http://www.3nzh.com/vb/archive/index.php/t-37620.html
مشاهدة النسخة كاملة : مذكرات (( عراب الساحه الشعريه ))
محمد الباطحي
01-06-2009, 11:53 PM
سليمان الفليح السبيعي العنزي او بما يسمى (( عراب الساحه الشعريه ))
هو اديب عنزه الاول
هو اديب الوطن
هو اديب المجتمع
لديه ذلك الاحساس
لديه تلك الحكمه
ذو مقالات قويه وجريئه ويسعى الى اصلاح المجتمع
لكن من اخرج هذا الاديب ؟
من الذي جعله هذا الشاعر ؟
من الذي جعله هذا الناقد ؟
كيف اصبح اديب عنزه الاول ؟
كيف اصبح عضو اللجنه التحكيميه لشاعر العرب ؟
كيف ان قبيلة عنزة اصبحت تفتخر بوجود سليمان الفليح من ابناءها ؟
كل هذا ستجدونه معي (( محمد العنزي ))
سليمان الفليح في مكتبه
بطالة الغُزاة
في أواخر الستينات الميلادية من القرن المنصرم تركت المدرسة المتوسطة وأنا أتأبط بدلاً من الكتب المدرسية روائع الأدب العالمي مثل «البؤساء» لفيكتور هوغو، و«دكتور زيفاكو» لباسترناك و«المعطف» لغوغول وروايات شارلوت برونتي «مرتفعات ويذرنج» و«ذهب مع الريح» و«الدون الهادئ، ثم «بين القصرين» و«خمارة القط الأسود» لنجيب محفوظ وجميع أعمال محمد عبدالحليم عبدالله الذي لا أعرف اليوم كيف توارى عن المشهد الروائي وكان بالنسبة إلى جيلي أهم من نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي، لكنه بالطبع ليس أهم من يوسف إدريس الذي كنا نراه روائياً تقدمياً وأكثر «شبابية» من الآخرين.
أقول حينما تأبطت تلك الكتب وهي الحصيلة التي خرجت بها من «العلام» كله ـ على ما يقول إخواننا المصريون ـ قبعت في ديوانية عمي «سعين بن باطح العنزي» المشهور بـ «أبي المزنوك» في عشيش «الشدادية» وتفرغت لـ «صب القهوة» لـ«الشيّاب» الذين يفدون إليه يومياً من مختلف القبائل والذين كان يدور جل حديثهم عن الغزوات القبلية و«الحنشلات» والصعلكة التي كانوا يمارسونها ضد بعضهم البعض قبل استتباب الأمن في المنطقة وصدور قوانين منع الغزو في بداية الثلاثينات من القرن الماضي.
وأصبح الغزاة الآن يمارسون البطالة واجترار الماضي، التعيس بالنسبة إلينا، السعيد بالنسبة إليهم، والذي أصبح مجرد ذكريات يفخرون بها ويتندرون على بعضهم حينما ألقوا رماحهم وسيوفهم وسلموا بنادقهم إلى السلطات. كنت أصغي أحياناً بشغف حين تحتدّ بينهم المناقشة حول من أوقع صاحبه عن الفرس أو «الذلول» بطعنة نجلاء غير قاتلة، وكيف منعه «أسره» ووفر له الأمان في ساحة الوغى رغم أنه من الأعداء.
وكنت أتعجب كيف يكشف أحدهم للحاضرين عن طعنه صاحبه الذي يقابله الآن في المجلس ويحتسون القهوة معاً بكل أمن وأمان ويضحكون من سخريات القدر في ذلك الزمن، ذاك الزمان الذي جعلهم أحبة وأصدقاء لهم ذكريات حميمة مشتركة. لذا تجد في ديوانية «أبي المزنوك»: الفارس الظفيري، والفارس الشمري، والفارس المطيري. بالطبع كلهم الآن فرسان أو «قتلة» متقاعدون، بل لصوص عتاة يمارسون الحنشلة و«السطو» على إبل بعضهم بعضاً في السابق ويعتبرون ذلك ضرباً من البطولة مثلما كان يفعل أسلافهم الجاهليون. واليوم إذ أستعيد وجوههم المتجهمة وجباههم العالية ولحاهم الجليلة الشمطاء أحس بقصور فادح لأنني عرفت أهميتهم فيما بعد
نشر بتاريخ 25-07-2008
وأيضاً الغزاة
حينما كبرت وتوسع اطلاعي على تاريخ المنطقة، وجدت بعض أسماء أولئك الغزاة ووقائعهم ترد في بعض مؤلفات المؤرخين المتأخرين من الأجانب الذين كان لهم دور سياسي في المنطقة مثل (دكسون)، وغلوب، وليتشمان والحاج عبدالله (فيلبي). إنني أحس الآن بقصور؛ لأنني لم أكن حقيقة أعرف أهمية أولئك الرجال الذين كانوا جزءاً من التاريخ ـ إلاّ أنني أبرر ذلك القصور وعدم الاهتمام بأنني كنت حينما ينشغلون في (المعاياه) و(المعايرة) والنقاش أفتح كتاباً من روائع الأدب العالمي أستغرق في قراءته وأنا أجلس خلف الوجار أو (الوجاق) أو موقد النار وأقول في نفسي: يا للمتخلفين!! لكنني ـ أحياناً ـ كثيراً ما أجد نفسي مشدوداً بانشداه إلى وصف موقف تاريخي كان اثنان منهم شاهدين عليه، وكان كل منهما آنذاك في صف عدو الآخر كما هي طبيعة القبائل وزعمائها في ذلك الزمان، وأعني بذلك منذ مطلع القرن العشرين حتى الربع الأخير منه الذي أصبحت فيه تلك الأحداث العاصفة مجرد ذكريات نجترها اليوم.
وكان عمي أبو المزنوك ـ رحمه الله ـ، وكما يذكره جيداً الصديق والزميل وابن قبيلتي سعود راشد العنزي الذي سوف يجيز هذه المقالة، شخصية طريفة لم تفارقه (اللثمة أو اللطمة) الجزئية التي تغطي نصف وجهه حتى مات، كان راوية رائعاً، وشاعراً ساخراً، وعاشقاً أزلياً حتى قبل أن تغيبه الأيام، وأنا إذ أستشهد بـ (أبي راشد) فلأنه قد أدركه في سنواته الأخيرة إذ كان جاراً له في مدينة الجهراء، ولكنه لم يكن يدرك أنه (جوّاب آفاق) خطير.
أقول: إن ذلك الوضع المتناقض بالنسبة لي أي نزوعي الثقافي التقدمي وتطلعي إلى المستقبل من جهة كانت تجاذبه من ناحية أخرى (ثقافة الصحراء!!) التي تشدني إلى الخلف. ولكنني ـ ولله الحمد ـ استطعت أن أوازن بين التجاذبين، وأستفيد من ثقافة المدينة وإرث الصحراء كما قال أستاذي الراحل خالد سعود الزيد ـ طيّب الله ثراه ـ: (تلتقي المدنية بخبرتها، والبداوة بفطرتها في شخص العبد الله)، وبالرغم من أن المفردة الأخيرة (العبد الله) هي من حقوق الملكيات الصحفية الخاصة بصديقنا الكبير أبو نواف ـ سليمان الفهد (ما غيره) والذي سأتحدث عنه في مقالة قادمة باعتباره المفتاح الذهبي لي في الدخول إلى عالم المدينة
نشر بتاريخ 25-07-2008
الصعلوك في الجيش
لم يكن ينقذني من هذا الروتين المتناقض (قراءاتي وسوالف الشيبان) سوى مدرس اسمه أحمد العتيبي (الله يذكره بالخير) كان يحب هذه (السوالف، وكان يأتي أحياناً لأخذ (حصة) من التخلف عصراً... ويُدرّس حصة في التقدم صباحاً للتلاميذ، ثم يذهب (يكدّ) على سيارته (العبري) ـ أي التاكسي في المساء؛ لزيادة دخله الشهري، وكان بمثابة المنقذ لي؛ إذ يصطحبني أحياناً؛ لنتحدث وهو (يكدّ) عن الرواية والشعر والثقافة أو نفتح حواراً مع أحد الركاب ليحدثنا عن رواية واقعية من خلال تجربته في الحياة، ثم في نهاية (المكدّة) نتناول بعض السندوتشات و(الكنددراي) ـ مشروب كان ينافس البيبسي ـ ثم نختار فيلماً هندياً في سينما الفردوس ـ وكان ذلك قمة (الوناسة) في ذلك الزمان. وبالطبع لم يستفد أحمد، ولم أستفد أنا بأن يصبح أحدنا روائياً مثل (تشيخوف) أو تولستوي أو ديكنز؛ وذلك لأنني دخلت إلى السلك العسكري، وأحمد انتقل من مدرسة العضيلية إلى مدرسة أخرى، وانقطعت بيننا الصلات؛ إذ إنه ليس في ذلك الوقت من يملك منا (موبايلاً) أو هاتفاً نقالاً، بل حتى تليفوناً عادياً للتواصل والاتصال!
منذ النصف الأول للقرن المنصرم (العشرين) كان الالتحاق بالجيش الكويتي (غاية المُنى)، بل كان الحلم الأمثل لكل أبناء البادية في الخليج والجزيرة العربية وبعض البوادي المحاذية لهما والتي يتجول فيها أبناء القبائل التي تنتمي إلى الجزيرة العربية، وكان القبول في ذلك الجيش الباسل يستند إلى التحقق من الأصل القبلي للفرد الذي ينوي الالتحاق بشرف خدمة الكويت، بل كانت هنالك لجنة من الضباط الذين ينتمون لتلك القبائل مهمتهم التحقيق مع المتقدم للالتحاق بالجيش؛ للتأكد من هويته (القبلية) إن لم يكن يحمل الجنسية الكويتية، وفوق ذلك تُعرض طوابير جميع الذين أنهوا إجراءات القبول على اللواء الشيخ صالح المحمد الصباح، وكان خبيراً بالقبائل، ولديه فراسة نادرة في معرفة الرجال، وكان أن كدت أخفق مرتين بالدخول إلى ذلك العالم الحلم ـ الجيش الكويتي ـ ففي المرة الأولى كانت بسبب اللياقة البدنية التي تُوجب أن يكون وزن الجندي (50 كغم) فما فوق، وكان وزني آنداك (49 كغم)، فأشار علي أحد الرجال ـ الله يذكره بالخير ـ أن ألتهم كيلو موز قبل الدخول إلى الطبيب، وكان أن قبلت بنصيحته فاجتزت الاختبار. أما المرة الثانية فهي أثناء عرض المقبولين نهائياً على الشيخ صالح الذي كان يرفض المتقدم لمجرد الشكل، بل أحياناً حتى الصورة في الملف؛ ففي أثناء مروره بين الطوابير وكان شخصية مهيبة، وله كاريزما قيادية قلما توجد في الرجال؛ لذلك ما إن توقف أمامي حتى حدجني بنظرته النفّاذة الحادة وحاجبيه المقطبين، وسألني على الفور (من أين أنت يا بوعيون زرق؟!)، وقبل أن أقول له أنا (عنزي) انطلقت جملة من أحد المدربين الذين كانو يسيرون خلفه بقوله: ابن عم يا طويل العمر!! فأدار وجهه عني وحدق بالمدرب بعيني صقر يقدح منهما الشرر، وقال له بغلظة: ومن سألك أنت؟ ثم أكمل مسيرته يتفقد الطوابير. وفهمت فيما بعد أن المدرب الذي أخذته النخوة القبلية كادت أن (تطير رتبته العسكرية وكان برتبة (عريف)، ولكنه قال للشيخ بكل شجاعة: لأول مرة يا سيدي تخذلك فراستك، ولم أكن أريد لك ذلك؛ لأنك إن كنت تشك في (أصلنا كلنا أبناء هذه القبيلة التي تخدمك بإخلاص)، فشكك في أصل هذا الرجل جائز؛ لأننا (نخصّه ونقصه) فلم ينبس الشيخ صالح بكلمة واحدة سوى: انصرف يا عريف، وهكذا التحقت بالجيش الكويتي الباسل، والذي كان منذ التأسيس جيشاً عظيماً انتقائياً احتوى على خيرة الشباب من أبناء القبائل العربية الأصيلة
نشر بتاريخ 25-07-2008
على أعتاب الصحافة
التحقت بالجيش الكويتي الباسل، وأقول الباسل فعلاًً لأنه قد شارك في كل الحروب العربية الاسرائلية على جبهات القتال منذ عام 1967م حتى عاد إلى أرض الوطن في 1974 بعد حرب اكتوبر المجيدة وكان أداؤه رائعاً على الجبهتين المصرية والسورية وقد سقط منه الكثير من الشهداء الأبرارالذين امتزجت دماؤهم الطاهرة بدماء إخوانهم العرب دفاعاً عن حرب الاستنزاف وخصوصاً على الجبهة السورية الأمر الذي أتمنى من خلاله أن يسجل القادة العسكريون الذين شاركوا في تلك الحروب من الضباط الكويتيين تفاصيل وذكريات تلك المشاركات لأن التاريخ لا يحفظ إلاّ ما يُسجل على صفحاته من أفعال.
أقول التحقت بالجيش الكويتي في عام (1970م) وبعد التخرج من مدرسة التدريب وعملي لسنة واحدة ككاتب سلاح ثم كاتب في جناح الرياضة في المدرسة اسندت رئاسة الأركان العامة للمقدم الراحل وجيه المدني طيب الله ثراه، مهمة تشكيل ركن التوجيه المعنوي في الجيش الكويتي، وكان (أبي طلعت) وجيه المدير يرحمه الله خبره في تشكيل بعض ألوية الجيش الكويتي، وكان حينها قد عاد بعد صدمة تاريخية تلقاها من جامعة الدول العربية حينما اكتشف كما كان يقول دائماً أنه (لا أحد من العرب يفكر جدياً بتحرير فلسطين وأن العرب سيصالحون يوماً الاسرائيليين)!!! قول تلقى (الصدمة حينما تطوع بعد استئذانه أمير الكويت أن يلتحق بأحمد الشقيري لتأسيس جيش التحرير الفلسطيني وقد ضحى أبو طلعت يرحمه الله بكل الامتيازات التي حصل عليها من الكويت باعتباره فلسطينياً مخلصاً لوطنه الأم – فلسطين – كـ (الجنسية الكويتية والرتبة العسكرية – مقدم آنذاك) تلك الامتيازات التي كانت (حلماً خرافياً) لأيّ عربيّ في ذلك الوقت وفوق ذلك لبّى أبو طلعت رحمه الله النداء ولكنه سرعان ما عاد من جامعة الدول العربية مخذولاً – لما كان يجري خلف الكواليس واستعاد بأمر من أمير البلاد كل امتيازاته الكويتية السابقة وبقي يرحمه الله مخلصاً للكويت حتى توفاه الله، وأذكر أن أبناءه حملوه مريضاً عاجزاً أثناء الاحتلال العراقي للكويت إلى أرض المملكة العربية السعودية ولكنه كان يلح عليهم أن يعيدوه إلى أرض الكويت ليحتضن ترابها جثمانه الطاهر وبالفعل كان له ذلك لأنه كان كما أعرفه عن قرب يعشق الكويت حتى الموت.
وحينما شكل أبو طلعت التوجيه المعنوي كنت قد تعرفت في مدرسة التدريب على القاص الإماراتي المبدع محمد حسن الحربي وكان يكتب حينها الخواطر التي تشبه القصص القصيرة وكنا آنذاك مجرد جنديين لنا اهتمام بالأدب وكنت أُسمعه ما أكتب من الشعر ويطلعني على ما يكتب من القصة، فسمع بحكايتنا (وجيه المدني) ونقلنا من المدرسة إلى ركن التوجيه وكانت تلك النقلة هي الباب الشاسع إلى عالم الإعلام.
نشر بتاريخ 25-07-2008
القادمان من العشيش
قرر وجيه المدني يرحمه الله إدخالي إلى دورة في التحرير الصحفي في جريدة السياسة الغراء وذلك لتأهيلي (مراسلاً حربياً) أما محمد الحربي فقد أدخله إلى دورة في الإذاعة لينقل رسائل الجنود الصوتية إلى أهلهم وذويهم من الجبهة (المصرية) ومن خلال تلك الصداقة التي ربطتني بالحربي فقد أتيح لي أن أتعرف مبكراً على كتابات أدونيس وصادق النيهوم وعبد الله القصيمي وكولن ويلسن وإسماعيل فهد إسماعيل وكل الكتاب المثيرين في ذلك الوقت بالرغم من أن عقولنا (الغضة) وثقافتنا المتواضعة لم تكن تحتمل استيعاب تلك الأعمال ولم أكن أعرف كيف كان الحربي يتوصل إلى هذه الأسماء إلى أن اكتشفت أنه كان يستعيرها من مكتبة الصديق الراحل المقدم خضير محمد الحربي يرحمه الله والذي كان مثقفاً نادراً في ذلك الزمان، ثم صار لدينا رافد آخر هو المكتبة الكبيرة التي كانت تزدهي بأمهات الكتب والتي أسسها الأستاذ (وليد كرداسي) بأمر من وجيه المدني
وكان وليد هو أول من دربني على صياغة الخبر وأتيح لي أن أتعرف من خلاله على نجوم الصحافة في السبعينات كالأستاذ خالد قطمة ونجيب عبد الهادي يرحمه الله وبشير بوارش ومصطفى أبو لبدة وكان الجميع مبهورين بـ (ولدٍ فلته) اقتحم عالم الصحافة، جاء من عشيش المقوع اسمه (حسين العتيبي) إذ كان أول عمل صحفي له بمثابة (خبطة صحفية) أخذ يتحدث عنها الجميع ألا وهي استطلاع جريء عن (البغاء في العشيش) وقد نشره إن لم تخني الذاكرة في مجلة اليقظة التي كان يملكها آنذاك الأستاذ (أبو نضال – خالد قطمة) وفي أول لقاء لي مع خالد قطمة طلبت منه أن (يعرّفني) على ذلك الشاب البدوي القادم من عشيش المقوع والذي أصبح حديث المجتمع وأعني بذلك الصديق – لاحقاً – حسين العتيبي فما كان من أبي نضال إلاّ أن (نادى) حسين العتيبي وعرّفني به وقال لي أرجو أن تصبح صحفياً جريئاً مثله ما دمتما بدويين قادمين للمدينة من العشيش ثم ربطنا بتحقيق مشترك هو تغطية مناورة للجيش الكويتي في الصحراء الأمر الذي جعلني أعرف (أبا ناصر – العتيبي) جيداً في تلك الرحلة التي ربطتني بصداقة أبدية معه حتى اليوم والتي كانت مفتاحاً للدخول إلى عالم (الـ عبد الله) سليمان الفهد الذي كان نجماً (ملعلعاً) في سماء الصحافة في أوائل السبعينات
كما أن (المقادير) أو صدفة الأقدار قد جمعتنا (جميعاً– أبو نواف الفهد – وحسين العتيبي وأنا) في بلاط جريدة السياسة أو على (بلاطها) حينما كنت متدرباً فيها وكانت حينها تعج بنجوم الثقافة والأدب والفن والإبداع (أحمد الربعي – عبد اللطيف الدعيج – عبد الله النفيسي – ناجي العلي وعبد الله المحيلان، سميح سماره، صالح عباس، مصطفى أبو لبدة، محمد زين، جلو دلال وزجها الراحل (قاسم أفيوني)، أبو الخير – يرحمه الله – وسنكمل فيما بعد.
نشر بتاريخ 25-07-2008
الليبرالية. عيب!!
قلت في الحلقة السابقة إن جريدة «السياسة» في مطلع السبعينات الميلادية كانت تعج بالكتَّاب المبدعين من مختلف المدارس والاتجاهات، وذكرت منهم الصديق الدكتور أحمد الربعي (شفاه الله)، والزميل عبد اللطيف الدعيج (أبوراكان) الذي كان نائباً لرئيس التحرير الأستاذ أحمد الجارالله والذي علّمنا (أي أحمد) – بصدق – وهذه شهادة للتاريخ – كيف تكون حرية الصحافة وكيف يكون الكاتب حراً برأيه حتى ولو كان معاكساً لرأي رئيس التحرير وتوجهات صحيفته أيضاًً، لدرجة أننا نحن كتّاب الصفحة الأخيرة في مرحلة زيارة السادات للقدس كنا نكتب ضد تلك الزيارة بل ضد رئيس تحريرنا (أبومشعل الجارالله)- الذي كان مؤيداً- لتلك الزيارة، لذلك كان يجد القارئ أننا كنا نشتم الجارالله على الصفحة الأخيرة وهو يشتمنا على الصفحة الأولى من جريدته «السياسة».
وبالرغم من ذلك كان يحترمنا ونحترمه ولو أننا كنا (نعيّره) حينما يقول لنا (أنا ليبرالي)، وذلك لزعمنا – آنذاك – أن الليبرالي – هو من لا موقف له ولا التزام أيديولوجي في الوقت الذي أصبحت فيه هذه المفردة اليوم والمتعلقة بـ (الحرية) أو هي ترجمتها الحرفية (ليبرتي) تعنى لدى العامة أو من شوهوها لهم هذه (الخلطبيطة) من الاشتراكية والقومية والوطنية والتقدمية والانفلات والإلحاد والعياذ بالله. وجرى عليها مثلما جرى على (الحداثة) من تأويل وتشويه. ما علينا من ذلك كله – أقول كانت جريدة «السياسة» تجمع كل الأطياف (الشيوعي والبعثي والقومي العربي والمنتمي للإخوان المسلمين والحكومي والمعارض والبوهيمي والفوضوي والصعلوك ومن مختلف الأقطار (اللبناني والمصري والفلسطيني واليمني والسوداني والسوري والحضري والبدوي – على حد سواء).
وكانت الألفة والعلاقة المشوبة بالمحبة والتقدير تسود هذا الجو العاصف الموّار، لدرجة أنهم يختلفون على صفحات (الجريدة) ويسهرون في الليل معاً في بيت أحد الزملاء بغض النظر عن جنسيته أو أصله أو اتجاهه، وأذكر أنه اجتمع في جريدة «السياسة» في أواخر القرن المنصرم أسماء عربية هامة مثل محمود السعدني من مصر، وحسن العلوي من العراق، وناجي العلي من فلسطين، وقاسم أفيوني من لبنان، ومصطفى أبو لبده من فلسطين، ناهيك عن أسماء مبدعة كما قلنا مسبقاً من كويتيين مثل سليمان الفهد، وعبد الله المحيلان، وأحمد الديين، وعبد الله النفيسي وحسين العتيبي، وفيصل القناعي، وأنور حماطي، وعبد اللطيف السعيد (جهراوي)، ومطلق مساعد العجمي، والشاعر المبدع فيصل السعد الذي فتح لي بوابة الشعر وأضاء لي طريق الإبداع، وقادني إلى رابطة الأدباء لألتقي بالأب خالد مسعود الزيد يرحمه الله ومن ثم المرحوم عبدالله العتيبي وخليفة الوقيان.
وأذكر من الزملاء الآخرين الكابتن رمزي عطيفة، محمد الحبروك، محمد عبد الحميد، فايز كركوتلي، نبيل غزاوي، عبد اللطيف الأشمر الذي كان سكرتيراً للتحرير وهو أول من (زرّق) لي زاوية في صفحة المجتمع كان اسمها (مخاريز) وكنت أوقعها باسم (مخراز) وكانت عبارة عن قصائد شعبية ساخرة تنتقد بعض الأوضاع الاجتماعية في البلد. وهذه الزاوية هي التي شدت انتباه سليمان الفهد إلى ذلك الولد البدوي القادم من صحراء العطش ومداين الصفيح والخشب، إذ أذكر أن العبد لله – هكذا كنا نسميه لشغفنا فيما يكتب في زاويته (سوالف)-، أذكر أنه جاء إلى الجريدة في إحدى ليالي الشتاء وكان يرتدي معطفاً طويلاً يذكّرني بغوغول في روايته الخالدة (المعطف)، وصهل بسعلته العتيرة وشاربيه اللّذَين ينسدلان على حنكيه قبل أن يدخل إلى مكتب الزميل محمد زين: أنا جاي أتعرف على مخراز ووينه هالمخراز؟! حقيقة لقد قفز قلبي من الفرح – ولكن عنفوان الشباب أبى أن أكون (مندلقاً) (هكذا سبهللا) – هذه من عباراته- وأرتمي بأحضان أستاذي الذي شغفت بكتاباته قبل أن أراه.
لذلك قلت: (أركد يا ولد خلك ثقيل. اللي يبيك يجيك هكذا علمتنا (القبيلة!!) وبالطبع اختفى صوت أبي نواف في مكتب محمد زين و(التمّ) حوله بعض الزملاء الذين كانوا يحبونه كثيراً ولم يطل بي الانتظار إلا وأم الخير (جلو دلال)، هكذا اسمها المختصر لـ (جل الخالق دلال أفيوني) – تصرقع – بشتائمها العتيدة كالعادة وهي تشخط بالمحرريين بلا رحمة (وينو هالزفت البدوي؟!) وبالطبع هذه من أقل شتائمها وطأة – وبالمناسبة فإن أم الخير الله يذكرها بالخير – كانت ولا زالت – شخصية مُهابة – في العمل.
ونكمل في ما بعد.
نشر بتاريخ 25-07-2008
شهادة بـ (الزفت!!)
قلت في المقالة السابقة إن العبد لله – سليمان الفهد – كما كان يسمي نفسه ويسميه القراء حينما أتى إلى الجريدة وسأل عن ذلك الذي اسمه (مخراز) والذي هو (أنا) كاد قلبي أن يقفز من الفرح، لأن التلميذ سيكون أمام أستاذه الذي لم يره وحينما أقول إن سليمان الفهد أستاذي في الصحافة وخصوصاً في كتابة المقالة، فإنني لا أجد ضيراً من ذاك، فلمَ لا، ولمَ لا نردّ الفضل إلى أصحابه ولمَ تأخذنا العزّة العمياء دوماً كعرب مصابين بتضخم الأنا و(التوحد)، إذ إن واحدنا مهما صُغر شأنه يعتقد أنه (الفهيم) الأوحد والمبدع الأوحد والزعيم الأوحد، مما أوصلنا إلى ما نحن فيه من (دواهي!) على كافة الأصعدة بما فيها (الوحدوية)!!
وفي صدد (الأستذة) فإننا كثيراً – وكلما زادت – معارفنا نكتشف أن هذا المبدع العالمي قد تأثر بمبدع عالمي قبله، إذ أذكر في هذا الصدد أننا أثرنا في الثمانينات الميلادية وفي جريدة السياسة كيف تأثر محمود درويش في قصيدته «مرثية لعزل الدين القلق» بقصيدة سعدي يوسف في مرثية للمهدي بن بركة وهذا الأمر قادنا لأن نكتشف أن سعدي قد تأثر بايلوار، وايلوار قد تأثر برمبو ورمبو قد تأثر بأدغار الن بو، وهكذا هي الحياة حتى بالنسبة للحضارات، فكيف الحال بالبشر، ومن لا يصدق ما أقول فيما يخص التأثر والتأثير فليسأل الصديق (طالب سعيد العنزي الذي أنفق جُل عمره وصحته بين الكتب في مكتبه الصليبيخات وهو يكتشف يومياً كيف تأثر بل أحياناً حد النسخ – هذا المفكر بذاك المفكر بل كيف أخذ عنه الى حد السرقة!!
ما لنا ولذلك كله، المهم أن سليمان الفهد حينما جاء في إحدى زياراته لجريدة السياسة والتي كان يرسل مقالاته إليها آنذاك بواسطة سائقه السوري المتجهم دوماً والذي أعتقد أن اسمه محمود إن لم تخني الذاكرة وكان محمود هذا رجلاً يميل إلى السمنة ويعتمر شماغاً يلفه حول رأسه دوماً فيسلّم مقاله (معزبه – أو معذبه) لا فرق أبي نواف إلى مدير التحرير ويمضي دون أن ينبس ببنت شفه، الأمر الذي كنا نغبطه عليه؛ لأن لديه من يوصل مقالته للجريدة وليس مثل بقية الزملاء الذين يأتون من مناطقهم البعيدة لتسليم مقالاتهم. كـحسين العتيبي الذي كان يأتي من المقوع وأنا الذي كنت آتي من الجهراء ولم يكن هنالك آنذاك لا فاكس ولا إنترنت ولا ما يحزنون.
أقول ذات مرة مرض سائق سليمان الفهد وجاء أبونواف (بقوته الذاتية) ليُسلّم مقالته، وكان أن سأل كما قلت عن ذلك الفتى الذي اسمه مخراز، وقلت إن أم الخير قد اقتحمت صالة التحرير وهي تبحث عن ذلك «البدوي الزفت»، وأم الخير كما قلت لكم كانت شخصية مهابة (تشخط) بأي كان دون حساب إذ (الويل. كل الويل) لمن يُقصّر في عمله من المحررين ويقابلها في ممرات الصحيفة وهي ترتدي بنطال الجينز بشعرها الأشعث وسيجارتها العتيدة إذ إنها تصب عليه كل قاموس الشتائم التي تحوّل أي صحفي ضخم إلى مجرد تلميذ مذنب أمام (ناظر) طاغية!! أقول لعلعت أم الخير في مدخل صالة التحرير وهي تقول «يا بدوي يا زفت تعاء» وبالطبع (تعييت) صاغراً وقادتني من يدي (كمخالف للإقامة يقوده شرطي في الشويخ الصناعية) ثم قالت وهي تدخل بي إلى مكتب محمد زين حيث أبونواف الفهد (يتمقعد) هناك: هيو. الزفت بس مبدع موعارف حالو.. وهنا كدت أقفز من الفرح وأقبّلها على شعرها الأشعث. لأنه ليس من السهل أن تمتدح أم الخير أحداً في ذلك الزمان بل تعطي شهادتها حتى ولو كانت مخلوطة بـ (الزفت).
نشر بتاريخ 25-07-2008
الصعلوك والشاه
قلت في الحلقة السابقة إن (أم الخير) - الله يذكرها بالخير - ويرحم زوجها (أبا الخير)، الأستاذ قاسم أفيوني الذي كان يعمل حينها مديراً للتحرير، بالإضافة إلى الأستاذ مصطفى أبو لبده والأستاذ محمد زين، أقول إنها حينما قادتني من معصمي الناحل وعرفتني بـ (العبد الله سليمان الفهد) وقالت (هيو... البدوي (الزفت) لكنه مبدع!! نهض أبو نواف وعانقني كصديق غاب عنه طويلاً وهو يربّت على كتفي، وقال بلهجته النجدية (يا الله حي البدوي)، وبعد السؤال عن الحال (والذي فيه) قال لي: اسمع ايها الصعلوك أنك لا تقلُّ إبداعاً عن أحمد فؤاد نجم، هل تعرف نجم، وحينما قلت له لا، قال لي سأرسل لك شريطه مع (سحس) وكان يقصد صديقنا المشترك حسين العتيبي ثم (فقعني) بسؤال آخر: هل تعرف مظفر النواب؟ فقلت له: بلا أليس هو كاتب أغنية «للريل وحمد» التي يغنيها الفنان العراقي (ياس خضر) أنا لدي ديوانه الذي يحمل اسم الأغنية، فقال لي: أعني هل سمعت قصائده الفصيحة؟ فقلت له: لا كل ما أعرفه أنه شاعر شعبي، لكنني صراحة لم أفهم كل مفرداته الموجودة في الديوان، والتي كتبت باللهجة العراقية كما (تنطق)، فقال لي: حسناً، لقد أحضر لي صديقنا سحس (العتيبي) شريطاً رائعاً له وأرجو أن تطلب نسخة منه، ثم أردف حواره معي بسؤال ثالث: هل تكتب الفصحى؟ فقلت له بلا، ثم (سعل) سعلته الشهيرة وقال لي: هيا اسمعنا من شعرك الفصيح، ثم رحت أنشد كطالب ابتدائي أمام مدير مدرسة (حمش):
لا يفيه الظل من يفتأ ظله
وانزواء الشمس في الظل مذله
واختفاء الظل فجر الأفاعي
وانبلاج الفجر للخفاش ذله
ذاك أن فكرت لغز
موغل في البعد حله
فاسمحوا لي أن أتمنى
فاجترار الصمت عله
وليقول الناس عني
شاعر قد خُلّ عقله
فأنا خل وصحو
واختلال الصحو خله
واختلال الخل وعي
بعد تبيان الأدله
والأدله؟!
يا صديق الروح لا تخفى الأدله
فابتداء العصف، يأتي الصمت قبله
واحتدام الرعد للآفاق وعد
لا يفي أن لم يضئ البرق حوله
والأدله
يا صديق الروح لا تخفي الأدله
أن أتيت (الشاه) خلف البحر قل له
لا يصدّق قوله الواشين فينا
فهو يدري أننا قوم أذله
فإذا أدلى بقول أصبح العملاق نمله
وكان يقول (مولانا العبد الله) كما أسميناه لاحقاً، وكلما وصلت إلى مقطع من القصيدة... الله... الله (يا سُلم)
ثم نهض وعانقني وقال لي: أنت (نجم الكويت ومظفرها) ويقصد بذلك الشاعرين معاً أحمد فؤاد نجم ومظفر النواب.
وفي هذه الأثناء دخل علينا الأستاذ أحمد الجار الله، الذي كان يتجول كعادته في صالة التحرير ليمازح المحررين، ولم أنتبه إلى أنه كان واقفاً على باب مكتب محمد زين أثناء إنشادي القصيدة:
وهنا باغته العبدالله بسؤاله العتيد (وينخ) يا رجل: أي (وينك) يا رجل أو أين أنت، لماذا تخبئ عنا مثل هذه الدرر وأشار إليّ. وهنا جلس الأستاذ أحمد وأمرني بالجلوس، بينما كان سليمان الفهد يسترسل في الحديث.
أسمعت هذه المهجوه بالشاه أي شاه إيران السابق، لقد لعن هذا الصعلوك (سنسفيلة)، بل سنسفيل الأمة الغبية التي وصفها بالعملاق الذي يتحول إلى نملة أمام تهديدات الشاه باحتلال الخليج... وبالطبع فهم سليمان الفهد القصيدة وكانت بالفعل بمناسبة تهديد الشاه لدول الخليج، إذا ما اضافت إليه كلمة العربي كصفة للخليج.
وكان أبو نواف الفهد (عروبياً للنخاع) لأنه تعلم في القاهرة إبّان المد العروبي أيام عبد الناصر، ثم عُيّن ملحقاً إعلامياً في السفارة الكويتية في دمشق بعد التخرج، وظل وفياً لعروبته (الحقة) حتى اليوم.
بعد ذلك التفت أحمد الجار الله إلى محمد زين وقال له: أنقل زاوية (الفليح) إلى الصفحة الأخيرة، فكدت أطير من الفرح وذلك لأن الصفحة الأخيرة كانت تحتوي على كاريكاتير الزميل الراحل والرمز الفلسطيني (النقي) ناجي العلي، وكانت زاوية مصطفى أبو لبده (الجهات الأربع) تقع إلى يمين الكاريكاتير، وزاوية سليمان الفهد تقع إلى يساره، وأصبحت زاويتي فيما بعد تُنشر تحت كاريكاتير ناجي العلي، وهكذا فجأة تحولتُ إلى كاتب (نجم) مثل سليمان الفهد ومصطفى أبو لبده ومحمد مساعد الصالح، الذي كان يكتب في «الوطن» والمرحوم عبد الله الشيتي الذي يكتب في «الرأي العام»، وبمناسبة ذكر «الرأي العام» لقد كانت المنافسة على أشدها بين الجريدتين «السياسة» و«الرأي العام» التي كان يملكها المرحوم عبد العزيز المساعيد، والذي (عزّ) عليه أن يخرج محرر كان يعمل (عنده) ليصبح منافساً له في صحيفة تجاوزت صحيفته بالشهرة والانتشار، وأعني بذلك المحرر الأستاذ أحمد الجار الله أمدّ الله في عمره.
نشر بتاريخ 25-07-2008
العبد لله... يبحث عن الشهرة
قلت في الحلقة السابقة إنني التقيت سليمان الفهد في مكتب الزميل محمد زين، وقلت إن أحمد الجارالله أعطى أوامره «الرئاسية» إلى محمد زين بأن ينقل زاويتي (مخاريز) من صفحة المجتمع إلى الصفحة الأخيرة، وهنا «لعب الشيطان في عبّي»، وقلت «يا ولد» لم لا تصبح مشهوراً بعد هذه النقلة الهائلة والسريعة وتصبح كاتباً مرموقاً مثل سليمان الفهد، ودعك من هذه الـ«الخرابيط» الشعبية التي تكتبها باللهجة العاميّة، وتتناول القضايا الساخنة في الساحتين المحلية والعربية اللتين كانتا آنذاك تموران بالأحداث.
كانت تلك الفكرة تمور في خاطري، بينما كان مكتب محمد زين يغص بالزملاء الذين جاءوا للسلام على أبي نواف الفهد، والذين انخرطوا في نقاش حاد بشأن ما تقوم به إسرائيل من سباق تسلحي وتكنولوجي، بينما نحن العرب نتسابق على الهزائم المتوالية أمامها، وهنا أفلتت مني جملة بريئة وقلت يا أخوان «إن الفرق بيننا وبين إسرائيل أنها تصنع التكنولوجيا ونحن نصنع «الهذرلوجيا» فضج الزملاء بالضحك لهذه المفردة الساخرة» وهنا قال سليمان الفهد وجدتها وجدتها لماذا لا تُسمي زاويتك على الصفحة الأخيرة «هذرلوجيا»، فاستحسن الزملاء الفكرة وأجمعوا عليها لا سيما الذين يعرفونني جيداً على أنني «ساخر» بالأساس في حياتي اليومية، فلم لا أستغل السخرية في الكتابة النثرية بدلاً من السخرية الشعرية باللهجة البدوية التي لا يفهمها أغلب اخواننا العرب الذين يقيمون في الكويت، ومن ذلك اليوم ولدت زاويتي (هذرلوجيا) التي تنقلت معي في ما بعد إلى عدة صحف يومية ومجلات اسبوعية، ومازالت تصاحبني حتى اليوم في جريدة الجزيرة الغراء، ومازال الناس يسألونني عن «معناها»، منذ أكثر من ثلاثة عقود ونيف على ميلادها (المجيد!!).
• • • • •
بعد ذلك لم ألتق بسليمان الفهد؛ لأنني أيقنت من خلال «غرور» الشباب أو زهوه أنني أصبحت كاتباً «كبيراً! مثله»، وذلك لأنني يومياً أسمع إطراء الزملاء وتعليق القراء واتصال المعجبات من كل أرجاء الخليج واعتقدت أنني «دنجوان» أيضاً فأصبحت أرتدي البنطال والقميص مثل عبد الله المحيلان الذي كان «دنجواناً» حقيقياً ليس على شاكلتي وشكلي، وكان عبدالله نجماً فريداً ومتفرداً في الكويت وفنانا حقيقياً لم تلد الكويت مثله حتى الآن. فهو المخرج المبدع والإذاعي المبهر والفوتوغرافي المدهش والكاتب الرائع والإنسان الحقيقي في كل تجلياته في الحياة، وذلك لما لمسته حقاً من خلال صداقة متينة ربطت بيننا في ما بعد حينما انضم إلى الصفحة الأخيرة في السياسة في لقطاته الفوتوغرافية المذهلة.
• • • • •
وإزاء هذه الشهرة المباغتة لبدوي عانى شظف العيش وجفاف الصحراء وتشققات الروح أصبحت لا أغادر الجريدة، وذلك لأنني كنت أسكن في الجهراء التي كانت آنذاك، حسب نظرتي «المخاتلة» ورغبتي «المتمايلة»، منطقة بعيدة نائية بينما السبب الحقيق هو أنني كنت بحاجة ماسة الى الإطراء والمديح والإعجاب والغزل من خلال التلفون أيضا،ً لأنني لم أكن أملك تليفوناً في البيت، وكان معي على الدوام الصديق البدوي مثلي حسين العتيبي، الذي أخذ نجمه يتلألأ من خلال جريدة السياسة، وذلك لاقتحامه القضايا الملتهبة بكل جرأة وبسالة وصدق، ثم انضم إلينا بدوي ثالث كان مسؤولاً عن الصفحة الطلابية ورئيساً عن اتحاد الطلبة في جامعة الكويت ألا وهو الصديق مطلق مساعد العجمي الذي كان أشد جرأة وحدّة لربما أكثر من حسين العتيبي
• • • • •
أقول ولأسباب بُعد السكن عن الجريدة «كنا نقضي أغلب نهارنا أنا وحسين العتيبي في الجريدة، وكنا نتناول الغداء فيها ونستقبل القراء والأصدقاء فيها، وأحياناً حينما نشعر بالتعب والكسل والنوم نتمدد على «كنبات» مكتب محمد زين الذي يظل مفتوحاً في أغلب الأحيان سواء أكان غائباً أم حاضراً، وهذه «مأثرة» لن أنساها للصديق محمد زين لأنني لم أجدها في كل الصحف التي تنقلت فيها بين الكويت والمملكة».
• • • • •
وذات يوم «جُعنا» نحن الصعاليك حسين وأنا وفتّشنا جيوبنا الخاوية في الغالب ولم نجد بها شيئاً فـ«مط» شفته السفلى حسين كعادته وقال لي اسمع «سأدلك على مأوى لم تحلم به، وستجد هناك أفخر وأثمن الأطعمة والجو الرومانسي الذي يليق بك كشاعر «عظيم!»، وقال لي هيا اركب معي أيها الصعلوك الجائع ثم شغل شريطاً لشاعر لم أسمع صوته قط وكان صوته الهادر يشتم كل شيء في الدنيا ثم يعود إلى رومانسية شعرية طاغية فقفزت كالمذهول بربك من هذا يا حسين؟! فقال لي أيها المتخلف ألم تسمع بمظفر النواب فقلت له بلى لقد قرأت له ديواناً بعنوان للريل وحمد وسمعت المطرب العراقي «ياسر خضر» يغني تلك القصيدة. أصخت السمع عميقاً ونسيت حسين العتيبي وسيارته ونسيت حتى الجوع الذي يمزق أحشائي ولم أنتبه إلاّ وهو «يركن» سيارته قرب فندق الشيراتون، فقلت له وهل جننت يا حسين؟! نحن لا نملك ثمن «السندويشه» الآن فكيف ندخل الى الشيراتون ضحك حسين واتجه إلى احدى العمارات القريبة من الشيراتون و«رعص» أزرار «الأسانسير» لينطلق بنا إلى الأعلى، وفي أحد الطوابق هبطنا فتقدم حسين إلى الباب، ورنّ الجرس، وفجأة فتح الباب خادم أنيق رحب بحسين بقوله «أهلاً يا سي حسين أزيك»، فدلفنا إلى الداخل لنجد العبد الله سليمان الفهد (ما غيره)، وكان «يتمقعد» على الأرض وهو يطوح «الغترة» جانباً لتستقبلنا صلعته اللامعة والتي لم تزل تخفي خلفها بعض الشعر الذي بدأ يغزوه الشيب فنهض حينما رآني «يا الله حي البدو» وكان يجلس بالقرب منه صديق مصري يبدو عليه الوقار والبهاء عرّفه بي ثم عرفني به بأنه من أقرب أصدقائه أيام الدراسة في مصر وقد حل ضيفاً عليه في الكويت وقبل «معزوفة الهلاءات اليعربية» قال لنا أبو نواف هل تغديتما أم لا؟ فقال له حسين لهذا «غزوناك» على حين غرة فضحك أبو نواف وتناول التلفون وقال لنا «اطلبوا وتدلعوا بدلاً من تدللوا» أيها الصعاليك وجاء إلينا بالغنائم والأسلاب»!
فانقض البدويان الجائعان على كل شيء كالذئاب الضامرة في سني الجدب واليباب!! ثم شغل سليمان الفهد المسجل الذي كان ينبعث منه صوت أحمد فؤاد نجم ورفيق دربه الشيخ أمام:
كلنا نحب السلام
والسلام بيحب مين؟
السلام يحب نوره
وشوفوا نوره تبقى مين
نوره بنت عيونها خضار
زي قلوب العاشقين
والخدود وردية حمر
والشفايف توت وتين
والضفائر تبر طاير
يبعث الشوق والحنين
نشر بتاريخ 25-07-2008
بالصرمايه
كنت أكتب مقالتي على طاولة خالية في صالة التحرير، وفجأة دخل علينا تاجر كويتي له علاقة مباشرة بجريدة السياسة، فنهض محرر فلسطيني وقبّل أنفه ثم انحنى وقبّل يديه، وكان يرحب به أهلاً عمي أهلاً عمي وكان ثمة على باب الصالة الفنان الكاريكاتيري الرائع والفلسطيني (العظيم) ناجي العلي -يرحمه الله- يتأمل المشهد، وهو يقاطع ساقيه كعادته الدائمة ثم صرخ ناجي في المحرر الفلسطيني الذي قبّل يدي التاجر: (يا أخو الشليته)، الفلسطيني حرّ. ما خلق لكي يقبل الأيادي يا ابن الـ(…)، ثم خلع ناجي حذاءه وقذفه باتجاه المحرر المسكين، وبعد ذلك ضجت الصالة بالفصل بين المتخاصمين، أخذت ناجي العلي إلى مكتبه، وكانت عروق الرقبة منه ناتئة، وكأنها توشك على الانفجار، قلت له يا أبا خالد (الناس أجناس) فصرخ في وجهي، ولكن الفلسطيني عليه أن يكون فلسطينياً حقيقياً يحتفظ بكرامته مهما كان.
هدأ ناجي ثم طلبت له فنجاناً من القهوة الثقيلة الطازجة، ثم تناول قلمه وراح يرسم لي (حنظلة وهو يقرأ مقالة المحرر الفلسطيني برجليه).
قلت له يا ناجي إذا ما فعلت ذلك فأي جريدة تستقبلك؟ هدئ من روعك.
نهض من كرسيه الخشبي ثم مزق اللوحة والتفت إليّ ثم قال: اسمع أيها البدوي: في هذا البلد كل شخص له عمّ، فما هو رأيك أن تصبح عمّاً لي وأصبح عماً لك.
صار ناجي عمي وصرت عماً له طوال وجودنا في جريدة السياسة الغراء، وفي ذات ليلة «هتف» له سليمان الفهد وقال «يا ناجي ما رأيك في أن نلتقي عند «محمد باحسين» ثمّ هات لنا الصعلوك سليمان الفليح إن وجد؟!».
ضحك ناجي طويلاً ثم قال: هو بين الأيادي، بعدها تناول السماعة محمد باحسين، وقال لي لقد اشتقنا إليك طويلاً فتعال إلى بيتي حيث ملتقى الشعراء والكتّاب والمثقفين، إن بيتي مفتوح للصعاليك والغرباء والعابرين.
أتيت إلى بيت «با حسين»، وكان يضم في جلسته الرائعة مجموعة من الأصدقاء الرائعين مثل حمود الصقعبي، وعبد الرحمن الشايع، وصقر الرشود، ومحمد السريع، والشاعر الفلسطيني مازن شديد والكاتب المصري الكبير أمين العيوطي، وحسين العتيبي، بالإضافة إلى سليمان الفهد وناجي العلي، وكان بيت «باحسين» مفتوحاً للأصدقاء إذ «يهطل» الصعاليك في آخر الليل ويجدون المأكل والمنام أيضا،ً وذلك لأن «محمد باحسين» سليل أسرة كريمة عُرفت بالكرم وقد لقب جده بـ«معشي الشجر» إذ تقول الحكاية: إن جده الأول حينما كبر وأصابه الخرف كان قد تعود طوال حياته أنه ما ان يرى ركباً قادماً حتى نحر الذبائح له، وذات ليلة مغبرة لمح أشجار سدر فظنها ضيوفاً وأمر أهل بيته بنحر الذبائح فقالوا له: إن ذلك شجر وليس ركبا فقال «عشوا الشجر». أما أبو نبيل محمد با حسين حفيده، فقد كان نبيلاً بالفعل، لا يعرف الغضب ولا الكراهية ولا الزعل، فقد خلقه الله لدماثة الخلق والضحكة الدائمة، كلمته الأثيرة (يا باي)، وكنا نرى فيه نحن أصدقاءه الكتّاب، مرآة لنا إذ ينتقد أعمالنا بكل صراحة ووضوح.
انضم الى الشلة في ما بعد المرحوم عدنان العتيقي، وهو مفكر عميق وكاتب رصين ووطنيٌ (للعظم)، كما كان ناجي فلسطينيناً (للعظم)، وقد ورث عدنان آنذاك عن جده مزارع من النخيل والأراضي والأملاك و«العبيد» فذهب إلى المملكة وأعتق العبيد وباع الأملاك، وقرر أن يتجول في بلاد الله الواسعة كبقية أصدقائه المقربين الذين كان يغدق عليهم المال، وقرر في لفتة ذكية منه أن يختبر صدق هؤلاء الأصدقاء فجمعهم ذات ليلة في مدينة لندن، وقال أيها الأصدقاء لم يبق لدي من المال شيء، وعلينا أن نعتمد على أنفسنا في هذه الديار الغريبة دعونا نعمل لنعيش أو نحصّل ثمن التذاكر التي تعيدنا الى الكويت، فشمّر عن ساعديه وعمل جرسوناً في مطعم، بينما أصدقاؤه أخذوا ينسحبون من حوله الواحد تلو الآخر، ولم يتبق لديه سوى صديق يمني اسمه أحمد، ظل يشاطره العمل ويتنقلان من بلد إلى بلد من حصلية عملهما كجرسونين ثم قال له: اسمع يا أحمد لقد جربت الأصدقاء وادعيت الإفلاس وهذا مجرد اختبار، ولكن منذ اليوم ستكون أنت أخي وصديقي المخلص، وسأقتسم معك هذه الثروة حتى يغيبنا الثرى. وبالطبع كانت تجربة عدنان تجربة ثرية في الحياة، وقد وعدنا بأن يكتبها ذات يوم، ولكن القدر لم يمهله طويلاً إذ انتقل إلى رحمة الله وهو في قمة العطاء غيفارا مات
قلت في الحلقة الماضية إنني خرجت وناجي العلي من الجريدة بعدما ضرب المحرر الفلسطيني بـ(الصرماية)؛ لأنه قبّل يد وأنف التاجر الكويتي، وظلّ يواصل السباب حتى ونحن في الشارع، حيث كان ينظر إلينا عمال الشويخ الصناعية الذين يجتمعون أمام موقف الباص بذهول غريب، ثم تذكّر ناجي حاجة قد نسيها في الجريدة فهرول نحو قسم التوزيع، وحمل رزمة من الجرائد المرتجعة، فقلت له: ماذا تريد بها يا ناجي؟ فقال لي: سأعطي قسماً منها لصديقي الخبّاز (غلوم) الإيراني، وقسماً منها لصديقي الكواي راجو الهندي، ثم أستعمل ما تبقى منها كسفرة في البيت.
وقبل أن يضع ناجي الجرائد المرتجعة في (دبة) السيارة سمعت لغطاً تعالى شيئاً فشيئاً، وظننت أن ناجي لربما قد (تشاكل) مع بعض عمال الشويخ، ولكنني حينما نزلت واستدرت خلف السيارة رأيت (عربي عبدالله) وكان أحد رموز الثورة الفلسطينية، وهو يقبّل رأس ناجي ويقول له بالحرف الواحد: (امسحها بلحية الثورة)، قال ناجي وقلت أيضاً إننا التقينا في بيت صاحبنا (أبي نبيل- محمد باحسين)، وإننا التقينا بثلّة أو (شلّة) من الأصدقاء ودار الحديث طويلاً حول هموم الوطن، واستمر الحديث طويلاً وكنت أرى (عمي) ناجي كما اتفقنا على التسمية يتقرفص مثل الحلزون في الكنبة الضيقة، أشار إليّ أن أغيّر كل الحديث، ولم أكن ماهراً في التجاوب، حيث العبد لله سليمان الفهد قد شغّل شريطاً للشاعر والشيخ، تقول كلمات الشريط:
غيفارا مات..
بلا طنطات ولا إعلانات
ولا حدّ مشي معه
للجبّانات
غيفارا مات
مات البطل فوق مدفعه
جوا الغابات
يا مية خسارة عالرجال
غيفارا مات
اعتدل ناجي العلي من جلسته ثم وقف وهتف:
زهر البنفسج
ياربيع بلادنا
وأحلى بلاد
في البلاد بلادنا
لنعود إلها
إذا ما عادت لنا
ثم أخذ ناجي (يدبك) وحده، ويكمل القصيدة الراقصة، ثم انضمت له كل الشلّة بالدبكة والحركة الراقصة، وبقينا (ندبك) حتى الصباح، وحينما انبلج الفجر ونام من نام من الأصدقاء انسللت أنا وناجي وسليمان الفهد إلى (فوال عظيم) أي إلى رجل يضع الفول (بمقدرة عالية)، وكان يعرفه سليمان الفهد لأنه (فوال أمين... فوال ابن فوالين)، من مصر العتيقة. تناولنا (أصحن الفول) حتى شبعنا، ثم قال لنا الفوال لما انتهينا اكتبوا عن هموم (الغلابا!).
بعد ذلك صار ناجي صديقي الذي لم أنفصل عنه في الجريدة أو في الخروج إلى الأصدقاء أو في مضاربي التي نصبتها وسط الصحراء.
وبمناسبة الحديث عن المرحوم ناجي العلي، فإنني أعتقد أن أقرب صديق له هو سليمان الفهد وأن انطلاق شهرته وتألقه من رواق جريدة السياسة وقد عرفناه طويلاً أكثر من الذين ادعوا صداقته وعملوا فيلماً تجاهل كل مرحلة ناجي الذهبية، سواء في الطليعة أو في السياسة أو في القبس، حيث قدم فيها أبهى العطاءات، وفتح له محمد الصقر باباً شاسعاً للحرية والإبداع. وبمناسبة ادعاء صداقة ناجي فإن المحرر الفلسطيني الذي ضربه ناجي بالحذاء قد كتب عنه حينما مات انه صديقه الوفي
حينما أصبح ناجي العلي -عمي- وأصبحت أنا عمه حسب ميثاق المحبة الذي ربط بيننا، كنا نخرج في أوقات الفراغ للتسكع في الشوارع الخلفية للكويت، إذ أزور بعض أصدقائي الصعاليك، وهم يسكنون في المرقاب القديم أو (الدمنة) التي أصبحت السالمية، أو نذهب إلى الضواحي القصية حيث «العباسية»
و«الدوغة» وجليب الشيوخ وعشيش الشدادية والجهراء القديمة ذات النخيل. وكان أغلب أصدقائي من الكهول وأصحاب النظريات العجيبة في الحياة والمهمشين الذين يلعنون الحياة بأشعارهم الساخرة، والمهربين الذين «تابوا» عن التهريب، فأصبحوا كما يقولون «كالنسور المقعدة»، والذين يروون حكايات لا نملُّ من سماعها حتى يتلاشى الليل والبداة الذين يحرجون «ناجي» بولاءاتهم الفادحة. أما هو فكان أغلب أصدقائه من الفلسطينيين البسطاء الذين لا يعرفون المبالغة أو الادعاء، والذين يحبون الكويت مثلما يحبون فلسطين لأنهم نشؤوا وترعرعوا فيها، وأصبحت وطنهم الثاني الذي لا بديل عنه. تماماً كما قالت لي ذات مرة السيدة «أم العبد» القريوتي التي تقيم في حولي، إذ روت لي كيف ان الإسرائيليين لما اجتاحوا المخيم وفرزوا الرجال عن النساء ثم أخذوا يفرزون الشباب عن الكهول وفرزوا ناجي بأنه من الكهول نظراً الى شعره الأشيب وظهره المحدودب، وأطلقوا سراحه لأنه حسب رؤيتهم من الكهول، تقول أم العبد فلتت زغرودة مني ولم يفهم الضابط الإسرائيلي معنى «زغرودتي الوطنية» حتى الآن، وذلك لأن ناجي العلي هو رمز فلسطين ثم أدارت علينا البخور وقالت يحرسكم الله.
بعد ذلك قدمت لنا أم العبد القريوتي طبقاً ساخناً من «المسخن الفلسطيني» و«طنجرة» كاملة من الملوخية الفلسطينية اليانعة المشغولة بالثوم والليمون وزيتون فلسطين الأصيل. استرحنا قليلا عند «أم العبد»، ثم ذهبنا نتسكع بالفروانية حيث اكتظاظ الفلسطينيين مثلما اكتظاظهم في نواحي الكويت، وفي مدخل الفروانية وعند الإشارة اعترضت سيارتنا أنا وناجي سيارة صغيرة يقودها رجل ذو شعر كثيف، فاضطربت كثيرا وحاولت أن أتشاجر معه «لأنني في تلك الأيام كنت على استعداد أن أشاجر حتى الهواء»، ولكن ناجي أمسكني من يدي وقال لي لعله «علي جرار» أتعرف علي جرار؟!»، قلت أعرف أنه من رجال الإعلان التافهين الذين يشتغلون في جريدة السياسة.
قال لي ناجي «لأ، بل الحقه واستوقفه، وستعرف تماماً من هو علي جرار.. لحقت علي ثم «صفطت» أمامه ونزل لي كالأسد الهصور، وأشهر سكيناً في وجهي، ثم قال «انزلا، يازمرة «الأوباش» الحقيرين، واتجها إلى شقتي فأنا «أعزمكما» رغما عنكما (!)، ثم لماذا تمارسان كالصبية الجاهلين مشاغبة «السابلة»؟ ولماذا تطوفان الإشارة كالبداة الهمجيين».
أوقفنا علي بمدخل شقة في الفروانية ودعانا إلى العشاء الذي أعدته أمه العجوز، ثم قال لها «يا ختيارة هؤلاء أصحابي ناجي العلي الفلسطيني وسليمان الفليح البدوي».
منذ ذلك الزمان أحسست أنني أنتمي بشعري ومواقفي إلى فلسطين بفضل علاقتي بناجي العلي، مثلما أنتمي بشعري ومواقفي إلى الكويت بفضل علاقتي بسليمان الفهد؛ ولذلك أصبحت منذ تلكما العلاقتين الراسختين «وطنياً لم يساوم على وطنيته من أجل الكويت»، و«عروبياً لا يساوم على عروبته من أجل فلسطين»، وبالطبع في ذلك الزمان كنت معجباً بشكل خاص بنضال عبدالعزيز بن عبدالرحمن في قيام أول وحدة حقيقية على أرض العرب، وكيف أنه انتزع السيوف من أكف القبائل المتغطرسة التي لا تؤمن إلا بالغزوات، وأقام هجراتها الثابتة، وفرض الأمن والسلام في ربوع الجزيرة العربية، وأقام مملكته الموحدة الرائعة.
بالطبع ليس هذا مديحا أرتجي منه المنفعة والمصلحة بل هو قناعتي الراسخة بكل ما فعله المؤسس العظيم والموحد الذي ضمّ هذا الكيان العظيم ليجعله وطناً واحداً ومملكة واحدة.
لم يكن ناجي يوافقني على قناعاتي كلها بل كان «ينسفها»، ثم يزمجر مثل «فحل الجمال» في أولات السفاد، ثم يعود إلى ريشته ليرسم «أهل الخليج بكروشهم المندلقة». غضبت على ناجي، وقلت له ذات مرة إننا لن نلتقي، فلست عمي أنت ولست عمك أنا كما اتفقنا؛ لأنك تسخر من أصدقائنا «المتكرشين» الذين يمدون ثورتك بالمال أو بالرجال، وهؤلاء يا ناجي العلي «أعمامنا».
ضحك أبو خالد حتى بانت نواجذه ثم صعّد بالموّال «أحلى أعمامي في الكويت أعمامنا» أيرضيك ذلك؟
نشر بتاريخ 25-07-2008
كيف صرت شاعراً
في عام 1971م جاءني الصديق محمد الحربي، الذي أصبح اليوم قاصا وكاتبا مشهوراً في دولة الإمارات العربية، وقال لي: يا سليمان ما دامت لك محاولات شعرية فإنني قد تعرفت على شاعر كبير فما رأيك أن تعرض محاولاتك عليه لتقييمها؟ آنذاك كدت أقفز من الفرح؛ لأنني سأتعرف على شاعر مشهور، له دواوينه و«يطلع بالتلفزيون» في برنامج البادية! لذلك توجهنا إليه على الفور وقدمني إليه الحربي، وقال له هذا الشاعر الذي قلت لك عنه. ثم رحّب بي الشاعر الكبير وكنت «أتأبط» دفتري المخملي الذي ضممت قصائدي إليه، وقال لي: هيا نسمع، ورحت (أسمِّع) كتلميذ في الصف الأول قد (صمّ) الدرس، ورحت أنشد في مسمعه قصيدة «التوجسات» الشهيرة، ولم أكد أنهي المقطع الأول منها حتى قال لي: كفى. كفى. هذا ليس شعرا يا بني! إنما الشعر هكذا، ثم أخرج لي ديوانا له، وراح يقرأ قصيدة عمودية، ثم قال لي: «الشعر طويل سلمه... إلخ». اذهب واقرأ للمتنبي والمعري وأبي تمام ثم اكتب الشعر. أحسست بإهانة كبرى، ثم قلت له باستحياء وانكسار: ولكنني أكتب الشعر الحرّ كما يكتبه (خالد سعود الزيد وخليفة الوقيان وعلي السبتي ومحمد الفايز، ثم انتفض وقال لي إنهم (يهذون) ليس هنالك شعر سوى الشعر الذي يعتمد على الصدر والعجز والقافية! أُصبت بصدمة كبيرة ونكست رأسي خجلا من نفسي، ثم تناول ديوانه وقدمه لي وقال لي اقرأ هذا الديوان جيدا لتعرف الشعر(!!).
خرجت حزينا كسيرا كمن ضاقت به الدنيا، ثم أخذت أمزق ديواني المخملي الصغير في أقرب سلة للمهملات! وبالرغم من أن صديقي الحربي حاول منعي من ذلك فإنني قلت ليس بعد حكم هذا الشاعر الكبير حكم، وهنا غضب الحربي وقال بالصوت المرتفع: والله إن شعرك أحسن من شعره ولكنني لم أرد عليه.
بعد تلك الصدمة المروعة من قبل (الشاعر الكبير) قررت أنني لا أصلح شاعرا (على غير قناعة كاملة!!) ولذلك اتجهت إلى التعلق بالكتابة الصحافية، وإذ بعد أعوام من تلك الحادثة -انتدبت إلى جريدة السياسة للتدريب على العمل الصحافي- وهناك أوكلوا زميلا مصريا آتيا من جريدة أخبار اليوم لتدريبي على التحقيقات الصحافية، وكان يصحبني في تلك الدورة الزميل سعود معارك الشمري، وكان مدربنا المصري رغم حرفته العالية فإنه كان ضحل الثقافة وكثير الادعاء ويخلط في تحقيقاته الحابل بالنابل.
ويشطب لنا ما يشاء وغالبا ما يسقط أسماءنا من تحقيقاتنا لينسبها إليه، الأمر الذي أضجرني كثيرا، وكنت في وقت فراغي أجلس إلى الشاعر المبدع فيصل السعد الذي كان مسؤولا عن القسم الثقافي، وقد كان أصدر لتوه ديوانه الرائع «آلام الزمن المعتم» وأعقبه بديوان جديد آخر هو «أمل.. أغنية قبل الموت»، وكان يشدني إلى فيصل الحديث عن الثقافة والشعر، وأستفيد مما يصله بالبريد من مجلات أدبية أو مطبوعات جديدة. وذات يوم في ما كان (أبو سنين) هكذا لقبه آنذاك يجهز صفحة الثقافة، بقيت مساحة فارغة لم يكن لديه ما يغطيها من مواد فالتفت إلي وقال: هل تحفظ أية قصيدة لأي شاعر لنقفل بها الصفحة؟ فقلت له نعم، ثم تنحيت جانبا وأخذت أتذكر قصيدة لي أعدمتها في ديواني المخطوط الذي مزقته بناء على رأي «الشاعر الكبير» الذي قرر إعدامي كشاعر ورحت أكتب قصيدة «توجسات في الزمن الفاسد»، وحينما قدمتها إلى فيصل وقرأها أطل على وجهي بعينين متسائلتين من فوق نظارته السميكة وقال لي: لمن هذه القصيدة؟ فقلت له على الفور: إنها لي، فقال: لا! قل الحقيقة. فأقسمت له إنها لي، فطواها ووضعها في جيبه، ثم نهض إلى الأرشيف وأحضر صورة للوحة (الغرونيكا) لبيكاسو، وسد بها فراغ الصفحة وقال لي: بالنسبة إلى قصيدتك فإنني سأتركها للعدد القادم لأنها بحاجة إلى احتفاء خاص ومساحة أكبر
بعد تلك الصدمة المروعة، التي أصبت بها من قبل «الشاعر الكبير»، كما ذكرت في الحلقة السابقة، قررت أنني لا أصلح شاعرا «على غير قناعة كاملة!!»، لذلك اتجهت إلى التعلق بالكتابة الصحافية، وإذ بعد أعوام من تلك الحادثة - انتدبت إلى جريدة السياسة للتدريب على العمل الصحافي - وهناك أوكلوا زميلا مصريا آتيا من جريدة أخبار اليوم لتدريبي على التحقيقات الصحافية، وكان يصحبني في تلك الدورة الزميل سعود معارك الشمري، وكان مدربنا المصري - رغم حرفيته العالية - ضحل الثقافة وكثير الادعاء، ويخلط في تحقيقاته الحابل بالنابل، ويشطب لنا ما يشاء، وغالبا ما يسقط أسماءنا من تحقيقاتنا لينسبها إليه، الأمر الذي أضجرني كثيرا، وكنت في وقت فراغي أجلس إلى الشاعر المبدع فيصل السعد، الذي كان مسؤولا عن القسم الثقافي، وكان أصدر لتوه ديوانه الرائع «آلام الزمن المعتم»، وأعقبه بديوان جديد آخر هو «أمل... أغنية قبل الموت»، وكان يشدني إلى فيصل الحديث عن الثقافة والشعر، وأستفيد مما يصله بالبريد من مجلات أدبية أو مطبوعات جديدة.
وذات يوم، فيما كان «أبو سنين» - هكذا لقبه آنذاك - يجهز صفحة الثقافة، بقيت مساحة فارغة لم يكن لديه ما يغطيها من مواد، فالتفت إليّ وقال: هل تحفظ أي قصيدة لأي شاعر لنقفل فيها الصفحة؟ فقلت له نعم، ثم تنحيت جانبا وأخذت أتذكر قصيدة لي، أعدمتها في ديواني المخطوط الذي مزقته بناء على رأي «الشاعر الكبير»، الذي قرر إعدامي كشاعر ورحت أكتب قصيدة «توجسات في الزمن الفاسد»، وحينما قدمتها إلى فيصل وقرأها، أطل على وجهي بعينين متسائلتين من فوق نظارته السميكة، وقال لي: لمن هذه القصيدة؟ فقلت له على الفور: إنها لي، فقال: لا! قل الحقيقة. فأقسمت له إنها لي، فطواها ووضعها في جيبه، ثم نهض إلى الأرشيف وأحضر صورة للوحة «الغرونيكا» لبيكاسو وسد بها فراغ الصفحة، وقال لي: بالنسبة إلى قصيدتك فإنني سأتركها للعدد القادم، لأنها بحاجة إلى احتفاء خاص ومساحة أكبر.
بالطبع في ذلك الزمن الجميل، لم يكن الحسد والغيرة والعداء المبطن سلوك الأدباء، بل كان الحب والمحبة والأخذ بيد الآخرين، تماما كما فعل فيصل، إذ أخذ القصيدة إلى رابطة الأدباء - كما عرفت لاحقا - وحينما اجتمع الأدباء، أخرج فيصل القصيدة وراح يقرؤها عليهم حتى خيم عليهم الصمت والوجوم، ثم سألهم: من منكم يعرف هذا الشاعر؟ ساعتها نهض الشاعر المبدع المرحوم خالد سعود الزيد، وقال إنني لم أسمع قط بمثل هذه الأجواء الصحراوية الغريبة في شعرنا الحديث، إنها لشاعر من الجزيرة العربية لا محالة. فقال فيصل: بالفعل إنها لشاعر بدوي شاب اسمه سليمان الفليح، يتدرب لدينا في السياسة على العمل الصحافي. فقال: يا فيصل، أستحلفك بالله أن تدعوه باسمي واسم الرابطة للتعرف إليه، إنه موهبة نادرة لا تشبه أي موهبة في مجال الشعر الحديث، وأرجو ألا تنشرها؛ ففي حال التأكد من أن هذه القصيدة له فإنني سأقدمه في الأمسية الشعرية الختامية للموسم الثقافي التي سنقيمها بعد أسبوع، لذلك أرجو أن تدعوه إلى الرابطة.
في اليوم التالي، حينما أنجز فيصل عمله جاء إليّ وقال: إنني أخبئ لك مفاجأة سارة... هيا اركب معي بالسيارة ولا تسأل إلى أين نحن ذاهبان، وبالفعل سار بي فيصل إلى أن توقف أمام رابطة الأدباء، فقلت له: «وش السالفة يا بو سنين؟»، فقال لي: ستعرف السالفة في الرابطة، وبالطبع كان مجرد دخولي إلى رابطة الأدباء يشكل لي حلما عزيز المنال، إذ ما إن دخلنا حتى هب خالد سعود الزيد واقفاً وأسرع نحوي، ليحتضني كما يحتضن الأب ابنه بعد فراق طويل، وكذلك فعل المرحوم الدكتور الشاعر عبدالله العتيبي، ثم أخذ فيصل يعرفني إلى الحضور، الشاعر خليفة الوقيان، الشاعر يعقوب السبيعي، الشاعرة جنة إدريس، القاص سليمان الخليفي.
كدت أصاب بالذهول وأنا وسط هذه الكوكبة من فرسان الكلمة في الكويت، وكنت أتلفت بالوجوه كصقر يُزال (برقعه) لأول مرة منذ اصطياده، وبعد هنيهة أخرج المرحوم خالد سعود الزيد القصيدة من جيبه و«نسف غترته» بتنسيفته المعهودة وابتسامته الأبوية الحانية، وراح يقرأ قصيدة التوجسات، وكلما وقف عند مقطع قال: عظيم، عظيم، ثم حدّق بوجهي كمحقق شرس ليصفعني بالسؤال: هل هذه القصيدة لك؟ فأقسمت له إنها لي، قال الدكتور العتيبي: وهل لديك غيرها؟ وهل نشرت في أي مكان آخر؟ قال خليفة: ومنذ متى تكتب الشعر؟ قلت: منذ أكثر من سبعة أعوام ولي ديوان مزقته!! فقالوا جميعاً: (ليش؟) قلت لقد نصحني الشاعر (...) بأن أترك الشعر لأنني لست بشاعر، فهبوا كلهم بالسؤال من ذلك الشاعر العظيم؟ قلت فلان. قال سعود الزيد: هذا (سخته) وش عرّفه بالشعر، ثم طلبوا مني أن أتذكر بعض القصائد من الديوان الممزق فأسمعتهم عدة قصائد، ونهض أبو سعود الزيد وقبلني وقال لي: سأقدمك أنا شخصيا في أمسيتنا القادمة.
هكذا كان المبدعون يحتفون بالمحاولات الجادة، وهكذا كانوا يحتضنون البراعم ويأخذون بيد من لا يعرفون مجاهل الطريق. وأنا إذ أدين لأحد في انطلاقتي الشعرية، فإنني أدين للأسماء الجميلة التي ذكرتها بالوفاء والمحبة والولاء، فخالد سعود الزيد هو الذي كان يقمعني بعنف، كلما كتبت قصيدة رديئة وقد فعلها يوما أمام مجموعة من الأدباء، إذ إنني استعجلت في نشر قصيدة في الجريدة، وحينما زرت الرابطة أدار أبو سعود - رحمه الله - وجهه عني كالأب الغاضب من ابن عاق، وحينما سألته ما السبب، انفجر في وجهي كالبركان وقال لي: يا سلوم يا (...) هل هذه قصيدة، وأخرج القصاصة من جيبه ورماها في وجهي، وقال مزمجرا: هذي (نعل.. وإلخ.. إلخ..) لذا فقد علمني ألا (أسلق القصيدة)!!
أما عبدالله العتيبي فهو الذي صحح بروفة ديواني الأول. أما خليفة فإنني كنت ألجأ إلى استشارته لأنني أراه أكثر «ليونة» من أبي سعود وأكثر «دماثة».
وأذكر فيما أذكر أن المرحوم خالد سعود الزيد قدمني في أول أمسية هكذا: تلتقي البداوة بفطرتها، والمدينة بخبرتها في هذا الذي يجلس يميني. أتعرفون من هو؟!
نشر بتاريخ 25-07-2008
ملطووووووووووووووووووووووووووو وووووووووووووووووووش
مع تحياتي محمد العنزي
هو اديب عنزه الاول
هو اديب الوطن
هو اديب المجتمع
لديه ذلك الاحساس
لديه تلك الحكمه
ذو مقالات قويه وجريئه ويسعى الى اصلاح المجتمع
لكن من اخرج هذا الاديب ؟
من الذي جعله هذا الشاعر ؟
من الذي جعله هذا الناقد ؟
كيف اصبح اديب عنزه الاول ؟
كيف اصبح عضو اللجنه التحكيميه لشاعر العرب ؟
كيف ان قبيلة عنزة اصبحت تفتخر بوجود سليمان الفليح من ابناءها ؟
كل هذا ستجدونه معي (( محمد العنزي ))
سليمان الفليح في مكتبه
بطالة الغُزاة
في أواخر الستينات الميلادية من القرن المنصرم تركت المدرسة المتوسطة وأنا أتأبط بدلاً من الكتب المدرسية روائع الأدب العالمي مثل «البؤساء» لفيكتور هوغو، و«دكتور زيفاكو» لباسترناك و«المعطف» لغوغول وروايات شارلوت برونتي «مرتفعات ويذرنج» و«ذهب مع الريح» و«الدون الهادئ، ثم «بين القصرين» و«خمارة القط الأسود» لنجيب محفوظ وجميع أعمال محمد عبدالحليم عبدالله الذي لا أعرف اليوم كيف توارى عن المشهد الروائي وكان بالنسبة إلى جيلي أهم من نجيب محفوظ وإحسان عبدالقدوس ويوسف السباعي، لكنه بالطبع ليس أهم من يوسف إدريس الذي كنا نراه روائياً تقدمياً وأكثر «شبابية» من الآخرين.
أقول حينما تأبطت تلك الكتب وهي الحصيلة التي خرجت بها من «العلام» كله ـ على ما يقول إخواننا المصريون ـ قبعت في ديوانية عمي «سعين بن باطح العنزي» المشهور بـ «أبي المزنوك» في عشيش «الشدادية» وتفرغت لـ «صب القهوة» لـ«الشيّاب» الذين يفدون إليه يومياً من مختلف القبائل والذين كان يدور جل حديثهم عن الغزوات القبلية و«الحنشلات» والصعلكة التي كانوا يمارسونها ضد بعضهم البعض قبل استتباب الأمن في المنطقة وصدور قوانين منع الغزو في بداية الثلاثينات من القرن الماضي.
وأصبح الغزاة الآن يمارسون البطالة واجترار الماضي، التعيس بالنسبة إلينا، السعيد بالنسبة إليهم، والذي أصبح مجرد ذكريات يفخرون بها ويتندرون على بعضهم حينما ألقوا رماحهم وسيوفهم وسلموا بنادقهم إلى السلطات. كنت أصغي أحياناً بشغف حين تحتدّ بينهم المناقشة حول من أوقع صاحبه عن الفرس أو «الذلول» بطعنة نجلاء غير قاتلة، وكيف منعه «أسره» ووفر له الأمان في ساحة الوغى رغم أنه من الأعداء.
وكنت أتعجب كيف يكشف أحدهم للحاضرين عن طعنه صاحبه الذي يقابله الآن في المجلس ويحتسون القهوة معاً بكل أمن وأمان ويضحكون من سخريات القدر في ذلك الزمن، ذاك الزمان الذي جعلهم أحبة وأصدقاء لهم ذكريات حميمة مشتركة. لذا تجد في ديوانية «أبي المزنوك»: الفارس الظفيري، والفارس الشمري، والفارس المطيري. بالطبع كلهم الآن فرسان أو «قتلة» متقاعدون، بل لصوص عتاة يمارسون الحنشلة و«السطو» على إبل بعضهم بعضاً في السابق ويعتبرون ذلك ضرباً من البطولة مثلما كان يفعل أسلافهم الجاهليون. واليوم إذ أستعيد وجوههم المتجهمة وجباههم العالية ولحاهم الجليلة الشمطاء أحس بقصور فادح لأنني عرفت أهميتهم فيما بعد
نشر بتاريخ 25-07-2008
وأيضاً الغزاة
حينما كبرت وتوسع اطلاعي على تاريخ المنطقة، وجدت بعض أسماء أولئك الغزاة ووقائعهم ترد في بعض مؤلفات المؤرخين المتأخرين من الأجانب الذين كان لهم دور سياسي في المنطقة مثل (دكسون)، وغلوب، وليتشمان والحاج عبدالله (فيلبي). إنني أحس الآن بقصور؛ لأنني لم أكن حقيقة أعرف أهمية أولئك الرجال الذين كانوا جزءاً من التاريخ ـ إلاّ أنني أبرر ذلك القصور وعدم الاهتمام بأنني كنت حينما ينشغلون في (المعاياه) و(المعايرة) والنقاش أفتح كتاباً من روائع الأدب العالمي أستغرق في قراءته وأنا أجلس خلف الوجار أو (الوجاق) أو موقد النار وأقول في نفسي: يا للمتخلفين!! لكنني ـ أحياناً ـ كثيراً ما أجد نفسي مشدوداً بانشداه إلى وصف موقف تاريخي كان اثنان منهم شاهدين عليه، وكان كل منهما آنذاك في صف عدو الآخر كما هي طبيعة القبائل وزعمائها في ذلك الزمان، وأعني بذلك منذ مطلع القرن العشرين حتى الربع الأخير منه الذي أصبحت فيه تلك الأحداث العاصفة مجرد ذكريات نجترها اليوم.
وكان عمي أبو المزنوك ـ رحمه الله ـ، وكما يذكره جيداً الصديق والزميل وابن قبيلتي سعود راشد العنزي الذي سوف يجيز هذه المقالة، شخصية طريفة لم تفارقه (اللثمة أو اللطمة) الجزئية التي تغطي نصف وجهه حتى مات، كان راوية رائعاً، وشاعراً ساخراً، وعاشقاً أزلياً حتى قبل أن تغيبه الأيام، وأنا إذ أستشهد بـ (أبي راشد) فلأنه قد أدركه في سنواته الأخيرة إذ كان جاراً له في مدينة الجهراء، ولكنه لم يكن يدرك أنه (جوّاب آفاق) خطير.
أقول: إن ذلك الوضع المتناقض بالنسبة لي أي نزوعي الثقافي التقدمي وتطلعي إلى المستقبل من جهة كانت تجاذبه من ناحية أخرى (ثقافة الصحراء!!) التي تشدني إلى الخلف. ولكنني ـ ولله الحمد ـ استطعت أن أوازن بين التجاذبين، وأستفيد من ثقافة المدينة وإرث الصحراء كما قال أستاذي الراحل خالد سعود الزيد ـ طيّب الله ثراه ـ: (تلتقي المدنية بخبرتها، والبداوة بفطرتها في شخص العبد الله)، وبالرغم من أن المفردة الأخيرة (العبد الله) هي من حقوق الملكيات الصحفية الخاصة بصديقنا الكبير أبو نواف ـ سليمان الفهد (ما غيره) والذي سأتحدث عنه في مقالة قادمة باعتباره المفتاح الذهبي لي في الدخول إلى عالم المدينة
نشر بتاريخ 25-07-2008
الصعلوك في الجيش
لم يكن ينقذني من هذا الروتين المتناقض (قراءاتي وسوالف الشيبان) سوى مدرس اسمه أحمد العتيبي (الله يذكره بالخير) كان يحب هذه (السوالف، وكان يأتي أحياناً لأخذ (حصة) من التخلف عصراً... ويُدرّس حصة في التقدم صباحاً للتلاميذ، ثم يذهب (يكدّ) على سيارته (العبري) ـ أي التاكسي في المساء؛ لزيادة دخله الشهري، وكان بمثابة المنقذ لي؛ إذ يصطحبني أحياناً؛ لنتحدث وهو (يكدّ) عن الرواية والشعر والثقافة أو نفتح حواراً مع أحد الركاب ليحدثنا عن رواية واقعية من خلال تجربته في الحياة، ثم في نهاية (المكدّة) نتناول بعض السندوتشات و(الكنددراي) ـ مشروب كان ينافس البيبسي ـ ثم نختار فيلماً هندياً في سينما الفردوس ـ وكان ذلك قمة (الوناسة) في ذلك الزمان. وبالطبع لم يستفد أحمد، ولم أستفد أنا بأن يصبح أحدنا روائياً مثل (تشيخوف) أو تولستوي أو ديكنز؛ وذلك لأنني دخلت إلى السلك العسكري، وأحمد انتقل من مدرسة العضيلية إلى مدرسة أخرى، وانقطعت بيننا الصلات؛ إذ إنه ليس في ذلك الوقت من يملك منا (موبايلاً) أو هاتفاً نقالاً، بل حتى تليفوناً عادياً للتواصل والاتصال!
منذ النصف الأول للقرن المنصرم (العشرين) كان الالتحاق بالجيش الكويتي (غاية المُنى)، بل كان الحلم الأمثل لكل أبناء البادية في الخليج والجزيرة العربية وبعض البوادي المحاذية لهما والتي يتجول فيها أبناء القبائل التي تنتمي إلى الجزيرة العربية، وكان القبول في ذلك الجيش الباسل يستند إلى التحقق من الأصل القبلي للفرد الذي ينوي الالتحاق بشرف خدمة الكويت، بل كانت هنالك لجنة من الضباط الذين ينتمون لتلك القبائل مهمتهم التحقيق مع المتقدم للالتحاق بالجيش؛ للتأكد من هويته (القبلية) إن لم يكن يحمل الجنسية الكويتية، وفوق ذلك تُعرض طوابير جميع الذين أنهوا إجراءات القبول على اللواء الشيخ صالح المحمد الصباح، وكان خبيراً بالقبائل، ولديه فراسة نادرة في معرفة الرجال، وكان أن كدت أخفق مرتين بالدخول إلى ذلك العالم الحلم ـ الجيش الكويتي ـ ففي المرة الأولى كانت بسبب اللياقة البدنية التي تُوجب أن يكون وزن الجندي (50 كغم) فما فوق، وكان وزني آنداك (49 كغم)، فأشار علي أحد الرجال ـ الله يذكره بالخير ـ أن ألتهم كيلو موز قبل الدخول إلى الطبيب، وكان أن قبلت بنصيحته فاجتزت الاختبار. أما المرة الثانية فهي أثناء عرض المقبولين نهائياً على الشيخ صالح الذي كان يرفض المتقدم لمجرد الشكل، بل أحياناً حتى الصورة في الملف؛ ففي أثناء مروره بين الطوابير وكان شخصية مهيبة، وله كاريزما قيادية قلما توجد في الرجال؛ لذلك ما إن توقف أمامي حتى حدجني بنظرته النفّاذة الحادة وحاجبيه المقطبين، وسألني على الفور (من أين أنت يا بوعيون زرق؟!)، وقبل أن أقول له أنا (عنزي) انطلقت جملة من أحد المدربين الذين كانو يسيرون خلفه بقوله: ابن عم يا طويل العمر!! فأدار وجهه عني وحدق بالمدرب بعيني صقر يقدح منهما الشرر، وقال له بغلظة: ومن سألك أنت؟ ثم أكمل مسيرته يتفقد الطوابير. وفهمت فيما بعد أن المدرب الذي أخذته النخوة القبلية كادت أن (تطير رتبته العسكرية وكان برتبة (عريف)، ولكنه قال للشيخ بكل شجاعة: لأول مرة يا سيدي تخذلك فراستك، ولم أكن أريد لك ذلك؛ لأنك إن كنت تشك في (أصلنا كلنا أبناء هذه القبيلة التي تخدمك بإخلاص)، فشكك في أصل هذا الرجل جائز؛ لأننا (نخصّه ونقصه) فلم ينبس الشيخ صالح بكلمة واحدة سوى: انصرف يا عريف، وهكذا التحقت بالجيش الكويتي الباسل، والذي كان منذ التأسيس جيشاً عظيماً انتقائياً احتوى على خيرة الشباب من أبناء القبائل العربية الأصيلة
نشر بتاريخ 25-07-2008
على أعتاب الصحافة
التحقت بالجيش الكويتي الباسل، وأقول الباسل فعلاًً لأنه قد شارك في كل الحروب العربية الاسرائلية على جبهات القتال منذ عام 1967م حتى عاد إلى أرض الوطن في 1974 بعد حرب اكتوبر المجيدة وكان أداؤه رائعاً على الجبهتين المصرية والسورية وقد سقط منه الكثير من الشهداء الأبرارالذين امتزجت دماؤهم الطاهرة بدماء إخوانهم العرب دفاعاً عن حرب الاستنزاف وخصوصاً على الجبهة السورية الأمر الذي أتمنى من خلاله أن يسجل القادة العسكريون الذين شاركوا في تلك الحروب من الضباط الكويتيين تفاصيل وذكريات تلك المشاركات لأن التاريخ لا يحفظ إلاّ ما يُسجل على صفحاته من أفعال.
أقول التحقت بالجيش الكويتي في عام (1970م) وبعد التخرج من مدرسة التدريب وعملي لسنة واحدة ككاتب سلاح ثم كاتب في جناح الرياضة في المدرسة اسندت رئاسة الأركان العامة للمقدم الراحل وجيه المدني طيب الله ثراه، مهمة تشكيل ركن التوجيه المعنوي في الجيش الكويتي، وكان (أبي طلعت) وجيه المدير يرحمه الله خبره في تشكيل بعض ألوية الجيش الكويتي، وكان حينها قد عاد بعد صدمة تاريخية تلقاها من جامعة الدول العربية حينما اكتشف كما كان يقول دائماً أنه (لا أحد من العرب يفكر جدياً بتحرير فلسطين وأن العرب سيصالحون يوماً الاسرائيليين)!!! قول تلقى (الصدمة حينما تطوع بعد استئذانه أمير الكويت أن يلتحق بأحمد الشقيري لتأسيس جيش التحرير الفلسطيني وقد ضحى أبو طلعت يرحمه الله بكل الامتيازات التي حصل عليها من الكويت باعتباره فلسطينياً مخلصاً لوطنه الأم – فلسطين – كـ (الجنسية الكويتية والرتبة العسكرية – مقدم آنذاك) تلك الامتيازات التي كانت (حلماً خرافياً) لأيّ عربيّ في ذلك الوقت وفوق ذلك لبّى أبو طلعت رحمه الله النداء ولكنه سرعان ما عاد من جامعة الدول العربية مخذولاً – لما كان يجري خلف الكواليس واستعاد بأمر من أمير البلاد كل امتيازاته الكويتية السابقة وبقي يرحمه الله مخلصاً للكويت حتى توفاه الله، وأذكر أن أبناءه حملوه مريضاً عاجزاً أثناء الاحتلال العراقي للكويت إلى أرض المملكة العربية السعودية ولكنه كان يلح عليهم أن يعيدوه إلى أرض الكويت ليحتضن ترابها جثمانه الطاهر وبالفعل كان له ذلك لأنه كان كما أعرفه عن قرب يعشق الكويت حتى الموت.
وحينما شكل أبو طلعت التوجيه المعنوي كنت قد تعرفت في مدرسة التدريب على القاص الإماراتي المبدع محمد حسن الحربي وكان يكتب حينها الخواطر التي تشبه القصص القصيرة وكنا آنذاك مجرد جنديين لنا اهتمام بالأدب وكنت أُسمعه ما أكتب من الشعر ويطلعني على ما يكتب من القصة، فسمع بحكايتنا (وجيه المدني) ونقلنا من المدرسة إلى ركن التوجيه وكانت تلك النقلة هي الباب الشاسع إلى عالم الإعلام.
نشر بتاريخ 25-07-2008
القادمان من العشيش
قرر وجيه المدني يرحمه الله إدخالي إلى دورة في التحرير الصحفي في جريدة السياسة الغراء وذلك لتأهيلي (مراسلاً حربياً) أما محمد الحربي فقد أدخله إلى دورة في الإذاعة لينقل رسائل الجنود الصوتية إلى أهلهم وذويهم من الجبهة (المصرية) ومن خلال تلك الصداقة التي ربطتني بالحربي فقد أتيح لي أن أتعرف مبكراً على كتابات أدونيس وصادق النيهوم وعبد الله القصيمي وكولن ويلسن وإسماعيل فهد إسماعيل وكل الكتاب المثيرين في ذلك الوقت بالرغم من أن عقولنا (الغضة) وثقافتنا المتواضعة لم تكن تحتمل استيعاب تلك الأعمال ولم أكن أعرف كيف كان الحربي يتوصل إلى هذه الأسماء إلى أن اكتشفت أنه كان يستعيرها من مكتبة الصديق الراحل المقدم خضير محمد الحربي يرحمه الله والذي كان مثقفاً نادراً في ذلك الزمان، ثم صار لدينا رافد آخر هو المكتبة الكبيرة التي كانت تزدهي بأمهات الكتب والتي أسسها الأستاذ (وليد كرداسي) بأمر من وجيه المدني
وكان وليد هو أول من دربني على صياغة الخبر وأتيح لي أن أتعرف من خلاله على نجوم الصحافة في السبعينات كالأستاذ خالد قطمة ونجيب عبد الهادي يرحمه الله وبشير بوارش ومصطفى أبو لبدة وكان الجميع مبهورين بـ (ولدٍ فلته) اقتحم عالم الصحافة، جاء من عشيش المقوع اسمه (حسين العتيبي) إذ كان أول عمل صحفي له بمثابة (خبطة صحفية) أخذ يتحدث عنها الجميع ألا وهي استطلاع جريء عن (البغاء في العشيش) وقد نشره إن لم تخني الذاكرة في مجلة اليقظة التي كان يملكها آنذاك الأستاذ (أبو نضال – خالد قطمة) وفي أول لقاء لي مع خالد قطمة طلبت منه أن (يعرّفني) على ذلك الشاب البدوي القادم من عشيش المقوع والذي أصبح حديث المجتمع وأعني بذلك الصديق – لاحقاً – حسين العتيبي فما كان من أبي نضال إلاّ أن (نادى) حسين العتيبي وعرّفني به وقال لي أرجو أن تصبح صحفياً جريئاً مثله ما دمتما بدويين قادمين للمدينة من العشيش ثم ربطنا بتحقيق مشترك هو تغطية مناورة للجيش الكويتي في الصحراء الأمر الذي جعلني أعرف (أبا ناصر – العتيبي) جيداً في تلك الرحلة التي ربطتني بصداقة أبدية معه حتى اليوم والتي كانت مفتاحاً للدخول إلى عالم (الـ عبد الله) سليمان الفهد الذي كان نجماً (ملعلعاً) في سماء الصحافة في أوائل السبعينات
كما أن (المقادير) أو صدفة الأقدار قد جمعتنا (جميعاً– أبو نواف الفهد – وحسين العتيبي وأنا) في بلاط جريدة السياسة أو على (بلاطها) حينما كنت متدرباً فيها وكانت حينها تعج بنجوم الثقافة والأدب والفن والإبداع (أحمد الربعي – عبد اللطيف الدعيج – عبد الله النفيسي – ناجي العلي وعبد الله المحيلان، سميح سماره، صالح عباس، مصطفى أبو لبدة، محمد زين، جلو دلال وزجها الراحل (قاسم أفيوني)، أبو الخير – يرحمه الله – وسنكمل فيما بعد.
نشر بتاريخ 25-07-2008
الليبرالية. عيب!!
قلت في الحلقة السابقة إن جريدة «السياسة» في مطلع السبعينات الميلادية كانت تعج بالكتَّاب المبدعين من مختلف المدارس والاتجاهات، وذكرت منهم الصديق الدكتور أحمد الربعي (شفاه الله)، والزميل عبد اللطيف الدعيج (أبوراكان) الذي كان نائباً لرئيس التحرير الأستاذ أحمد الجارالله والذي علّمنا (أي أحمد) – بصدق – وهذه شهادة للتاريخ – كيف تكون حرية الصحافة وكيف يكون الكاتب حراً برأيه حتى ولو كان معاكساً لرأي رئيس التحرير وتوجهات صحيفته أيضاًً، لدرجة أننا نحن كتّاب الصفحة الأخيرة في مرحلة زيارة السادات للقدس كنا نكتب ضد تلك الزيارة بل ضد رئيس تحريرنا (أبومشعل الجارالله)- الذي كان مؤيداً- لتلك الزيارة، لذلك كان يجد القارئ أننا كنا نشتم الجارالله على الصفحة الأخيرة وهو يشتمنا على الصفحة الأولى من جريدته «السياسة».
وبالرغم من ذلك كان يحترمنا ونحترمه ولو أننا كنا (نعيّره) حينما يقول لنا (أنا ليبرالي)، وذلك لزعمنا – آنذاك – أن الليبرالي – هو من لا موقف له ولا التزام أيديولوجي في الوقت الذي أصبحت فيه هذه المفردة اليوم والمتعلقة بـ (الحرية) أو هي ترجمتها الحرفية (ليبرتي) تعنى لدى العامة أو من شوهوها لهم هذه (الخلطبيطة) من الاشتراكية والقومية والوطنية والتقدمية والانفلات والإلحاد والعياذ بالله. وجرى عليها مثلما جرى على (الحداثة) من تأويل وتشويه. ما علينا من ذلك كله – أقول كانت جريدة «السياسة» تجمع كل الأطياف (الشيوعي والبعثي والقومي العربي والمنتمي للإخوان المسلمين والحكومي والمعارض والبوهيمي والفوضوي والصعلوك ومن مختلف الأقطار (اللبناني والمصري والفلسطيني واليمني والسوداني والسوري والحضري والبدوي – على حد سواء).
وكانت الألفة والعلاقة المشوبة بالمحبة والتقدير تسود هذا الجو العاصف الموّار، لدرجة أنهم يختلفون على صفحات (الجريدة) ويسهرون في الليل معاً في بيت أحد الزملاء بغض النظر عن جنسيته أو أصله أو اتجاهه، وأذكر أنه اجتمع في جريدة «السياسة» في أواخر القرن المنصرم أسماء عربية هامة مثل محمود السعدني من مصر، وحسن العلوي من العراق، وناجي العلي من فلسطين، وقاسم أفيوني من لبنان، ومصطفى أبو لبده من فلسطين، ناهيك عن أسماء مبدعة كما قلنا مسبقاً من كويتيين مثل سليمان الفهد، وعبد الله المحيلان، وأحمد الديين، وعبد الله النفيسي وحسين العتيبي، وفيصل القناعي، وأنور حماطي، وعبد اللطيف السعيد (جهراوي)، ومطلق مساعد العجمي، والشاعر المبدع فيصل السعد الذي فتح لي بوابة الشعر وأضاء لي طريق الإبداع، وقادني إلى رابطة الأدباء لألتقي بالأب خالد مسعود الزيد يرحمه الله ومن ثم المرحوم عبدالله العتيبي وخليفة الوقيان.
وأذكر من الزملاء الآخرين الكابتن رمزي عطيفة، محمد الحبروك، محمد عبد الحميد، فايز كركوتلي، نبيل غزاوي، عبد اللطيف الأشمر الذي كان سكرتيراً للتحرير وهو أول من (زرّق) لي زاوية في صفحة المجتمع كان اسمها (مخاريز) وكنت أوقعها باسم (مخراز) وكانت عبارة عن قصائد شعبية ساخرة تنتقد بعض الأوضاع الاجتماعية في البلد. وهذه الزاوية هي التي شدت انتباه سليمان الفهد إلى ذلك الولد البدوي القادم من صحراء العطش ومداين الصفيح والخشب، إذ أذكر أن العبد لله – هكذا كنا نسميه لشغفنا فيما يكتب في زاويته (سوالف)-، أذكر أنه جاء إلى الجريدة في إحدى ليالي الشتاء وكان يرتدي معطفاً طويلاً يذكّرني بغوغول في روايته الخالدة (المعطف)، وصهل بسعلته العتيرة وشاربيه اللّذَين ينسدلان على حنكيه قبل أن يدخل إلى مكتب الزميل محمد زين: أنا جاي أتعرف على مخراز ووينه هالمخراز؟! حقيقة لقد قفز قلبي من الفرح – ولكن عنفوان الشباب أبى أن أكون (مندلقاً) (هكذا سبهللا) – هذه من عباراته- وأرتمي بأحضان أستاذي الذي شغفت بكتاباته قبل أن أراه.
لذلك قلت: (أركد يا ولد خلك ثقيل. اللي يبيك يجيك هكذا علمتنا (القبيلة!!) وبالطبع اختفى صوت أبي نواف في مكتب محمد زين و(التمّ) حوله بعض الزملاء الذين كانوا يحبونه كثيراً ولم يطل بي الانتظار إلا وأم الخير (جلو دلال)، هكذا اسمها المختصر لـ (جل الخالق دلال أفيوني) – تصرقع – بشتائمها العتيدة كالعادة وهي تشخط بالمحرريين بلا رحمة (وينو هالزفت البدوي؟!) وبالطبع هذه من أقل شتائمها وطأة – وبالمناسبة فإن أم الخير الله يذكرها بالخير – كانت ولا زالت – شخصية مُهابة – في العمل.
ونكمل في ما بعد.
نشر بتاريخ 25-07-2008
شهادة بـ (الزفت!!)
قلت في المقالة السابقة إن العبد لله – سليمان الفهد – كما كان يسمي نفسه ويسميه القراء حينما أتى إلى الجريدة وسأل عن ذلك الذي اسمه (مخراز) والذي هو (أنا) كاد قلبي أن يقفز من الفرح، لأن التلميذ سيكون أمام أستاذه الذي لم يره وحينما أقول إن سليمان الفهد أستاذي في الصحافة وخصوصاً في كتابة المقالة، فإنني لا أجد ضيراً من ذاك، فلمَ لا، ولمَ لا نردّ الفضل إلى أصحابه ولمَ تأخذنا العزّة العمياء دوماً كعرب مصابين بتضخم الأنا و(التوحد)، إذ إن واحدنا مهما صُغر شأنه يعتقد أنه (الفهيم) الأوحد والمبدع الأوحد والزعيم الأوحد، مما أوصلنا إلى ما نحن فيه من (دواهي!) على كافة الأصعدة بما فيها (الوحدوية)!!
وفي صدد (الأستذة) فإننا كثيراً – وكلما زادت – معارفنا نكتشف أن هذا المبدع العالمي قد تأثر بمبدع عالمي قبله، إذ أذكر في هذا الصدد أننا أثرنا في الثمانينات الميلادية وفي جريدة السياسة كيف تأثر محمود درويش في قصيدته «مرثية لعزل الدين القلق» بقصيدة سعدي يوسف في مرثية للمهدي بن بركة وهذا الأمر قادنا لأن نكتشف أن سعدي قد تأثر بايلوار، وايلوار قد تأثر برمبو ورمبو قد تأثر بأدغار الن بو، وهكذا هي الحياة حتى بالنسبة للحضارات، فكيف الحال بالبشر، ومن لا يصدق ما أقول فيما يخص التأثر والتأثير فليسأل الصديق (طالب سعيد العنزي الذي أنفق جُل عمره وصحته بين الكتب في مكتبه الصليبيخات وهو يكتشف يومياً كيف تأثر بل أحياناً حد النسخ – هذا المفكر بذاك المفكر بل كيف أخذ عنه الى حد السرقة!!
ما لنا ولذلك كله، المهم أن سليمان الفهد حينما جاء في إحدى زياراته لجريدة السياسة والتي كان يرسل مقالاته إليها آنذاك بواسطة سائقه السوري المتجهم دوماً والذي أعتقد أن اسمه محمود إن لم تخني الذاكرة وكان محمود هذا رجلاً يميل إلى السمنة ويعتمر شماغاً يلفه حول رأسه دوماً فيسلّم مقاله (معزبه – أو معذبه) لا فرق أبي نواف إلى مدير التحرير ويمضي دون أن ينبس ببنت شفه، الأمر الذي كنا نغبطه عليه؛ لأن لديه من يوصل مقالته للجريدة وليس مثل بقية الزملاء الذين يأتون من مناطقهم البعيدة لتسليم مقالاتهم. كـحسين العتيبي الذي كان يأتي من المقوع وأنا الذي كنت آتي من الجهراء ولم يكن هنالك آنذاك لا فاكس ولا إنترنت ولا ما يحزنون.
أقول ذات مرة مرض سائق سليمان الفهد وجاء أبونواف (بقوته الذاتية) ليُسلّم مقالته، وكان أن سأل كما قلت عن ذلك الفتى الذي اسمه مخراز، وقلت إن أم الخير قد اقتحمت صالة التحرير وهي تبحث عن ذلك «البدوي الزفت»، وأم الخير كما قلت لكم كانت شخصية مهابة (تشخط) بأي كان دون حساب إذ (الويل. كل الويل) لمن يُقصّر في عمله من المحررين ويقابلها في ممرات الصحيفة وهي ترتدي بنطال الجينز بشعرها الأشعث وسيجارتها العتيدة إذ إنها تصب عليه كل قاموس الشتائم التي تحوّل أي صحفي ضخم إلى مجرد تلميذ مذنب أمام (ناظر) طاغية!! أقول لعلعت أم الخير في مدخل صالة التحرير وهي تقول «يا بدوي يا زفت تعاء» وبالطبع (تعييت) صاغراً وقادتني من يدي (كمخالف للإقامة يقوده شرطي في الشويخ الصناعية) ثم قالت وهي تدخل بي إلى مكتب محمد زين حيث أبونواف الفهد (يتمقعد) هناك: هيو. الزفت بس مبدع موعارف حالو.. وهنا كدت أقفز من الفرح وأقبّلها على شعرها الأشعث. لأنه ليس من السهل أن تمتدح أم الخير أحداً في ذلك الزمان بل تعطي شهادتها حتى ولو كانت مخلوطة بـ (الزفت).
نشر بتاريخ 25-07-2008
الصعلوك والشاه
قلت في الحلقة السابقة إن (أم الخير) - الله يذكرها بالخير - ويرحم زوجها (أبا الخير)، الأستاذ قاسم أفيوني الذي كان يعمل حينها مديراً للتحرير، بالإضافة إلى الأستاذ مصطفى أبو لبده والأستاذ محمد زين، أقول إنها حينما قادتني من معصمي الناحل وعرفتني بـ (العبد الله سليمان الفهد) وقالت (هيو... البدوي (الزفت) لكنه مبدع!! نهض أبو نواف وعانقني كصديق غاب عنه طويلاً وهو يربّت على كتفي، وقال بلهجته النجدية (يا الله حي البدوي)، وبعد السؤال عن الحال (والذي فيه) قال لي: اسمع ايها الصعلوك أنك لا تقلُّ إبداعاً عن أحمد فؤاد نجم، هل تعرف نجم، وحينما قلت له لا، قال لي سأرسل لك شريطه مع (سحس) وكان يقصد صديقنا المشترك حسين العتيبي ثم (فقعني) بسؤال آخر: هل تعرف مظفر النواب؟ فقلت له: بلا أليس هو كاتب أغنية «للريل وحمد» التي يغنيها الفنان العراقي (ياس خضر) أنا لدي ديوانه الذي يحمل اسم الأغنية، فقال لي: أعني هل سمعت قصائده الفصيحة؟ فقلت له: لا كل ما أعرفه أنه شاعر شعبي، لكنني صراحة لم أفهم كل مفرداته الموجودة في الديوان، والتي كتبت باللهجة العراقية كما (تنطق)، فقال لي: حسناً، لقد أحضر لي صديقنا سحس (العتيبي) شريطاً رائعاً له وأرجو أن تطلب نسخة منه، ثم أردف حواره معي بسؤال ثالث: هل تكتب الفصحى؟ فقلت له بلا، ثم (سعل) سعلته الشهيرة وقال لي: هيا اسمعنا من شعرك الفصيح، ثم رحت أنشد كطالب ابتدائي أمام مدير مدرسة (حمش):
لا يفيه الظل من يفتأ ظله
وانزواء الشمس في الظل مذله
واختفاء الظل فجر الأفاعي
وانبلاج الفجر للخفاش ذله
ذاك أن فكرت لغز
موغل في البعد حله
فاسمحوا لي أن أتمنى
فاجترار الصمت عله
وليقول الناس عني
شاعر قد خُلّ عقله
فأنا خل وصحو
واختلال الصحو خله
واختلال الخل وعي
بعد تبيان الأدله
والأدله؟!
يا صديق الروح لا تخفى الأدله
فابتداء العصف، يأتي الصمت قبله
واحتدام الرعد للآفاق وعد
لا يفي أن لم يضئ البرق حوله
والأدله
يا صديق الروح لا تخفي الأدله
أن أتيت (الشاه) خلف البحر قل له
لا يصدّق قوله الواشين فينا
فهو يدري أننا قوم أذله
فإذا أدلى بقول أصبح العملاق نمله
وكان يقول (مولانا العبد الله) كما أسميناه لاحقاً، وكلما وصلت إلى مقطع من القصيدة... الله... الله (يا سُلم)
ثم نهض وعانقني وقال لي: أنت (نجم الكويت ومظفرها) ويقصد بذلك الشاعرين معاً أحمد فؤاد نجم ومظفر النواب.
وفي هذه الأثناء دخل علينا الأستاذ أحمد الجار الله، الذي كان يتجول كعادته في صالة التحرير ليمازح المحررين، ولم أنتبه إلى أنه كان واقفاً على باب مكتب محمد زين أثناء إنشادي القصيدة:
وهنا باغته العبدالله بسؤاله العتيد (وينخ) يا رجل: أي (وينك) يا رجل أو أين أنت، لماذا تخبئ عنا مثل هذه الدرر وأشار إليّ. وهنا جلس الأستاذ أحمد وأمرني بالجلوس، بينما كان سليمان الفهد يسترسل في الحديث.
أسمعت هذه المهجوه بالشاه أي شاه إيران السابق، لقد لعن هذا الصعلوك (سنسفيلة)، بل سنسفيل الأمة الغبية التي وصفها بالعملاق الذي يتحول إلى نملة أمام تهديدات الشاه باحتلال الخليج... وبالطبع فهم سليمان الفهد القصيدة وكانت بالفعل بمناسبة تهديد الشاه لدول الخليج، إذا ما اضافت إليه كلمة العربي كصفة للخليج.
وكان أبو نواف الفهد (عروبياً للنخاع) لأنه تعلم في القاهرة إبّان المد العروبي أيام عبد الناصر، ثم عُيّن ملحقاً إعلامياً في السفارة الكويتية في دمشق بعد التخرج، وظل وفياً لعروبته (الحقة) حتى اليوم.
بعد ذلك التفت أحمد الجار الله إلى محمد زين وقال له: أنقل زاوية (الفليح) إلى الصفحة الأخيرة، فكدت أطير من الفرح وذلك لأن الصفحة الأخيرة كانت تحتوي على كاريكاتير الزميل الراحل والرمز الفلسطيني (النقي) ناجي العلي، وكانت زاوية مصطفى أبو لبده (الجهات الأربع) تقع إلى يمين الكاريكاتير، وزاوية سليمان الفهد تقع إلى يساره، وأصبحت زاويتي فيما بعد تُنشر تحت كاريكاتير ناجي العلي، وهكذا فجأة تحولتُ إلى كاتب (نجم) مثل سليمان الفهد ومصطفى أبو لبده ومحمد مساعد الصالح، الذي كان يكتب في «الوطن» والمرحوم عبد الله الشيتي الذي يكتب في «الرأي العام»، وبمناسبة ذكر «الرأي العام» لقد كانت المنافسة على أشدها بين الجريدتين «السياسة» و«الرأي العام» التي كان يملكها المرحوم عبد العزيز المساعيد، والذي (عزّ) عليه أن يخرج محرر كان يعمل (عنده) ليصبح منافساً له في صحيفة تجاوزت صحيفته بالشهرة والانتشار، وأعني بذلك المحرر الأستاذ أحمد الجار الله أمدّ الله في عمره.
نشر بتاريخ 25-07-2008
العبد لله... يبحث عن الشهرة
قلت في الحلقة السابقة إنني التقيت سليمان الفهد في مكتب الزميل محمد زين، وقلت إن أحمد الجارالله أعطى أوامره «الرئاسية» إلى محمد زين بأن ينقل زاويتي (مخاريز) من صفحة المجتمع إلى الصفحة الأخيرة، وهنا «لعب الشيطان في عبّي»، وقلت «يا ولد» لم لا تصبح مشهوراً بعد هذه النقلة الهائلة والسريعة وتصبح كاتباً مرموقاً مثل سليمان الفهد، ودعك من هذه الـ«الخرابيط» الشعبية التي تكتبها باللهجة العاميّة، وتتناول القضايا الساخنة في الساحتين المحلية والعربية اللتين كانتا آنذاك تموران بالأحداث.
كانت تلك الفكرة تمور في خاطري، بينما كان مكتب محمد زين يغص بالزملاء الذين جاءوا للسلام على أبي نواف الفهد، والذين انخرطوا في نقاش حاد بشأن ما تقوم به إسرائيل من سباق تسلحي وتكنولوجي، بينما نحن العرب نتسابق على الهزائم المتوالية أمامها، وهنا أفلتت مني جملة بريئة وقلت يا أخوان «إن الفرق بيننا وبين إسرائيل أنها تصنع التكنولوجيا ونحن نصنع «الهذرلوجيا» فضج الزملاء بالضحك لهذه المفردة الساخرة» وهنا قال سليمان الفهد وجدتها وجدتها لماذا لا تُسمي زاويتك على الصفحة الأخيرة «هذرلوجيا»، فاستحسن الزملاء الفكرة وأجمعوا عليها لا سيما الذين يعرفونني جيداً على أنني «ساخر» بالأساس في حياتي اليومية، فلم لا أستغل السخرية في الكتابة النثرية بدلاً من السخرية الشعرية باللهجة البدوية التي لا يفهمها أغلب اخواننا العرب الذين يقيمون في الكويت، ومن ذلك اليوم ولدت زاويتي (هذرلوجيا) التي تنقلت معي في ما بعد إلى عدة صحف يومية ومجلات اسبوعية، ومازالت تصاحبني حتى اليوم في جريدة الجزيرة الغراء، ومازال الناس يسألونني عن «معناها»، منذ أكثر من ثلاثة عقود ونيف على ميلادها (المجيد!!).
• • • • •
بعد ذلك لم ألتق بسليمان الفهد؛ لأنني أيقنت من خلال «غرور» الشباب أو زهوه أنني أصبحت كاتباً «كبيراً! مثله»، وذلك لأنني يومياً أسمع إطراء الزملاء وتعليق القراء واتصال المعجبات من كل أرجاء الخليج واعتقدت أنني «دنجوان» أيضاً فأصبحت أرتدي البنطال والقميص مثل عبد الله المحيلان الذي كان «دنجواناً» حقيقياً ليس على شاكلتي وشكلي، وكان عبدالله نجماً فريداً ومتفرداً في الكويت وفنانا حقيقياً لم تلد الكويت مثله حتى الآن. فهو المخرج المبدع والإذاعي المبهر والفوتوغرافي المدهش والكاتب الرائع والإنسان الحقيقي في كل تجلياته في الحياة، وذلك لما لمسته حقاً من خلال صداقة متينة ربطت بيننا في ما بعد حينما انضم إلى الصفحة الأخيرة في السياسة في لقطاته الفوتوغرافية المذهلة.
• • • • •
وإزاء هذه الشهرة المباغتة لبدوي عانى شظف العيش وجفاف الصحراء وتشققات الروح أصبحت لا أغادر الجريدة، وذلك لأنني كنت أسكن في الجهراء التي كانت آنذاك، حسب نظرتي «المخاتلة» ورغبتي «المتمايلة»، منطقة بعيدة نائية بينما السبب الحقيق هو أنني كنت بحاجة ماسة الى الإطراء والمديح والإعجاب والغزل من خلال التلفون أيضا،ً لأنني لم أكن أملك تليفوناً في البيت، وكان معي على الدوام الصديق البدوي مثلي حسين العتيبي، الذي أخذ نجمه يتلألأ من خلال جريدة السياسة، وذلك لاقتحامه القضايا الملتهبة بكل جرأة وبسالة وصدق، ثم انضم إلينا بدوي ثالث كان مسؤولاً عن الصفحة الطلابية ورئيساً عن اتحاد الطلبة في جامعة الكويت ألا وهو الصديق مطلق مساعد العجمي الذي كان أشد جرأة وحدّة لربما أكثر من حسين العتيبي
• • • • •
أقول ولأسباب بُعد السكن عن الجريدة «كنا نقضي أغلب نهارنا أنا وحسين العتيبي في الجريدة، وكنا نتناول الغداء فيها ونستقبل القراء والأصدقاء فيها، وأحياناً حينما نشعر بالتعب والكسل والنوم نتمدد على «كنبات» مكتب محمد زين الذي يظل مفتوحاً في أغلب الأحيان سواء أكان غائباً أم حاضراً، وهذه «مأثرة» لن أنساها للصديق محمد زين لأنني لم أجدها في كل الصحف التي تنقلت فيها بين الكويت والمملكة».
• • • • •
وذات يوم «جُعنا» نحن الصعاليك حسين وأنا وفتّشنا جيوبنا الخاوية في الغالب ولم نجد بها شيئاً فـ«مط» شفته السفلى حسين كعادته وقال لي اسمع «سأدلك على مأوى لم تحلم به، وستجد هناك أفخر وأثمن الأطعمة والجو الرومانسي الذي يليق بك كشاعر «عظيم!»، وقال لي هيا اركب معي أيها الصعلوك الجائع ثم شغل شريطاً لشاعر لم أسمع صوته قط وكان صوته الهادر يشتم كل شيء في الدنيا ثم يعود إلى رومانسية شعرية طاغية فقفزت كالمذهول بربك من هذا يا حسين؟! فقال لي أيها المتخلف ألم تسمع بمظفر النواب فقلت له بلى لقد قرأت له ديواناً بعنوان للريل وحمد وسمعت المطرب العراقي «ياسر خضر» يغني تلك القصيدة. أصخت السمع عميقاً ونسيت حسين العتيبي وسيارته ونسيت حتى الجوع الذي يمزق أحشائي ولم أنتبه إلاّ وهو «يركن» سيارته قرب فندق الشيراتون، فقلت له وهل جننت يا حسين؟! نحن لا نملك ثمن «السندويشه» الآن فكيف ندخل الى الشيراتون ضحك حسين واتجه إلى احدى العمارات القريبة من الشيراتون و«رعص» أزرار «الأسانسير» لينطلق بنا إلى الأعلى، وفي أحد الطوابق هبطنا فتقدم حسين إلى الباب، ورنّ الجرس، وفجأة فتح الباب خادم أنيق رحب بحسين بقوله «أهلاً يا سي حسين أزيك»، فدلفنا إلى الداخل لنجد العبد الله سليمان الفهد (ما غيره)، وكان «يتمقعد» على الأرض وهو يطوح «الغترة» جانباً لتستقبلنا صلعته اللامعة والتي لم تزل تخفي خلفها بعض الشعر الذي بدأ يغزوه الشيب فنهض حينما رآني «يا الله حي البدو» وكان يجلس بالقرب منه صديق مصري يبدو عليه الوقار والبهاء عرّفه بي ثم عرفني به بأنه من أقرب أصدقائه أيام الدراسة في مصر وقد حل ضيفاً عليه في الكويت وقبل «معزوفة الهلاءات اليعربية» قال لنا أبو نواف هل تغديتما أم لا؟ فقال له حسين لهذا «غزوناك» على حين غرة فضحك أبو نواف وتناول التلفون وقال لنا «اطلبوا وتدلعوا بدلاً من تدللوا» أيها الصعاليك وجاء إلينا بالغنائم والأسلاب»!
فانقض البدويان الجائعان على كل شيء كالذئاب الضامرة في سني الجدب واليباب!! ثم شغل سليمان الفهد المسجل الذي كان ينبعث منه صوت أحمد فؤاد نجم ورفيق دربه الشيخ أمام:
كلنا نحب السلام
والسلام بيحب مين؟
السلام يحب نوره
وشوفوا نوره تبقى مين
نوره بنت عيونها خضار
زي قلوب العاشقين
والخدود وردية حمر
والشفايف توت وتين
والضفائر تبر طاير
يبعث الشوق والحنين
نشر بتاريخ 25-07-2008
بالصرمايه
كنت أكتب مقالتي على طاولة خالية في صالة التحرير، وفجأة دخل علينا تاجر كويتي له علاقة مباشرة بجريدة السياسة، فنهض محرر فلسطيني وقبّل أنفه ثم انحنى وقبّل يديه، وكان يرحب به أهلاً عمي أهلاً عمي وكان ثمة على باب الصالة الفنان الكاريكاتيري الرائع والفلسطيني (العظيم) ناجي العلي -يرحمه الله- يتأمل المشهد، وهو يقاطع ساقيه كعادته الدائمة ثم صرخ ناجي في المحرر الفلسطيني الذي قبّل يدي التاجر: (يا أخو الشليته)، الفلسطيني حرّ. ما خلق لكي يقبل الأيادي يا ابن الـ(…)، ثم خلع ناجي حذاءه وقذفه باتجاه المحرر المسكين، وبعد ذلك ضجت الصالة بالفصل بين المتخاصمين، أخذت ناجي العلي إلى مكتبه، وكانت عروق الرقبة منه ناتئة، وكأنها توشك على الانفجار، قلت له يا أبا خالد (الناس أجناس) فصرخ في وجهي، ولكن الفلسطيني عليه أن يكون فلسطينياً حقيقياً يحتفظ بكرامته مهما كان.
هدأ ناجي ثم طلبت له فنجاناً من القهوة الثقيلة الطازجة، ثم تناول قلمه وراح يرسم لي (حنظلة وهو يقرأ مقالة المحرر الفلسطيني برجليه).
قلت له يا ناجي إذا ما فعلت ذلك فأي جريدة تستقبلك؟ هدئ من روعك.
نهض من كرسيه الخشبي ثم مزق اللوحة والتفت إليّ ثم قال: اسمع أيها البدوي: في هذا البلد كل شخص له عمّ، فما هو رأيك أن تصبح عمّاً لي وأصبح عماً لك.
صار ناجي عمي وصرت عماً له طوال وجودنا في جريدة السياسة الغراء، وفي ذات ليلة «هتف» له سليمان الفهد وقال «يا ناجي ما رأيك في أن نلتقي عند «محمد باحسين» ثمّ هات لنا الصعلوك سليمان الفليح إن وجد؟!».
ضحك ناجي طويلاً ثم قال: هو بين الأيادي، بعدها تناول السماعة محمد باحسين، وقال لي لقد اشتقنا إليك طويلاً فتعال إلى بيتي حيث ملتقى الشعراء والكتّاب والمثقفين، إن بيتي مفتوح للصعاليك والغرباء والعابرين.
أتيت إلى بيت «با حسين»، وكان يضم في جلسته الرائعة مجموعة من الأصدقاء الرائعين مثل حمود الصقعبي، وعبد الرحمن الشايع، وصقر الرشود، ومحمد السريع، والشاعر الفلسطيني مازن شديد والكاتب المصري الكبير أمين العيوطي، وحسين العتيبي، بالإضافة إلى سليمان الفهد وناجي العلي، وكان بيت «باحسين» مفتوحاً للأصدقاء إذ «يهطل» الصعاليك في آخر الليل ويجدون المأكل والمنام أيضا،ً وذلك لأن «محمد باحسين» سليل أسرة كريمة عُرفت بالكرم وقد لقب جده بـ«معشي الشجر» إذ تقول الحكاية: إن جده الأول حينما كبر وأصابه الخرف كان قد تعود طوال حياته أنه ما ان يرى ركباً قادماً حتى نحر الذبائح له، وذات ليلة مغبرة لمح أشجار سدر فظنها ضيوفاً وأمر أهل بيته بنحر الذبائح فقالوا له: إن ذلك شجر وليس ركبا فقال «عشوا الشجر». أما أبو نبيل محمد با حسين حفيده، فقد كان نبيلاً بالفعل، لا يعرف الغضب ولا الكراهية ولا الزعل، فقد خلقه الله لدماثة الخلق والضحكة الدائمة، كلمته الأثيرة (يا باي)، وكنا نرى فيه نحن أصدقاءه الكتّاب، مرآة لنا إذ ينتقد أعمالنا بكل صراحة ووضوح.
انضم الى الشلة في ما بعد المرحوم عدنان العتيقي، وهو مفكر عميق وكاتب رصين ووطنيٌ (للعظم)، كما كان ناجي فلسطينيناً (للعظم)، وقد ورث عدنان آنذاك عن جده مزارع من النخيل والأراضي والأملاك و«العبيد» فذهب إلى المملكة وأعتق العبيد وباع الأملاك، وقرر أن يتجول في بلاد الله الواسعة كبقية أصدقائه المقربين الذين كان يغدق عليهم المال، وقرر في لفتة ذكية منه أن يختبر صدق هؤلاء الأصدقاء فجمعهم ذات ليلة في مدينة لندن، وقال أيها الأصدقاء لم يبق لدي من المال شيء، وعلينا أن نعتمد على أنفسنا في هذه الديار الغريبة دعونا نعمل لنعيش أو نحصّل ثمن التذاكر التي تعيدنا الى الكويت، فشمّر عن ساعديه وعمل جرسوناً في مطعم، بينما أصدقاؤه أخذوا ينسحبون من حوله الواحد تلو الآخر، ولم يتبق لديه سوى صديق يمني اسمه أحمد، ظل يشاطره العمل ويتنقلان من بلد إلى بلد من حصلية عملهما كجرسونين ثم قال له: اسمع يا أحمد لقد جربت الأصدقاء وادعيت الإفلاس وهذا مجرد اختبار، ولكن منذ اليوم ستكون أنت أخي وصديقي المخلص، وسأقتسم معك هذه الثروة حتى يغيبنا الثرى. وبالطبع كانت تجربة عدنان تجربة ثرية في الحياة، وقد وعدنا بأن يكتبها ذات يوم، ولكن القدر لم يمهله طويلاً إذ انتقل إلى رحمة الله وهو في قمة العطاء غيفارا مات
قلت في الحلقة الماضية إنني خرجت وناجي العلي من الجريدة بعدما ضرب المحرر الفلسطيني بـ(الصرماية)؛ لأنه قبّل يد وأنف التاجر الكويتي، وظلّ يواصل السباب حتى ونحن في الشارع، حيث كان ينظر إلينا عمال الشويخ الصناعية الذين يجتمعون أمام موقف الباص بذهول غريب، ثم تذكّر ناجي حاجة قد نسيها في الجريدة فهرول نحو قسم التوزيع، وحمل رزمة من الجرائد المرتجعة، فقلت له: ماذا تريد بها يا ناجي؟ فقال لي: سأعطي قسماً منها لصديقي الخبّاز (غلوم) الإيراني، وقسماً منها لصديقي الكواي راجو الهندي، ثم أستعمل ما تبقى منها كسفرة في البيت.
وقبل أن يضع ناجي الجرائد المرتجعة في (دبة) السيارة سمعت لغطاً تعالى شيئاً فشيئاً، وظننت أن ناجي لربما قد (تشاكل) مع بعض عمال الشويخ، ولكنني حينما نزلت واستدرت خلف السيارة رأيت (عربي عبدالله) وكان أحد رموز الثورة الفلسطينية، وهو يقبّل رأس ناجي ويقول له بالحرف الواحد: (امسحها بلحية الثورة)، قال ناجي وقلت أيضاً إننا التقينا في بيت صاحبنا (أبي نبيل- محمد باحسين)، وإننا التقينا بثلّة أو (شلّة) من الأصدقاء ودار الحديث طويلاً حول هموم الوطن، واستمر الحديث طويلاً وكنت أرى (عمي) ناجي كما اتفقنا على التسمية يتقرفص مثل الحلزون في الكنبة الضيقة، أشار إليّ أن أغيّر كل الحديث، ولم أكن ماهراً في التجاوب، حيث العبد لله سليمان الفهد قد شغّل شريطاً للشاعر والشيخ، تقول كلمات الشريط:
غيفارا مات..
بلا طنطات ولا إعلانات
ولا حدّ مشي معه
للجبّانات
غيفارا مات
مات البطل فوق مدفعه
جوا الغابات
يا مية خسارة عالرجال
غيفارا مات
اعتدل ناجي العلي من جلسته ثم وقف وهتف:
زهر البنفسج
ياربيع بلادنا
وأحلى بلاد
في البلاد بلادنا
لنعود إلها
إذا ما عادت لنا
ثم أخذ ناجي (يدبك) وحده، ويكمل القصيدة الراقصة، ثم انضمت له كل الشلّة بالدبكة والحركة الراقصة، وبقينا (ندبك) حتى الصباح، وحينما انبلج الفجر ونام من نام من الأصدقاء انسللت أنا وناجي وسليمان الفهد إلى (فوال عظيم) أي إلى رجل يضع الفول (بمقدرة عالية)، وكان يعرفه سليمان الفهد لأنه (فوال أمين... فوال ابن فوالين)، من مصر العتيقة. تناولنا (أصحن الفول) حتى شبعنا، ثم قال لنا الفوال لما انتهينا اكتبوا عن هموم (الغلابا!).
بعد ذلك صار ناجي صديقي الذي لم أنفصل عنه في الجريدة أو في الخروج إلى الأصدقاء أو في مضاربي التي نصبتها وسط الصحراء.
وبمناسبة الحديث عن المرحوم ناجي العلي، فإنني أعتقد أن أقرب صديق له هو سليمان الفهد وأن انطلاق شهرته وتألقه من رواق جريدة السياسة وقد عرفناه طويلاً أكثر من الذين ادعوا صداقته وعملوا فيلماً تجاهل كل مرحلة ناجي الذهبية، سواء في الطليعة أو في السياسة أو في القبس، حيث قدم فيها أبهى العطاءات، وفتح له محمد الصقر باباً شاسعاً للحرية والإبداع. وبمناسبة ادعاء صداقة ناجي فإن المحرر الفلسطيني الذي ضربه ناجي بالحذاء قد كتب عنه حينما مات انه صديقه الوفي
حينما أصبح ناجي العلي -عمي- وأصبحت أنا عمه حسب ميثاق المحبة الذي ربط بيننا، كنا نخرج في أوقات الفراغ للتسكع في الشوارع الخلفية للكويت، إذ أزور بعض أصدقائي الصعاليك، وهم يسكنون في المرقاب القديم أو (الدمنة) التي أصبحت السالمية، أو نذهب إلى الضواحي القصية حيث «العباسية»
و«الدوغة» وجليب الشيوخ وعشيش الشدادية والجهراء القديمة ذات النخيل. وكان أغلب أصدقائي من الكهول وأصحاب النظريات العجيبة في الحياة والمهمشين الذين يلعنون الحياة بأشعارهم الساخرة، والمهربين الذين «تابوا» عن التهريب، فأصبحوا كما يقولون «كالنسور المقعدة»، والذين يروون حكايات لا نملُّ من سماعها حتى يتلاشى الليل والبداة الذين يحرجون «ناجي» بولاءاتهم الفادحة. أما هو فكان أغلب أصدقائه من الفلسطينيين البسطاء الذين لا يعرفون المبالغة أو الادعاء، والذين يحبون الكويت مثلما يحبون فلسطين لأنهم نشؤوا وترعرعوا فيها، وأصبحت وطنهم الثاني الذي لا بديل عنه. تماماً كما قالت لي ذات مرة السيدة «أم العبد» القريوتي التي تقيم في حولي، إذ روت لي كيف ان الإسرائيليين لما اجتاحوا المخيم وفرزوا الرجال عن النساء ثم أخذوا يفرزون الشباب عن الكهول وفرزوا ناجي بأنه من الكهول نظراً الى شعره الأشيب وظهره المحدودب، وأطلقوا سراحه لأنه حسب رؤيتهم من الكهول، تقول أم العبد فلتت زغرودة مني ولم يفهم الضابط الإسرائيلي معنى «زغرودتي الوطنية» حتى الآن، وذلك لأن ناجي العلي هو رمز فلسطين ثم أدارت علينا البخور وقالت يحرسكم الله.
بعد ذلك قدمت لنا أم العبد القريوتي طبقاً ساخناً من «المسخن الفلسطيني» و«طنجرة» كاملة من الملوخية الفلسطينية اليانعة المشغولة بالثوم والليمون وزيتون فلسطين الأصيل. استرحنا قليلا عند «أم العبد»، ثم ذهبنا نتسكع بالفروانية حيث اكتظاظ الفلسطينيين مثلما اكتظاظهم في نواحي الكويت، وفي مدخل الفروانية وعند الإشارة اعترضت سيارتنا أنا وناجي سيارة صغيرة يقودها رجل ذو شعر كثيف، فاضطربت كثيرا وحاولت أن أتشاجر معه «لأنني في تلك الأيام كنت على استعداد أن أشاجر حتى الهواء»، ولكن ناجي أمسكني من يدي وقال لي لعله «علي جرار» أتعرف علي جرار؟!»، قلت أعرف أنه من رجال الإعلان التافهين الذين يشتغلون في جريدة السياسة.
قال لي ناجي «لأ، بل الحقه واستوقفه، وستعرف تماماً من هو علي جرار.. لحقت علي ثم «صفطت» أمامه ونزل لي كالأسد الهصور، وأشهر سكيناً في وجهي، ثم قال «انزلا، يازمرة «الأوباش» الحقيرين، واتجها إلى شقتي فأنا «أعزمكما» رغما عنكما (!)، ثم لماذا تمارسان كالصبية الجاهلين مشاغبة «السابلة»؟ ولماذا تطوفان الإشارة كالبداة الهمجيين».
أوقفنا علي بمدخل شقة في الفروانية ودعانا إلى العشاء الذي أعدته أمه العجوز، ثم قال لها «يا ختيارة هؤلاء أصحابي ناجي العلي الفلسطيني وسليمان الفليح البدوي».
منذ ذلك الزمان أحسست أنني أنتمي بشعري ومواقفي إلى فلسطين بفضل علاقتي بناجي العلي، مثلما أنتمي بشعري ومواقفي إلى الكويت بفضل علاقتي بسليمان الفهد؛ ولذلك أصبحت منذ تلكما العلاقتين الراسختين «وطنياً لم يساوم على وطنيته من أجل الكويت»، و«عروبياً لا يساوم على عروبته من أجل فلسطين»، وبالطبع في ذلك الزمان كنت معجباً بشكل خاص بنضال عبدالعزيز بن عبدالرحمن في قيام أول وحدة حقيقية على أرض العرب، وكيف أنه انتزع السيوف من أكف القبائل المتغطرسة التي لا تؤمن إلا بالغزوات، وأقام هجراتها الثابتة، وفرض الأمن والسلام في ربوع الجزيرة العربية، وأقام مملكته الموحدة الرائعة.
بالطبع ليس هذا مديحا أرتجي منه المنفعة والمصلحة بل هو قناعتي الراسخة بكل ما فعله المؤسس العظيم والموحد الذي ضمّ هذا الكيان العظيم ليجعله وطناً واحداً ومملكة واحدة.
لم يكن ناجي يوافقني على قناعاتي كلها بل كان «ينسفها»، ثم يزمجر مثل «فحل الجمال» في أولات السفاد، ثم يعود إلى ريشته ليرسم «أهل الخليج بكروشهم المندلقة». غضبت على ناجي، وقلت له ذات مرة إننا لن نلتقي، فلست عمي أنت ولست عمك أنا كما اتفقنا؛ لأنك تسخر من أصدقائنا «المتكرشين» الذين يمدون ثورتك بالمال أو بالرجال، وهؤلاء يا ناجي العلي «أعمامنا».
ضحك أبو خالد حتى بانت نواجذه ثم صعّد بالموّال «أحلى أعمامي في الكويت أعمامنا» أيرضيك ذلك؟
نشر بتاريخ 25-07-2008
كيف صرت شاعراً
في عام 1971م جاءني الصديق محمد الحربي، الذي أصبح اليوم قاصا وكاتبا مشهوراً في دولة الإمارات العربية، وقال لي: يا سليمان ما دامت لك محاولات شعرية فإنني قد تعرفت على شاعر كبير فما رأيك أن تعرض محاولاتك عليه لتقييمها؟ آنذاك كدت أقفز من الفرح؛ لأنني سأتعرف على شاعر مشهور، له دواوينه و«يطلع بالتلفزيون» في برنامج البادية! لذلك توجهنا إليه على الفور وقدمني إليه الحربي، وقال له هذا الشاعر الذي قلت لك عنه. ثم رحّب بي الشاعر الكبير وكنت «أتأبط» دفتري المخملي الذي ضممت قصائدي إليه، وقال لي: هيا نسمع، ورحت (أسمِّع) كتلميذ في الصف الأول قد (صمّ) الدرس، ورحت أنشد في مسمعه قصيدة «التوجسات» الشهيرة، ولم أكد أنهي المقطع الأول منها حتى قال لي: كفى. كفى. هذا ليس شعرا يا بني! إنما الشعر هكذا، ثم أخرج لي ديوانا له، وراح يقرأ قصيدة عمودية، ثم قال لي: «الشعر طويل سلمه... إلخ». اذهب واقرأ للمتنبي والمعري وأبي تمام ثم اكتب الشعر. أحسست بإهانة كبرى، ثم قلت له باستحياء وانكسار: ولكنني أكتب الشعر الحرّ كما يكتبه (خالد سعود الزيد وخليفة الوقيان وعلي السبتي ومحمد الفايز، ثم انتفض وقال لي إنهم (يهذون) ليس هنالك شعر سوى الشعر الذي يعتمد على الصدر والعجز والقافية! أُصبت بصدمة كبيرة ونكست رأسي خجلا من نفسي، ثم تناول ديوانه وقدمه لي وقال لي اقرأ هذا الديوان جيدا لتعرف الشعر(!!).
خرجت حزينا كسيرا كمن ضاقت به الدنيا، ثم أخذت أمزق ديواني المخملي الصغير في أقرب سلة للمهملات! وبالرغم من أن صديقي الحربي حاول منعي من ذلك فإنني قلت ليس بعد حكم هذا الشاعر الكبير حكم، وهنا غضب الحربي وقال بالصوت المرتفع: والله إن شعرك أحسن من شعره ولكنني لم أرد عليه.
بعد تلك الصدمة المروعة من قبل (الشاعر الكبير) قررت أنني لا أصلح شاعرا (على غير قناعة كاملة!!) ولذلك اتجهت إلى التعلق بالكتابة الصحافية، وإذ بعد أعوام من تلك الحادثة -انتدبت إلى جريدة السياسة للتدريب على العمل الصحافي- وهناك أوكلوا زميلا مصريا آتيا من جريدة أخبار اليوم لتدريبي على التحقيقات الصحافية، وكان يصحبني في تلك الدورة الزميل سعود معارك الشمري، وكان مدربنا المصري رغم حرفته العالية فإنه كان ضحل الثقافة وكثير الادعاء ويخلط في تحقيقاته الحابل بالنابل.
ويشطب لنا ما يشاء وغالبا ما يسقط أسماءنا من تحقيقاتنا لينسبها إليه، الأمر الذي أضجرني كثيرا، وكنت في وقت فراغي أجلس إلى الشاعر المبدع فيصل السعد الذي كان مسؤولا عن القسم الثقافي، وقد كان أصدر لتوه ديوانه الرائع «آلام الزمن المعتم» وأعقبه بديوان جديد آخر هو «أمل.. أغنية قبل الموت»، وكان يشدني إلى فيصل الحديث عن الثقافة والشعر، وأستفيد مما يصله بالبريد من مجلات أدبية أو مطبوعات جديدة. وذات يوم في ما كان (أبو سنين) هكذا لقبه آنذاك يجهز صفحة الثقافة، بقيت مساحة فارغة لم يكن لديه ما يغطيها من مواد فالتفت إلي وقال: هل تحفظ أية قصيدة لأي شاعر لنقفل بها الصفحة؟ فقلت له نعم، ثم تنحيت جانبا وأخذت أتذكر قصيدة لي أعدمتها في ديواني المخطوط الذي مزقته بناء على رأي «الشاعر الكبير» الذي قرر إعدامي كشاعر ورحت أكتب قصيدة «توجسات في الزمن الفاسد»، وحينما قدمتها إلى فيصل وقرأها أطل على وجهي بعينين متسائلتين من فوق نظارته السميكة وقال لي: لمن هذه القصيدة؟ فقلت له على الفور: إنها لي، فقال: لا! قل الحقيقة. فأقسمت له إنها لي، فطواها ووضعها في جيبه، ثم نهض إلى الأرشيف وأحضر صورة للوحة (الغرونيكا) لبيكاسو، وسد بها فراغ الصفحة وقال لي: بالنسبة إلى قصيدتك فإنني سأتركها للعدد القادم لأنها بحاجة إلى احتفاء خاص ومساحة أكبر
بعد تلك الصدمة المروعة، التي أصبت بها من قبل «الشاعر الكبير»، كما ذكرت في الحلقة السابقة، قررت أنني لا أصلح شاعرا «على غير قناعة كاملة!!»، لذلك اتجهت إلى التعلق بالكتابة الصحافية، وإذ بعد أعوام من تلك الحادثة - انتدبت إلى جريدة السياسة للتدريب على العمل الصحافي - وهناك أوكلوا زميلا مصريا آتيا من جريدة أخبار اليوم لتدريبي على التحقيقات الصحافية، وكان يصحبني في تلك الدورة الزميل سعود معارك الشمري، وكان مدربنا المصري - رغم حرفيته العالية - ضحل الثقافة وكثير الادعاء، ويخلط في تحقيقاته الحابل بالنابل، ويشطب لنا ما يشاء، وغالبا ما يسقط أسماءنا من تحقيقاتنا لينسبها إليه، الأمر الذي أضجرني كثيرا، وكنت في وقت فراغي أجلس إلى الشاعر المبدع فيصل السعد، الذي كان مسؤولا عن القسم الثقافي، وكان أصدر لتوه ديوانه الرائع «آلام الزمن المعتم»، وأعقبه بديوان جديد آخر هو «أمل... أغنية قبل الموت»، وكان يشدني إلى فيصل الحديث عن الثقافة والشعر، وأستفيد مما يصله بالبريد من مجلات أدبية أو مطبوعات جديدة.
وذات يوم، فيما كان «أبو سنين» - هكذا لقبه آنذاك - يجهز صفحة الثقافة، بقيت مساحة فارغة لم يكن لديه ما يغطيها من مواد، فالتفت إليّ وقال: هل تحفظ أي قصيدة لأي شاعر لنقفل فيها الصفحة؟ فقلت له نعم، ثم تنحيت جانبا وأخذت أتذكر قصيدة لي، أعدمتها في ديواني المخطوط الذي مزقته بناء على رأي «الشاعر الكبير»، الذي قرر إعدامي كشاعر ورحت أكتب قصيدة «توجسات في الزمن الفاسد»، وحينما قدمتها إلى فيصل وقرأها، أطل على وجهي بعينين متسائلتين من فوق نظارته السميكة، وقال لي: لمن هذه القصيدة؟ فقلت له على الفور: إنها لي، فقال: لا! قل الحقيقة. فأقسمت له إنها لي، فطواها ووضعها في جيبه، ثم نهض إلى الأرشيف وأحضر صورة للوحة «الغرونيكا» لبيكاسو وسد بها فراغ الصفحة، وقال لي: بالنسبة إلى قصيدتك فإنني سأتركها للعدد القادم، لأنها بحاجة إلى احتفاء خاص ومساحة أكبر.
بالطبع في ذلك الزمن الجميل، لم يكن الحسد والغيرة والعداء المبطن سلوك الأدباء، بل كان الحب والمحبة والأخذ بيد الآخرين، تماما كما فعل فيصل، إذ أخذ القصيدة إلى رابطة الأدباء - كما عرفت لاحقا - وحينما اجتمع الأدباء، أخرج فيصل القصيدة وراح يقرؤها عليهم حتى خيم عليهم الصمت والوجوم، ثم سألهم: من منكم يعرف هذا الشاعر؟ ساعتها نهض الشاعر المبدع المرحوم خالد سعود الزيد، وقال إنني لم أسمع قط بمثل هذه الأجواء الصحراوية الغريبة في شعرنا الحديث، إنها لشاعر من الجزيرة العربية لا محالة. فقال فيصل: بالفعل إنها لشاعر بدوي شاب اسمه سليمان الفليح، يتدرب لدينا في السياسة على العمل الصحافي. فقال: يا فيصل، أستحلفك بالله أن تدعوه باسمي واسم الرابطة للتعرف إليه، إنه موهبة نادرة لا تشبه أي موهبة في مجال الشعر الحديث، وأرجو ألا تنشرها؛ ففي حال التأكد من أن هذه القصيدة له فإنني سأقدمه في الأمسية الشعرية الختامية للموسم الثقافي التي سنقيمها بعد أسبوع، لذلك أرجو أن تدعوه إلى الرابطة.
في اليوم التالي، حينما أنجز فيصل عمله جاء إليّ وقال: إنني أخبئ لك مفاجأة سارة... هيا اركب معي بالسيارة ولا تسأل إلى أين نحن ذاهبان، وبالفعل سار بي فيصل إلى أن توقف أمام رابطة الأدباء، فقلت له: «وش السالفة يا بو سنين؟»، فقال لي: ستعرف السالفة في الرابطة، وبالطبع كان مجرد دخولي إلى رابطة الأدباء يشكل لي حلما عزيز المنال، إذ ما إن دخلنا حتى هب خالد سعود الزيد واقفاً وأسرع نحوي، ليحتضني كما يحتضن الأب ابنه بعد فراق طويل، وكذلك فعل المرحوم الدكتور الشاعر عبدالله العتيبي، ثم أخذ فيصل يعرفني إلى الحضور، الشاعر خليفة الوقيان، الشاعر يعقوب السبيعي، الشاعرة جنة إدريس، القاص سليمان الخليفي.
كدت أصاب بالذهول وأنا وسط هذه الكوكبة من فرسان الكلمة في الكويت، وكنت أتلفت بالوجوه كصقر يُزال (برقعه) لأول مرة منذ اصطياده، وبعد هنيهة أخرج المرحوم خالد سعود الزيد القصيدة من جيبه و«نسف غترته» بتنسيفته المعهودة وابتسامته الأبوية الحانية، وراح يقرأ قصيدة التوجسات، وكلما وقف عند مقطع قال: عظيم، عظيم، ثم حدّق بوجهي كمحقق شرس ليصفعني بالسؤال: هل هذه القصيدة لك؟ فأقسمت له إنها لي، قال الدكتور العتيبي: وهل لديك غيرها؟ وهل نشرت في أي مكان آخر؟ قال خليفة: ومنذ متى تكتب الشعر؟ قلت: منذ أكثر من سبعة أعوام ولي ديوان مزقته!! فقالوا جميعاً: (ليش؟) قلت لقد نصحني الشاعر (...) بأن أترك الشعر لأنني لست بشاعر، فهبوا كلهم بالسؤال من ذلك الشاعر العظيم؟ قلت فلان. قال سعود الزيد: هذا (سخته) وش عرّفه بالشعر، ثم طلبوا مني أن أتذكر بعض القصائد من الديوان الممزق فأسمعتهم عدة قصائد، ونهض أبو سعود الزيد وقبلني وقال لي: سأقدمك أنا شخصيا في أمسيتنا القادمة.
هكذا كان المبدعون يحتفون بالمحاولات الجادة، وهكذا كانوا يحتضنون البراعم ويأخذون بيد من لا يعرفون مجاهل الطريق. وأنا إذ أدين لأحد في انطلاقتي الشعرية، فإنني أدين للأسماء الجميلة التي ذكرتها بالوفاء والمحبة والولاء، فخالد سعود الزيد هو الذي كان يقمعني بعنف، كلما كتبت قصيدة رديئة وقد فعلها يوما أمام مجموعة من الأدباء، إذ إنني استعجلت في نشر قصيدة في الجريدة، وحينما زرت الرابطة أدار أبو سعود - رحمه الله - وجهه عني كالأب الغاضب من ابن عاق، وحينما سألته ما السبب، انفجر في وجهي كالبركان وقال لي: يا سلوم يا (...) هل هذه قصيدة، وأخرج القصاصة من جيبه ورماها في وجهي، وقال مزمجرا: هذي (نعل.. وإلخ.. إلخ..) لذا فقد علمني ألا (أسلق القصيدة)!!
أما عبدالله العتيبي فهو الذي صحح بروفة ديواني الأول. أما خليفة فإنني كنت ألجأ إلى استشارته لأنني أراه أكثر «ليونة» من أبي سعود وأكثر «دماثة».
وأذكر فيما أذكر أن المرحوم خالد سعود الزيد قدمني في أول أمسية هكذا: تلتقي البداوة بفطرتها، والمدينة بخبرتها في هذا الذي يجلس يميني. أتعرفون من هو؟!
نشر بتاريخ 25-07-2008
ملطووووووووووووووووووووووووووو وووووووووووووووووووش
مع تحياتي محمد العنزي
محمد الباطحي
01-06-2009, 11:56 PM
هذا بقلم سليمان الفليح
مع تحياتي محمد العنزي
مع تحياتي محمد العنزي
بنت التويجري
02-06-2009, 12:34 AM
سلمت يداه و يداك
و لا هنت يا بعدي ع النقل
و لا هنت يا بعدي ع النقل
نواف العنزي
02-06-2009, 12:12 PM
محمد الباطحي
يعطيك الف الف عافيه على هالنقل الاكثر من رائع
تقبل شكري وتقديري
بانتظار ابداعك في سماء مجالس عنزة
يعطيك الف الف عافيه على هالنقل الاكثر من رائع
تقبل شكري وتقديري
بانتظار ابداعك في سماء مجالس عنزة
محمد الباطحي
02-06-2009, 09:12 PM
( بنت التويجري )
مرورك شرف لي و ويسام اضعه على صدري واتباها به
( الدلقان الميهوبي )
يا ايها النهر الجاري الصافي فقد اشبعتني من مياهك العذبه واتمنى من اللة ان لا يحرمني من مياهك
مع تحياتي محمد العنزي
مرورك شرف لي و ويسام اضعه على صدري واتباها به
( الدلقان الميهوبي )
يا ايها النهر الجاري الصافي فقد اشبعتني من مياهك العذبه واتمنى من اللة ان لا يحرمني من مياهك
مع تحياتي محمد العنزي
الفهدالوايلي
02-06-2009, 10:03 PM
مقالات رائعة للأديب الكبير / سليمان الفليح
تسلم يمينك اخوي محمدعلى تجميعها هنا
الله يعطيك العافية
ودمت بخير
تسلم يمينك اخوي محمدعلى تجميعها هنا
الله يعطيك العافية
ودمت بخير
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2016, TranZ by Almuhajir diamond
No comments:
Post a Comment