وطنان لي
الأربعاء 10 أكتوبر 2007
http://www.aljarida.com/news/word/192364/
ها أناذا أكتب للمرة الأولى عن (أمي، الوطن) الكويت منذ أن غادرتها
إلى (وطني، الأم) المملكة. فهل رأيتم أيها الإخوة القراء رجلا له (أُمان
ووطنان) بالرغم من أنه عاش جُلّ حياته بلا وطن! تتقاذفه الأوطان من وطنٍ
إلى وطن وهو على ظهر بعير يجوب به الصحراء فيصبح في وطن ويُمسي في وطن آخر
تبعا لمشيئه...

ها أناذا أكتب للمرة الأولى عن (أمي، الوطن) الكويت منذ أن غادرتها إلى (وطني، الأم) المملكة. فهل رأيتم أيها الإخوة القراء رجلا له (أُمان ووطنان) بالرغم من أنه عاش جُلّ حياته بلا وطن!
تتقاذفه الأوطان من وطنٍ إلى وطن وهو على ظهر بعير يجوب به الصحراء فيصبح في وطن ويُمسي في وطن آخر تبعا لمشيئه و(مشيه) ذلك البعير الذي يبحث عن أسباب البقاء والذي هو في الوقت نفسه يوفر لصاحبه أو (راكبه) لا فرق أسباب البقاء (الغذاء، الكساء، الإيواء) والتنقل بلا جواز في كل الأرجاء. وقد تمتد دهشتكم أيها الإخوة القراء إذا ما قلت لكم إنني تنقلت من خلال ذلك البعير إلى عدة أوطان تتقاسم الإقليم الذي يعتبر (أحد) مواطن قبيلتي منذ الجاهلية حتى اليوم وأعني بذلك إقليم (الحَماد) الرهيب الذي يأخذ في امتداده المهول جزءا من حدود المملكة العربية السعودية وجزءا من حدود المملكة الأردنية الهاشمية وجزءا من حدود الجمهورية العربية السورية وجزءا من حدود العراق.
وكانت قبيلتي (الظاعنة) دوما تُصبح في حدود وطن وتمسي في حدود وطن آخر من تلك الأوطان التي تقسم (الحماد) تبعا لمساقط المطر ووفرة الكلأ وموارد المياه، ولم يكن بمقدور أي أحد من شرطة حرس الحدود في تلك الأوطان أن يسأل قبيلتي عن جهة الترحال؛ وذلك لمعاهدات ومواثيق صادرة عن جامعة الدول العربية بشأن (العربان)، تلك المعاهدات التي تتيح لها حرية الانتجاع حتى سواحل الخليج حينما يجدب الحماد أو النفود أو الدبدبة أو الصمان، بل قد تتوغل أحيانا حتى الحدود التركية في أقصى الشمال.
بالطبع كان ذلك الترحال حتى أواسط الخمسينات حينما جاءت سنوات عجاف أبادت إبل القبيلة عن بكرة أبيها بسبب القحط والجفاف الذي عمَّ كل تلك الأصقاع، لذلك توزعت قبيلتي (عنزة الكبرى) في كل الحواضر والدول التي لها تماس أو تدخل فيها تلك الأقاليم التي كانت في الأساس مسرحا لحروبها التاريخية منذ القدم كما هو شأن الكثير مثلها من قبائلنا العربية العزيزة في ذلك الزمان والتي كانت مثلها تمارس التنقل والترحال. وأعني بذلك القبائل النجدية التي لم يكن لها طوال تاريخها قرار أو استقرار سوى من تحضر من تلك القبائل واستوطن القرى والهُجر والمدائن في الجزيرة العربية الممتدة من الماء إلى الماء، وبالطبع حينما طوت القبيلة خيام الترحال توزع أبناؤها بحسب تواجدها العشائري المستقر (المسبق) في تلك البلدان، فمن أبناء تلك القبيلة من استقر في حواضر الوطن الأم نجد (قلب الجزيرة العربية) بكل ما احتوى ذلك الإقليم من مدن بدءا من مدن الشمال (عرعر، تبوك، الجوف، حائل، الباطن، حتى العلا فمدائن صالح وأطراف الحجاز مرورا بقلب ذلك القلب «الرياض»)، وقسم استقر في الكويت والتي كانت طوال تاريخها مركزا لاستقطاب أهل نجد (حاضرة وبادية)؛ لما بها من الخير العميم في سني الجدب والجفاف، بينما استقر القليل من تلك القبيلة في حواضر بلاد الشام والنزر القليل في أطراف العراق.
وكان من (حظي) آنذاك – أن أتوجه إلى الكويت وأستقر بها – وتصبح وطني الأول بعد دوّامات الترحال. وقد قدمت لي الكويت ما لم يقدمه أي وطن في الكون لمشرد مثلي تقاذفته جهامة الصحراء من حدود إلى حدود، وكان أن أشرعت لي الصدر لأشرع لها القلب وأبادلها وفاء بوفاء وقد جعلت الكويت من ذلك المشرد البدوي مثقفا وشاعرا وكاتبا (حراً) يشار إليه بالبنان؛ لذلك كان يزايد بالوطنية حتى على أبنائها المخلصين! وتحملت الكويت الحبيبة عبر منابرها المتعددة كل (حماقة وصفاقة وشغب وصعلكة وجنون وإبداع ذلك المخلوق الصحراوي العجيب) – أن كان ثمة هنالك من إبداع!! وقد هيأت لي من خلال تلك المنابر المضيئة (صحابة، ندوات، أمسيات، محاضرات، وسائل إعلام) أن أقيم قاعدة عريضة من المحبة اتسعت لا لتشمل الكويت وحدها بل تعدتها إلى سائر أقطار الخليج بما في ذلك وطني ووطن قبيلتي الأم مملكة الإنسانية والعطاء باعتبارها – أي القبيلة – من أكبر قبائل نجد على الإطلاق وإن توزعت في سائر الأقطار. فأصبح لدي من خلال تلك القاعدة النبيلة من المحبة لا قبيلة فحسب بل شعب كبير أنتمي إليه ويحبني مثلما أحبه ألا وهو شعب الخليج الذي يُعتبر عائلتي الكبرى هذا إذا لم (أكابر) وأقول إن الأمر تعدى ذلك إلى قطاعات شاسعة من القراء تتوزع في أنحاء الوطن العربي الكبير والذي أصبح هو الآخر قبيلتي الكبرى التي توزعت في أنحائه منذ أن طوت خيام الترحال حتى اليوم.
وبالطبع حينما يُقدم لي وطن كالكويت مثل هذا السخاء فلا بد من أن أبقى مُداناً ووفياً له مدى الحياة.
أما بالنسبة إلى وطني الأم (المملكة) والتي لم تشعرني قط ولو لدقيقة واحدة بطول (الغياب والاغتراب) إن كان ثمة من اغتراب فإنني شعرت ما أن استقر بي المقام بها أن كل شعبها الوفي يكاد يعرفني فرداً فرداً، عائلة عائلة، قبيلة قبيلة، منطقة منطقة، من أقصى الشمال إلى أقصى الجنوب بدءاً من أبسط مواطن فيها حتى حكامها الكرام، إذ ما إن حللت بعاصمتها – الحبيبة – الرياض بين أهلي وعشيرتي ووطني حتى قدّمت لي من خلال أميرها العظيم سلمان بن عبدالعزيز يحفظه الله – كل ما حُرمت منه طوال العمر – وبفترة قياسية لا يتصورها أحد من كل وسائل العيش الكريم وكل متطلبات الحياة، بالرغم من أنني – حقيقة لم أقدم لها شيئا ليستحق هذا التكريم النبيل مما يدعوني الآن أن أرفع يديّ إلى السماء وأقول من القلب: اللهم أعنّي على تقديم ما تستحقه هذه الأم العظيمة من عطاء وكما يليق بعطائها العظيم حتى ولو استدعى ذلك أن أقدم لها الروح؛ وذلك لأن غاية الجود هو الجود بالروح، وكذلك والله – سأفعل إذا ما طلبت الكويت ذلك ومن هنا فإنه لا يسعني قبل أن أودع القراء وأعود لهم ثانية – بإذن الله – إلا أن أرفع ثانية يديّ للسماء وأقول: اللهم احفظ هذين الوطنين الغاليين المملكة والكويت وشعبيهما الرائعين من كل شر ومكروه فهما وطنَي المحبة والعطاء.
No comments:
Post a Comment