجموعة كبيرة من الخليج ولاسيما من الأدب الكويتي وهذا ليس غريباً لانه عاش في هذا الوطن أكثر من خمسة وعشرين عاماً يعمل مدرساً في وزارة التربية ويمارس العمل الصحافي ويساهم في الثقافة من خلال كتاباته.
وقد أهدى كتابه «أعلام الشعر في الكويت» الى الكويت وقال: الى الكويت التي منحتني الكثير والكثير، وقد استطاع ان يمتزج بالهم الكويتي ليشعر بنبض القومية والعروبة وحماسة النضال من أجل القضايا الكبرى.
وأذكر حينما كنا نعمل معاً في الصحافة كنت أراه حريصاً على متابعة ما يصدر في الكويت من شعر وقصة ورواية ويسجل ملاحظاته النقدية وينشر ويتابع الندوات والأمسيات في الكويت، ويكتب عنها بشغف وعشق وحب كبير، فالثقافة لم تكن مهنة يزاولها وانما كانت حياته ووجوده وقد ارتبط بقضايا الكويت التي تعد جزءاً من قضايا الأمة العربية، وكانت فكرته دائماً ان الأدب في الكويت قادر على تغيير الفرد وابصاره بتفاصيل دقيقة وقيم كبيرة وطموحات عالية ومبادئ سامية، وعلينا ان نفتح الأبواب لكل هذه الزهور النابتة وتبحث عن الماء والهواء.
ولذلك خص الكاتب الكويت بعدد كبير من شعرائها ومبدعيها ويمكن ان تكون أكثر من ستين شخصية كويتية، وان كانت هناك شخصيات لم يكتب عنها أو كان لابد ان يكتب عنها فسوف تكتشف انه بالفعل تابعها وكتب عنها في كتبه الأخرى، التي تجاوزت العشرة.
ولذلك تقرأ عن الأدب الكويتي فتحيا معاناة الشعراء ونضالهم من أجل الكويت وتتذكر لحظات الابداع واحتراق الانسان من أجل قضاياه، فهذا سليمان الفليح يعبر عن تجربة الغزو أو هذا العصف القاتل الذي جاء يلتهم كل شيء: الخيام والابل ومضارب القبيلة فيقول الشاعر:

وحلمت الليلة يا أمي
برياح تجتاح المرعى
تقمع خيلي تطرد ابلي
تجلدني علناً بالأفعى
تربطني خلف مضارب قومي
تسقيني اذ أعطش، دمي
توسعني يا أمي قمعا

ويقدم لنا الكاتب كتاب (الكويت حضارة وتاريخ) من تأليف الدكتورة ميمونة الخليفة الصباح ليؤكد ان الكويت عاشت دولة مستقلة لا تخضع لنفوذ الحكم العثماني أو الولاة بل هي أرض يعيش عليها رجال صاحبوا الصحراء وقاوموا قسوة الطبيعة وتصدوا لموجات الغزو المتلاحقة حتى ازدهرت الكويت وكبرت بالدم وتضحيات أهلها والعمل الشاق.
وهناك نماذج أخرى أوردها الكاتب في شخصيات أدبية توضح كيف وقف الأدب في الكويت يدافع عن الحرية ويتصدى للمحن والنكبات.
لقد أحب المؤلف الكويت ومنحها من قلبه وروحه حتى انه يقول في سيرته الذاتية في نهاية الكتاب:
«عشت في الكويت تجربة جميلة فتحت أمامي منافذ النشر والقراءة الهادفة والصداقات الحميمة، فأصبح وجداني ممتداً الى ما وراء هذا العالم، واحتضن في قلبي أدباء وشعراء من الكويت ومن الخليج ومن جميع الأقطار العربية».
ويكفي الكتاب في النهاية أنه يمنحنا أفكاراً كثيرة ويذكرنا بشعراء رحلوا عن حياتنا، وشعراء وأدباء مازالوا يبدعون وآخرين أحدثوا ضجة كبيرة بشعرهم، مثل نزار قباني وعمر أبو ريشة وعبدالله العتيبي وغازي القصيبي، وكذلك فان للمرأة الشاعرة أو المبدعة، نصيباً من هذه الشخصيات حيث نقرأ عن فدوى طوقان وملك عبدالعزيز وعزيزة هارون وليلى الأخيلية ومي زيادة وغيرهن من المبدعات.

فاضل خلف
أخبار ذات صلة
                                                                                    

No comments:

Post a Comment