تحديات التجديد ومأزق البحث عن هوية!
[c] أيديولوجيا الصحراء
تحديات التجديد ومأزق البحث عن هوية
سعيد مصلح السريحي
جدة
لم يكن أيٌّ من الرجلين اللذين نهضا بجمع مادة الكتاب ينتمي إلى الصحراء
،كما أنه لم يكن أحد ممن شاركوا بكتابة النصوص التي احتوى عليها ممن ينتمي
إلى الصحراء ، وبوسعنا كذلك أن نؤكد مطمئنين إلى أن النصوص الكثيرة التي
تكدست بين دفتي ذلك الكتاب لم تعرض إلى الصحراء من قريب أو بعيد ، ومع ذلك
كله فقد جاء الكتاب وهو يحمل عنوان (( من وحي الصحراء )) وتحت هذا العنوان
أضيفت جملة توضح محتواه و البيئة التي ينتمي إليها كاتبو النصوص التي جاءت
فيه فهو (( صفحة من الأدب العصري في الحجاز )) (1).وليس لنا أن نتفهم علاقة
عنوان الكتاب بالجملة الفرعية التي جاءت تفسيرا و إيضاحا له إلا في ضوء
إدراكنا للإزاحة التي تمت للحجاز من كونه بيئة متحضرة ، ينتمي أدباؤها إلى
مدن عريقة تتمثل في مكة المكرمة و المدينة المنورة وجدة والطائف، و هي
المدن التي جاء منها كل أولئك الذين شاركوا بكتابة نصوص الكتاب ، إلى كونه
بيئة بدوية تنتمي إلى الصحراء و تستمد منها وحيها ..
أوضح جامعا الكتاب في الكلمة التي صدراه بها الغاية من وراء ما قاما به و
المتمثلة في إعطاء صورة صادقة عن الحركة الأدبية في الحجاز تمكن المتتبع
للنهضات الأدبية في الأقطار العربية من لمس بوادر هذه النهضة الفتية للحكم
عليها (2) غير أن المعضلة التي لم تكن تغيب عن بال جامعي الكتاب و الذين
شاركوا بكتابة نصوصه هي ما كانوا يلمسونه من هيمنة المراكز الثقافية
العربية في مصر و الشام و العراق و المهجر و تماهي الصوت الحجازي في جلبة
تلك الأصوات التي كانت تشارك في صياغة الأدب العربي الحديث و إرساء قواعده .
و قد كانت حاضرة في الأذهان تلك الدراسة التي ظهرت للدكتور طه حسين في دمشق
سنة 1354 من الهجرة ، أي قبل صدور وحي الصحراء بسنة (3)، و التي أشار فيها
إلى حاجة الأدباء في الحجاز إلى تكوين شخصية أدبية لهم ، تخرج بهم عن طور
التلمذة على الأقطار العربية المجاورة و آدابها الوافدة إلى الحجاز ، مؤكدا
على أن أهل الحجاز يستمدون أدبهم التقليدي من مصر و الشام بنوع خاص ، و قد
يتأثرون بغير المصريين و السوريين من الذين يفدون عليهم للحج ، ولكن كتبهم
التي يدرسونها في مكة و المدينة من الكتب التي يدرسها المصريون في الأزهر ،
و شعرهم الذي يقرأونه أو يحفظونه هو الشعر الذي يقرأ و يدرس في مصر و
الشام ، فهم إن أرادوا أن يكتبوا في العلوم الدينية قلدوا المصريين و
السوريين (4) ، أما المجددون الذين ينشئون الشعر و النثر على مذهبهم الجديد
فهم -حسب تعبير طه حسين - لم يوفقوا بعد إلى أن يكونوا للحجاز شخصية أدبية
، إنما هم تلاميذ السوريين ، و السوريين المهاجرين إلى أمريكا بنوع خاص ،
فمثلهم العليا في الأدب يلتمسونها عند الريحاني و جبران خليل جبران ومن
إليهما.(5)
تحت وطأة الشعور بضرورة الوصول إلى شخصية مستقلة تولد الإحساس بالبحث عن
مرجعية أخرى يتم من خلالها استلهام الإبداع ، فجاءت الصحراء لكي تكون مصدر
الوحي لهؤلاء الأدباء ، و انزاح الحجاز من كونه هامشا للحواضر العربية في
الشام و مصر و العراق و مصبا للاتجاه الوافد من بلاد المهجر إلى كونه مهبطا
لوحي تمده به الصحراء … إن الصحراء هنا تجيء بديلا للشام و العراق و مصر و
المهجر، و ما اشتمل عليه الكتاب من موضوعات و قصائد إنما هو وحي هذه
المرجعية التي أرادها أدباء الحجاز علامة مميزة لهم ، يلتمسون من خلال
الانتماء إليها ما يمكن أن يحقق لهم الشخصية الأدبية المستقلة التي أشار طه
حسين إلى افتقارهم لها ، و لربما كان طه حسين ، في مقالته تلك ، قد أوحى
لأدباء الحجاز بما أفضى بهم إلى تبني الصحراء كمرجعية تحقق لهم الهوية وذلك
حينما أشار إلى أن المقابل للأدب التقليدي إنما هو أدب البادية أو الأدب
الشعبي ، الذي يرويه في البادية جماعة من الرواة يتوارثونه عن آبائهم و
يورثونه لأبنائهم و يكسبون بروايته حياتهم المادية و مكانتهم الممتازة
أحيانا ، وقارن بين هذا الأدب وأدب الحواضر فقال : أما الأدب الأخر فهو أدب
تقليدي لا يكاد يوجد في البادية و إنما مركزه الحواضر عادة وهو أدب قد
أتخذ لغة القران أداة للتعبير ، و إذا كان الأدب الشعبي مصورا للحياة
العربية البدوية تصويرا صادقا ممتازا فإن الأدب التقليدي بعيد كل البعد عن
هذا التصوير لأنه متكلف مصنوع لا صلة بينه و بين الطبيعة الحرة ، فهو لا
يعكس ما يحسه الشعراء و الكتاب و إنما ما يريد الشعراء و الكتاب أن يضعوه
فيه ، حظ النفاق فيه أكثر من خط الصدق ، ثم هو تقليدي لا يصدر فيه أصحابه
عن أنفسهم و إنما يقلدون فيه أهل الحواضر من المصريين و السوريين و
العراقيين . (6)
كان لطه حسين أثره في توجيه أدباء الحجاز إلى ما يمكن أن يعتدوا به كمرجعية
تتمثل في الأصالة التي تنتمي إليها البادية بعد أن أفسد الحواضر التقليد ،
و هي أصالة تتسم ، كما كان يرى طه حسين ، بالصدق و الصراحة و التعبير عن
النفس و البعد عن التكلف و الصنعة و النفاق ، و جميعها قيم كان أدباء
الحجاز يحاولون تكريسها في الواقع الاجتماعي الذي كانوا يسعون إلى إصلاحه و
دارت حولها جل المقالات و القصائد التي احتوى عليها كتابهم المشترك وحي
الصحراء ..
إن الصحراء هنا علامة نفي و إثبات ، محو وكتابة ، فهي إذ تسعى إلى نفي
انتماء أدب الحجاز إلى الحواضر العربية المحيطة به فأنها تسعى إلى إثبات
انتماء هذا الأدب لبعد آخر ، يمتد في المكان على نحو ليس بعيدا عن حواضر
الحجاز ، كما يمتد في الزمان ليشكل المهاد التي ترعرعت فيه العربية و
انبعثت آدابها .. و إذا كان الحديث ينصبّ على النهضة و البعث في الحجاز فإن
وحي الصحراء يأتي في هذا المقام ليشكل وقود هذه النهضة و سر بعثها بعد أن
كان وحي السماء هو وقود النهضة الأولى و سر بعثها .
كانت الصحراء مثلها مثل الوحي بحثا عن خصوصية تنبع من هوية تجعل لهذا الأدب
شخصيته ، وهي خصوصية لا تدفع عنه ما كان يراه الأدباء العرب من أنه مجرد
صدى للصوت العربي في حواضر مصر و الشام و العراق بل كذلك ما كان يلمسه
الأدباء في الحجاز أنفسهم من إحساس بغلبة هذه الأصوات على ما يكتبون رغم
محاولاتهم للانعتاق من أثر هذه الأصوات ،لذلك ذهب أحمد العربي في محاضراته
التي ألقاها في النادي الأدبي بسنغافورة سنة 1353 من الهجرة ، أي قبل عام
من صدور الكتاب ، إلى القول (( وقد كان أثر أدباء المهجر من السوريين أقوى و
أظهر في أدبنا الحديث حتى عهد قريب ، أما الآن فقد بدأ يتحرر قليلا من
قيود التقليد و أخذ يشتد ساعده و إن كنا نجد لنفثات أقلام الأدباء المصريين
أثرا متميزا فيه في السنوات الأخيرة)) (7)، و في السنة التي صدر فيها وحي
الصحراء نشبت أطراف معركة أدبية بين حسين سرحان و عبد القدوس الأنصاري
حينما انتقد الأول ما رآه في أسلوب الثاني من تأثر شديد بالأسلوب المصري
فكتب يقول : ( و أسلوب عبد القدوس الأنصاري نفسه ،كما يبدو لي ، يتأثر إلى
حد كبير بالأسلوب المصري _ ولكنه يلتزم السجع في الغالب و يأنس برنين
الألفاظ و تعجبه الفصاحة و قوة الأسر و متانة التركيب ، قبل أن تعجبه جودة
المعاني و بلاغتها و سمو الأفكار و جمالها ) وقد رد عليه الأنصاري بأنه (
سيحاول في دراساته هذه أن يتخلص من الأسلوب المصري و المبثوث في جرائد مصر و
مطبوعاتها و يستقل بأسلوب شخصي رفيع يجمع بين الجزالة العربية القديمة و
الذوق العصري الحديث ) و علق حسين سرحان على ذلك قائلا :( هذه محاولة طيبة
نتمنى لها أن تنجح و إن كنت ضعيف الأمل في نجاحها لأن الأسلوب المصري أو
على الأصح الأساليب المصرية ارتسمت في الأذهان و انطبعت في الأدمغة و صارت
طبيعة لازمة لا نستطيع مقاومتها و لا التخلص منها مهما حاولنا )) . (8 )
و لعل محاولة الجمع بين الجزالة العربية القديمة و الذوق العصري الحديث
التي ذهب الأنصاري إلى أنه يحاول الأخذ بها كطريقة للانعتاق من أسر التقليد
الذي تأسست عليه الحركة الأدبية في الحجاز . هذه العبارة هي الترجمة
لتركيبة عنوان كتاب وحي الصحراء الذي حرص جامعا نصوصه على الجمع بين
الصحراء و الأدب العصري في الحجاز في عنوان واحد .
و لم تكن مسألة الشخصية المستقلة المرتكزة على هوية خاصة بأدب الحجاز تطلعا
من الأدباء لتحقيق تميز لهم يخرجهم من دائرة المحاكاة و التقليد فحسب ، و
إنما كانت كذلك محاولة منهم لكي يدفعوا عن أنفسهم تهمة الوقوع في أسر
الآخرين و الجري على عادات الغرب ومن يأخذ بسكتهم من العرب و الخروج على
القيم والتقاليد و هي التّهم التي تفجرت قبل صدور وحي الصحراء بعشر سنوات
حينما أصدر محمد حسن عواد كتاب (( خواطر مصرحة )) وانقسم إثرها المجتمع
الثقافي إلى قسمين يناصب كل منهما العداء ( الشباب يرى لثقافته الحديثة أن
من الواجب اتباع النظم و التقاليد الغربية، لشكلها البديع ، و قسامتها
الرائعة ، فهو يريد أن يحمل الشيوخ على هاته الحياة الجديدة التي لم تألفها
أنظارهم ، ولم تأنس بها قلوبهم فهم لا يؤمنون إلا بما كان عليه سلفهم ، و
إن كان معوجا لا يتلاءم و روح العصر و حياته و طبيعة التطور ، فتبقى الحياة
على أشدها خصاما و نضالا و قطيعة و جفوة وتذهب جهود الفريقين أباديد يلعب
بها سلطان الضغينة ، و تتقاذفها أعاصير الحياة ولن يتورع أحدهم عن رمي أخيه
بالزندقة و المروق من الدين ) (9)
لقد ألقت أصداء الهجمة الشرسة التي واجهها محمد حسن عواد عند إصداره (
خواطر مصرحة ) بظلالها على الحركة الثقافية فاضطر عبد القدوس الأنصاري ،
وهو المتهم بالأخذ بالأسلوب المصري في الكتابة ، أن يقدم لروايته ((
التوأمان )) التي صدرت سنه 1349 _1930 م بمقدمة يؤكد فيها سمو مقاصده و نبل
أهدافه رغم استخدامه فن الرواية ، و هي الفن الغربي الوافد ، لأنه إنما
يفعل ذلك من باب ( مقابلة الإبرة بسن أختها .. ومقاومة تيار الفساد من نفس
طريقه ، ومعنى هذا اتخاذ نفس الأساليب التي يروج بها المفسدون صحفهم و
دعايتهم في العالم ) . (11)
فإذا ما كانت التوأمان هي العمل الوحيد الذي صدر في الفترة ما بين صدور
خواطر مصرحة و وحي الصحراء أدركنا عندئذ تلك المخاوف التي كانت تنتاب
الكتاب و المثقفين و الأدباء في ذلك الوقت خشية الاتهام بالزندقة و المروق
من الدين و اتباع الغرب ، و لعل هذا هو السبب الخفي الذي جعل كتاب وحي
الصحراء يخلو من أي عمل شعري أو نثري للعواد مع أنه كان من أكثر معاصريه
عطاء و أبعدهم صوتا و أشدهم أثرا .
إن الصحراء عندئذ هي الشهادة التي أراد من خلالها أولئك الأدباء أن يبرهنوا
على صدق نواياهم و صحة مذهبهم و أصالة الفكر الذي يدعون إليه، و هي جديرة
أن تدرأ عنهم كذلك تهمة أن يكونوا قد ابتدعوا ما ابتدعوه متأثرين بربوع
العرب أو بأصقاع الغرب ، و الصحراء التي لم تكن جزء من البيئة الحجازية و
لا نكاد نجد لها ذكرا فيما كتبه الأدباء من مقالات أو قصائد ضمّها كتاب وحي
الصحراء ، هي جزء أساسي من طبيعة قلب الجزيرة العربية، كما أنها مكون
رئيسي من مكونات ثقافة الدولة الجديدة القادمة من عمق نجد ، ومن هنا فإن
الكتاب الذي حمل الحجاز عنوانا فرعيا له جعل من الصحراء إشارة إلى تبنّيه
لأعراف الثقافة الطارئة و دخوله في سياقها، و من ثم تلافي أي اصطدام مع ما
تتوخاه من قيم و ما تطالب به الأدباء من التزام . و الصحراء بذلك تدخل في
دائرة ما أسماه عبد الله عبد الجبار الرمزية الخاصة في أدب الجزيرة العربية
مشيرا إلى أنه قد ( نشأت في أدب الجزيرة العربية رمزية خاصة تشبه رمزية
الأشعار الصوفية من حيث أن لها معنى خفيا ووجها باطنا يغاير وجهها الظاهر
ومعناها القريب ) و ضرب على ذلك أمثالا بما كان يتخذه الشعراء و الكتاب
أنفسهم من ألقاب و ما كانوا يلبسونه لمعانيهم من أقنعة و بما كانوا يقدمون
به لأشعارهم من مقدمات ، يحاولون من خلالها أن يسلكوا (( الدروب الملتوية
.. و السراديب الخفية )) ليعبروا عما يريدون التعبير عنه (12) .
غير أن هذه الوشيجة التي رام أدباء الحجاز إقامتها بينهم و بين الصحراء من
خلال العنوان الذي اختاروه للكتاب الذي ضم آثارهم لم تتحقق إلا باعتبارها
مجرد رغبة في التمايز عن أدب الحواضر العربية ، وكذلك باعتبارها مطهرا يكشف
عن رغبة في الانتماء إلى مركزية جديدة جاءت من قلب الجزيرة العربية ، و
تؤكد في الوقت نفسه الحرص على سلامة النوايا و نبل الأهداف و سمو المقاصد .
فإذا ما تجاوزنا العنوان و ما يدل عليه نجد أشباح أدباء الشام و مصر و
العراق تطاردهم و تعيدهم إلى الحقيقة التي حاولوا حجبها بالصحراء ،
فالأسلوب و الصور و طرائق التفكير ، كما أكد لهم محمد حسين هيكل في المقدمة
التي استكتبوه إياها لكتابهم ، تجري كلها مجرى ما تقرؤه في أدب مصر و
سوريا و العراق و غيرها من البلاد العربية في العصر الأخير بل تجري مجرى
الصور الأخيرة لهذا الأدب الحديث في تلك البلاد ، و يقول هيكل (( فأنت ترى
شعرا منثورا و ترى أوزانا في الشعر من أوزان المدرسة الحديثة و ترى تفكير
هؤلاء الأدباء مصورا في قوالب تكاد تردها إلى مصادرها في تفكير العصر
الحاضر و أدبه ، ثم أنك ترى أساليب يحتذي فيها أصحابها بعض الكتاب
المعروفين اليوم في مصر و غير مصر .(13)
* * *
بعد ما يقارب الستين عاماً من صدور كتاب وحي الصحراء أصدر الدكتور سعد
البازعي كتابه ثقافة الصحراء (( دراسات في أدب الجزيرة العربية المعاصرة ))
(14) و قد تضمن الكتاب عدداً من الدراسات المتفرقة التي أسهم بها الباحث
في الحركة الثقافية ( كإسهامات نقدية قدمت في أوقات متباعدة و في أماكن
متفرقة ) (15) و جاءت في صور قراءات لبعض الأمسيات الشعرية أو القصصية كما
جاءت قراءات لبعض الملاحق الأدبية من خلال ما تنشره من نصوص شعرية و قصصية ،
و إذا كانت الغلبة في تلك الدراسات للنصوص التي قدمها شعراء و قصاصون
سعوديون فإن الإطار المحلّي لا يلبث أن يتسع لينفتح الكتاب على الإطار
الخليجي متمثلاً في قراءة بعض النماذج الشعرية و القصصية من البحرين و
الإمارات ، إضافة إلى ما فرضته مسألة قراءة بعض الملاحق الأدبية للصحافة من
تطرقه لدراسة نماذج إبداعية لأدباء عرب من خارج دائرة الإبداع المحلي خاصة
و الخليجي عامة وذلك لاشتمال الملاحق التي تولّى قراءتها على نماذج من
إبداع هؤلاء الأدباء.
من خلال هذا يكون بإمكاننا أن نرصد وجه شبه أول بين وحي الصحراء و ثقافة
الصحراء من حيث أن كلا الكتابين عبارة عن جملة من الموضوعات المتفرقة التي
جاءت الصحراء لكي تشكل الإطار الكلي لها مع التأكيد على الفارق الأساسي و
المتمثل في أن موضوعات ثقافة الصحراء لكاتب واحد هو البازعي ، كما أنها
جميعها أخذت منحى الدراسة النقدية في الوقت الذي ضم وحي الصحراء عدداً من
الكتاب الذين شاركوا بكتابة المقالات و الدراسات و القصائد التي اشتمل
عليها و مع ذلك تظل مسألة العنوان الذي يضم داخل إطاره (( دراسات متفرقة ))
و ليس (( دراسة واحدة متماسكة )) مؤشراً هاماً من حيث أن كلا العنوانين
يعبّر عن محاولة الوصول إلى هويّة تجمع أجزاء العمل و تحاول أن ترسم خطاً
يصل ما بين ما تفرق منه مع كل ما يمكن أن يفضي إليه ذلك من قلق و توتر في
العلاقة بين العنوان و ما ينطوي تحته ، ذلك أن العنوان عندئذ من شأنه أن
يخضع لسياقات أخرى تتقاطع مع سياقات موضوعاته فتتوافق معها حيناً و تتعارض
معها حيناً آخر ، و إذا كان (( وحي الصحراء )) يكشف عن تناقض ظاهر بين
عنوانه المنتمي إلى بيئة بدوية و موضوعاته التي تحاول التأسيس لبيئة مدنيّة
متحضّرة فإن (( ثقافة الصحراء )) تكشف عن تناقض خفي بين ثقافة الصحراء و
الإطار النظري الذي يتحرك فيه الباحث و هو ما ألمح إليه الباحث في المقدمّة
حينما قال:( قد لا يكون فهمي أو تطبيقي لثقافة الصحراء منسجما تماماً مع
أسس هذا الإطار النقدي ، خاصة و أنها تمتزج لديّ مع نمطي الشفوية و الكتابة
أو تتضمنها على أقل تقدير ) (16) و قد كان البازعي صريحا و هو يتحدّث عن
ضغط هذه السياقات التي تكمن خلف عنوان الكتاب حين قال : ( أعلم أن بعض
المفاهيم التي أطرحها تميل بي نحو منهج أو مدرسة اجتماعية – ثقافية في
النقد الأدبي .. بل إنني في تلك الأحيان التي أحس فيها بضغط تلك المفاهيم
أحاول الخروج من أسرها بإعطاء الأبعاد الجمالية شيئا من حقها ، و إن لم يكن
حقها كاملاً ) (17) ، وما عبر عنه البازعي بالضغط و الإحساس بالأسر إنما
هو ناشئ عن الوقوع تحت هيمنة الصحراء باعتبارها أيديولوجيا تتصل بسؤال
البحث عن الهوية و هو السؤال الذي تفرضه السياقات التي تحكمت في اختيار
العنوان الذي يجئ ليهيمن على ما يمكن أن ينطوي تحته و ينتمي إليه و كذلك
على ما قد يكون خارجا عنه غير قابل للدخول فيه .
و إذا ما أعدنا النظر في عنواني الكتابين (( وحي الصحراء ، صفحة من الأدب
العصري في الحجاز )) و (( ثقافة الصحراء ، دراسات في أدب الجزيرة العربية
المعاصرة )) فإن بإمكاننا أن نلمس مدى التشاكل بين العنوانين مما يمهّد لنا
لاقتناص الاختلاف بينهما فالوحي الذي كان منسجما مع الحجاز و عمقه الديني،
تحتلّ مكانه الثقافة التي هي أكثر ملاءمة مع المفهوم الإنساني و الإرث
التاريخي للجزيرة العربية . غير أن الأهم من ذلك هو الانزياح الذي تم
للحجاز لتأخذ موقعه الجزيرة العربية و هذا يعني أن الحجاز الذي كان يسعى
إلى تبني ثقافة الصحراء باعتبارها ثقافة المرحلة الجديدة التي كان يدخل
فيها أخلى مكانه للجزيرة العربية بكل ما يدخل في نطاقها لكي تتبنى هذه
الثقافة ، في وحي الصحراء يتحرك الحجاز بحثا عن مرجعية جديدة و في ثقافة
الصحراء تتحرك الصحراء لطرح مركزية جديدة للجزيرة العربية تنبع من القلب و
تسعى إلى إعادة تشكيل الأطراف و إدخالها في سياقها ، و بإمكاننا أن نرصد
محاولات توسيع الإطار إذا ما وقفنا عند من أسند إليه الدكتور البازعي الفضل
في وصول هذا المفهوم إليه و هو عبد الله نور الذي أكد على أننا (نحتاج في
السعودية على وجه الخصوص إلى ثقافة الصحراء لأنها هي تراثنا الخصوصي الذي
يجعلنا في دائرة الثقافة العربية العالمية ) (17) و من خلالها نلاحظ أن
الانتقال تم من الحجاز إلى الجزيرة العربية عبر السعودية و من هنا نجد أن
توسيع الإطار يتم على مرحلتين الأولى في سعي أحد الأطراف إلى الانتماء إلى
المركز و الثانية في سعي المركز للتكرّس في كافة الأطراف . وتكشف لنا عبارة
عبد الله نور التي ضمّنها الدكتور البازعي مقدمة كتابه ثقافة الصحراء عن
تحوّل آخر كذلك و هي الانتقال من الحديث عن الحاجة إلى ثقافة الصحراء إلى
الحديث عن أدب تتحقق فيه هذه الثقافة باعتبارها هوية تحدد معالم الشخصية
الإبداعية ، مع أن الفاصل الزمني بين مقولة عبد الله نور و محاضرة البازعي ،
التي كرّس فيها هذه الأطروحة ، تبلغ العام و النصف(18).
إن هذه النقلة السريعة من الحديث عن الاحتياج إلى الحديث عن تحقيق هذا
الاحتياج هي مظهر من مظاهر الوقوع تحت ضغط خطاب أيديولوجي يسعى إلى تكريس
نفسه باعتباره حقيقة واقعة لم تترك لنا إلا أن نسعى إلى اكتشاف شواهدها و
تقديم البراهين على تحقيقها ، ومن هنا فإن ثقافة الصحراء لا يتم طرحها من
خلال تحرير المفهوم الذي يتأسس على جدل علاقة الإنسان بالمكان و ما يمكن أن
يخضع له هذا الجدل من عوامل اجتماعية و تاريخية و اقتصادية و إنما يتم
طرحها انطلاقاً مما يمكن أن يحيل إليها من شواهد شعريّة أو ملامح سرديّة
يمكن التقاطها من هذه القصيدة أو تلك القصة لكي تتم من خلالها البرهنة على
قيام هذه الثقافة و تحقيقها لا باعتبارها عالما من عوالم الإبداع و إنما
باعتبارها الهويّة التي ينتمي إليها هذا الإبداع ويمكن ردّ نسبه إليها .
و كما يظهر الخطاب الأيديولوجي في مراوغته الإيهامية المتمثلة في الانتقال
من الرغبة و التطلع إلى التحقق فإنه يظهر كذلك في الانتقال من الجزئي إلى
الكلي و ذلك ما يمكن أن نلمسه من خلال ما أشرنا إليه من محاولة فرض هيمنة
ثقافة الوسط على الأطراف أو قلب الجزيرة العربية على الجزيرة العربية كلها ،
وكذلك في التقاط بعض الشواهد عند بعض الأدباء و الكتاب ثم تعميمها بعد ذلك
لتشكل ( الإطار العام أو أحد الأطر الرئيسية التي يمكننا من خلالها أن
نقرأ الأدب في منطقة الجزيرة العربية ) (19). و مع أن الاحتراز الذي أبداه
الباحث في إشارته إلى أن ثقافة الصحراء تشكل أحد الأطر الرئيسة و ذلك
تخفيفا من حدة الشمولية التي تبدو في اتخاذها الإطار العام إلا أن هذا
التحفظ لم يمنع من أن يتمّ تبنّي ثقافة الصحراء كهويّة للأدب تشكل خصوصيته و
تمنحه مشروعيته و تصبح ثقافة الصحراء هي جماع ملامح الهوية المحلية و ليس
أحد هذه الملامح (20). و هذا هو ما أهلها لكي تصبح عنوانا للكتاب بعد أن
كانت عنواناً لإحدى الدراسات فيه . و إذا كان الباحث قد أشار إلى أن (
مفهوم ثقافة الصحراء الذي يحمله الكتاب عنواناً أستعير من الدراسة الثانية
بين محتوياته ) (21) إلا أن بإمكاننا أن نتحقق من أن هذه الاستعارة قد خضعت
لسلطة الخطاب الأيديولوجي في انتقالها من الجزئي إلى الكلّي فثقافة
الصحراء حين جاءت عنوانا للدراسة الثانية جاءت مرتبطة بالهويّة المحلية في
بحث يندرج تحت إطار ( المشروع النقدي المعاصر ) الذي رأى الباحث أن هاجسه
الأول هو ( الكشف عن هوية أدبنا المحلي ) ومن هنا عنت تلك الدراسة ( بالأدب
المحلي ، أو السعودي الحديث ، أو بدقة أكثر ما يسمّى أحيانا بأدب الشباب ،
أو أدب الحداثة ) (22) ثقافة الصحراء هذه التي ترد هنا على هذا النحو من
التحديد لا تلبث حينما تتم (استعارتها ) عنوانا للكتاب أن تطوي تحتها أدب
الجزيرة العربية المعاصر خارجة من الإطار الخاص إلى الإطار العام ومن دائرة
أدب الشباب أو الحداثة إلى دائرة الأدب المعاصر الذي يمكّن قلق المصطلح من
إمكانية احتوائه على أدب الشباب و غير الشباب فتنطوي تحته الاتجاهات
المختلفة و المذاهب المتعددة . إن الانتقال من ( الشخصية المحلية ) التي
جاءت في عنوان الدراسة الثانية إلى (الجزيرة العربية) التي جاءت في عنوان
الكتاب يعبّر عن رغبة كامنة في فرض هيمنة هذه الشخصية و تحويلها لتصبح هي
الشخصية الممثلة للجزيرة العربية و المختصرة لها و هي المسألة التي ألمح
إليها الدكتور سعيد علّوش في إِشارته إلى ظاهرة إسقاط الجزئي على الكلّي
عند تعرضّه لكتاب ثقافة الصحراء في دراسته التي تناول فيها أطروحة الثقافة
الخليجية (23) ، كما أن الانتقال من دائرة أدب الشباب أو الحداثة إلى دائرة
الأدب المعاصر ينطوي على نفس المجازفة المرتكزة على إسقاط الجزئي على
الكلّي و الرغبة في تعميمه كنموذج مهيمن . إن الخطاب الأيديولوجي عندئذ
يطرح ثقافة الصحراء كإطار طارد و حاجب لغيره من الأطر، إنه على هذا النحو
يتحوّل إلى خطاب إقصاء لسياقات أخرى يمكن لها أن تولّد أطرها كثقافة البحر
أو ثقافة المدينة و هي الثقافات التي يمكن لوهم الشمولية أن يوقع في
حبائلها من يؤمن بها ثم لا يجد كبير عناء أن يقيم عليها الشواهد من هذه
النصوص أو تلك ، كما أنه لن يجد كبير عناء إن أراد أن يمنح هذا الخطاب
خصوصيته القادرة على بلورة هويّة محدّدة أن يجد في بحار الجزيرة أو مدنها
ما يمايزها عن بقية بحار الأرض و مدن العالم، و لعل التراث العربي على
امتداد ما يقارب الألف و الخمسمائة عام لن يكون بخيلاً في مدهْ بما يمكن أن
يستند إليه من بُعد تاريخي للهوية المتوخّاة .
ومع ذلك كلّه فإن علينا أن نعترف أن أي هويّة أخرى قد يغرى بها أي باحثٍ لا
يمكن لها أن تنهض بالدور الذي تنهض به الصحراء حينما يتمّ اتخاذها هويّة
لا للشعر فحسب و إنما للذات نفسها ، ذلك أن الصحراء من شأنها أن تكون علامة
على التراجع إلى الداخل ، أو على نحو أدق الانغلاق في الداخل ، فالصحراء
ليست كالبحر الذي من شأنه أن يخلق آصرة تربط بين الموانيء الساكنة عليه
مهما تناثرت بينها الأبعاد ، كما أن الصحراء ليست كالمدينة حيث يتوافد
الغرباء و ينفتح الإطار على تعدّد الهويّات و تكاثر الانتماءات ، الهويّة
النابعة من الصحراء هويّة مستغرقة في بداوتها ، مستغرقة في نقائها و
أصالتها ، إنها هويّة لا تشتبه بغيرها ، إنها ليست هويّة اختلاط أو أخلاط ،
هويّة تتلاءم مع إرادة تأكيد النقاء العرقي و النقاء الثقافي ، إن ثقافة
الصحراء عندئذ تطرح باعتبارها المعادل الموضوعي للثقافة المعاصرة بكل ما
تتسم به المعاصرة من انفتاح على الآخر و استفادة من إنجازاته على نحو رأى
فيه الكثيرون تهديداً للهويّة أو خروجاً عليها و إعلاناً للتمرد و العصيان
على ثوابتها و لذلك تجئ الصحراء لكي تضمّد جراح هذه الهويّة ، لكي تكون هي
البرهان على التمسك بها و الاعتزاز بالانتماء إليها و الحفاظ على قيمها .
إن مشكلة الأدب العصري في وحي الصحراء و الأدب المعاصر في ثقافة الصحراء هي
ما يتضمناه من انفتاح على الآخر و تأثر به و خضوع للشروط التي خضع لها و
هي أمور تشكل تهديداً للخصوصية التي يراد الحفاظ عليها بل و إعلان براءتها ،
لذلك حاولت هذه الخصوصية أن تتمترس خلف الصحراء ، أن تقيمها حاجزاً بينها و
بين الآخر الذي لا يعرفها و لا يألفها ، تصبح الصحراء درعاً واقياً ،
متاهة لا ينجو من يحاول عبورها إلينا ولا يسلم منا من يحاول عبورهم ،
الصحراء إعلان للعودة إلى الماضي تاريخياً جغرافياً فيما المعاصرة ذهابا
إلى المستقبل جغرافيا و تاريخا ، الصحراء إعلان عن ثبات التاريخ و استقرار
الهوية و المعاصرة إعلان للحركة خارج المكان و الدخول في صيرورة التاريخ ،
إن الصحراء تنهض كجواب لسؤال تطرحه تحديات التجديد ، ومن هنا جاء حديث
البازعي عن أن التحدّي الذي يواجه الشعر في بلادنا يتمثل على مستويين
أولهما إشكالية العلاقة القائمة بين ذلك الشعر وحركة الشعر العربي المعاصر ،
وثانيهما البحث الحثيث و الحتمي لذلك الشعر عن خصوصيته الإبداعية و
الثقافية النابعة من طبيعة التكوين البيئي و الحضاري لهذه المنطقة . ومن
هنا جاءت ثقافة الصحراء لتكون هي الهويّة المقابلة للانتماء القومي و هي
هويّة تُوخِّي منها أن تكون قادرة على الحفاظ على الشخصية المستقلة في
مواجهة (( حرق المراحل التاريخية التي مرّ بها الشعر العربي في نهضة
المعاصرة و ذلك لاختصار الطريق و تحقيق القصيدة الحديثة التي نمت و اشتد
عودها على أراضٍ عربية أخرى )) (24) .
لقد كانت الكتابة وفق ما انتهت إليه القصيدة على (( أراضٍ عربية أخرى )) هو
ما حققته القصيدة الحديثة من إنجاز لها و لكنه في الوقت نفسه ظلّ هو مصدر
التشكيك في انتمائها و علّة الهجمة الشرسة التي بدأت تحيط بها و ((
التحفظات و الهجمات التي واجهتها و لا تزال تواجهها على الساحة المحلية ))
(25) ومن هنا كان مشروع البازعي في تكريس ثقافة الصحراء كمعلّم للهويّة
المحلية ، على مستوى المملكة ثم على مستوى الجزيرة العربية ، هو مشروع
البحث عن مشروعية لأدب الشباب أو أدب الحداثة ، يقول البازعي ( ..أدب
الشباب أو أدب الحداثة و هو أدب تبين لي من معايشته زمناً أنه يحمل سمات
عامة تجمع بعض نتاجه في الشعر و القصة القصيرة ، سمات تمنح ذلك النتاج
تميّزاً هو في ظني جزء من خصوصيّة أدبنا المحلّي عموماً و رافد من روافد
المشروعيّة التي نستند إليها حين نقول إننا نملك أدباً عربياً محلياً
متميزاً بانتمائه إلى ظروف بيئته الخاصة و هي بيئة الجزيرة العربية)(26).
إن الحديث عن مشروعية يستند إليها التجديد ، أو أدب الشباب أو على نحو أدق
أدب الحداثة ، إنما تستدعيه تلك المحاولات العنيفة التي استهدفت نزع
المشروعية عن هذا الأدب و ذلك باتهامه أنه أدب قد قطع صلته بقيم البيئة
التي نشأ فيها فجاء امتدادا لأدب الغرب ومن تبعهم من العرب ، و لذلك جاء
الحديث هنا عن المشروعية انطلاقاً من إقامة الأدلة و البراهين على تميز هذا
الأدب عن إطاره العام المتمثل في الأدب العربي بتأكيد انتمائه إلى ظروف
بيئته الخاصة أي بيئة الجزيرة العربية (27) .
وقد سعى البازعي في مقدمة كتابه إلى الربط بين دراستين تضمنهما الكتاب
إحداهما حول ثقافة الصحراء كإطار عام للهوية المحلية و الأخرى حول الثقافة
الشفهية أو الشفوية التي لا تزال تسم ثقافة المنطقة ، مستنتجا أن ظاهرة
الحداثة الشعرية في شعر منطقة الخليج و الجزيرة العربية تتداخل تداخلا
عضويا مع هذه الطبيعة الشفوية بشكل عام ، و أن الوعي بشفوية الثقافة أساسٌ
لإدراك الكثير من التشكلات الأدبية على اختلافها ، و بنى على ذلك نتيجة
مفادها أن (( ثقافة الصحراء مثلما أنها نتيجة التفاعل مع الظروف الجغرافية
هي أيضا ناتج التلاقح بين نمطي الشفوية الكتابية و منطقة التجلّي الرئيسة
لذلك الناتج هو الأدب الحديث أو أدب الحداثة )) (28) . ومن شأن وضع ثقافة
الصحراء في هذا الإطار أن يمنح هذه الثقافة قدرتها على الحضور فيما يمكن أن
يشكل نقيضاً لها فإذا كان شرطها الجغرافي و التاريخي يجعل منها ثقافة
شفوية فإن تجليها في أدب الحداثة و هو ظاهرة كتابية ـ و هذا ما أكده
البازعي (29) _ يجعلها قادرة على إعادة تشكيل مفهومها من ناحية و تشكيل
هوية الذين ينتمون إلى المنطقة التي اُتخذت محوراً لها ، و يمكنها من إعادة
إنتاج نفسها ثانية حين يتم تكريس مفهومها كناتج لهذا التداخل العضوي بين
الشفوي و المكتوب وفق آلية لا تزال تعتمد إسقاط الجزء على الكل ذلك أن هذه
الشفوية لا تنتمي إلى الصحراء فحسب و إنما هي شفوية تتعدد بتعدد البيئات
المختلفة التي تكون الجزيرة العربية والتي لا يمكن اختصارها في الصحراء .
غير أن الأهم من ذلك هو ما نلاحظه من تحول في مفهوم ثقافة الصحراء بين ما
طرحه عبد الله نور حينما تحدث عنها باعتبارها (( تراثنا الخصوصي )) الذي
نحتاج إليه و ما بلوره البازعي من مفهوم لها حينما جعلها ناتج التلاقح بين
الشفوي و المكتوب ،و هو تلاقح ينتج عن (( انعكاس تلك البيئة الحتمي في شكل
الأدب و مضمونه )) (30) و إذا كان هذا التلاقح بين الشفوي و المكتوب و
المشكل لثقافة الصحراء يبدو لنا في الدراسة التي اتخذت عنوان (( ثقافة
الصحراء ملامح الهويّة المحلية )) هو المانح لهذا الأدب تميزه و خصوصيته و
يشكل رافداً من روافد شرعيته فإن هذا التلاقح نفسه يتبدّى لنا على غير هذا
الوجه في الدراسة التي عقدها البازعي لمفهوم الحداثة في الشعر الخليجي
المعاصر حيث تظهر لنا الشفوية الثقافية من أسباب بعد ( المنطقة ) ( عن أن
تمارس دوراً فاعلاً في تسيير حركة الإبداع العربي الحديث ) (31) فالمنطقة
التي كانت (( في قبضة ثقافة شفوية لا تكاد تنفلت إلا عن أفراد قلائل نسبياً
يتواصلون مع العالم الخارجي تثقيفا وإبداعاً)) تشكل لها هذه الثقافة
الشفوية بما تفرضه من طبيعة (( حفظية تلقينية )) عاملا من عوامل العجز عن
مواكبة المنجز العربي المعاصر و ما يعتمده من ثقافة كتابية حيث (( لا تزال
بيئتنا الثقافية تحتدم بالجدل حول مشروعية قصيدة التفعيلة عكس للمتواتر و
المألوف و القابل للحفظ في الوقت التي استطاعت فيه بيئات ثقافية عربية أخرى
أن تتجاوز ذلك الجدل بمراحل )) (32) و لما كان المبدع رهين ظروفه الحضارية
كما يقول البازعي ،والشاعر الخليجي ملزم بتلمس مساراته الإبداعية من خلال
التحديات القائمة حوله و أهمها مقدرته على التوصيل وجد الشاعر نفسه مرغماً
على تقديم التنازلات أو التكيف بتعبير آخر لكي يتمكن من التواصل مع جمهور
ويقع تحت سيطرة الثقافة الشفوية التي تعتمد الحفظ و التلقين ويفتقر إلى
الثقافة الكتابية التي هي الأساس في التجربة الحداثية (33) و بهذا تظهر لنا
الشفوية كعامل إعاقة إذ تنتهي آليات الثقافة فيها من تكرار و إلفه إلى ضدّ
ما تتوخاه التجربة الحداثية من جدّة و اختلاف.
ولما كان من شأن هذه النتيجة المؤسسة على اقتناص علاقة التوتر بين الشفاهية
و الكتابية أن تربك قاعدة التأسيس لثقافة الصحراء قام البازعي في مقدمة
كتابه بتحوير العلاقة و تحويلها من علاقة تنازل أو تكيف كما ظهرت آنفاً إلى
محاولة (( الأدب الحديث –كتكوين كتابي في المقام الأول – أن يؤصل نفسه
فيها )) (35) أي في الشفوية الثقافية .. و بهذا تتحول الشفوية الثقافية من
عامل إعاقة أو عامل ضغط يوجب تقديم التنازلات إلى كونها عامل تأصيل تسعى
التجربة الإبداعية إلى تجذير نفسها فيها في سعيها للبحث عن هويّة أو خصوصية
و يتم بذلك إعادة تركيب الذات من ذات ممزّقة بين مستقبل قائم على الثقافة
الكتابية و ماضٍ واقع تحت سلطة ثقافة شفوية إلى ذات تبني مستقبلها المكتوب
على ماضيها الشفوي ، وإذا كان مستقبلها المكتوب يمثل تواصلها مع العالم من
حولها فإن ماضيها الشفوي هو أصالتها التي ينبغي عليها أن تكسب من خلالها
هويتها و خصوصيتها و التي يتمّ اختصارها في ثقافة الصحراء .
* * *
و أخيراً …
فإنه ليس بوسع هذه الورقة أن تنكر أن للصحراء ثقافتها غير إنها تسعى إلى
كشف الخطاب الكامن وراء ثقافة الصحراء حينما تطرح باعتبارها محدّداً
للهويّة سواء توقفت هذه الهوية عند حدود الظاهرة الإبداعية أم امتدت لتشمل
الذات المبدعة و ذلك لما يصدر عنه هذا الخطاب من نزعة لفرض هيمنة المركز
على الأطراف و كذلك من رغبة في إقصاء ثقافات أخرى لا تندرج تحت قائمة ثقافة
الصحراء ، و أخيراً لما يولّده هذا الخطاب من نظرة نستالجية استعلائية
تختصر العلاقة بالصحراء في نشيد للفخر يتم التنويع على مقاماته و هو ما
يفضي إلى وأد ثقافة الصحراء نفسها باعتبارها جدلاً ممتداً في التاريخ بين
الإنسان و ما يعرض له من أحوال ، والمكان و يطرأ عليه من ظروف.
و ليس بوسع الورقة كذلك ، أن تنكر حضور الصحراء في النص الإبداعي عامة غير
أنها تنظر إلى هذا الحضور للصحراء باعتبارها عنصراً من عناصر الكون الشعري
المحتدم في جنبات النص ، دون أن تحاول تكريسها باعتبارها دالاً على هوية
كائنة أو هويّة ينبغي لها أن تكون وإذا كانت هذه الورقة تؤمن أن القصيدة في
الخليج مسكونة بهاجس العطش و الهجير متلهفة لقطرة ماء و متشوقة لنسمة ريح ،
فإنها تؤمن في الوقت نفسه أن نصيب القصيدة في الخليج من ذلك هو نصيب
القصيدة العربية منذ أن بكى امرؤ القيس على أطلال عنيزة حتى بكى أمل دنقل
بين يدي زرقاء اليمامة و شكا كلاهما الوجد والحزن و الضياع ، والصحراء التي
أعلن جار الله الحميد انتماءه لقيظها(36) و غرس محمد الثبيتي هاجس أغنيته
فيها (37) و جاء رجل سيف الرحبي من ربعها الخالي (38) هي الصحراء التي هتف
لواحتها أمين نخلة (39) و بلغ عواء ذئابها أذني محمد عبد الحي(40) وصار دم
محمد الأشعري المتراقص خارج جسده نخيلاً وواحةً فيها(41) و تعلق بآدابها
إيليا أبو ماضي و هو يخطر بين مدن المهجر فأنشد (42) :
خذوا الخلق الرفيع من الصحاري فإن النفس يفسدها الزحام
و كم فقدت جلالتها قصورٌ و لم تفقد مروءتها الخيامُ
سعيد مصلح السريحي
جدة
14 / 1 / 1421
19 /4 / 200 م
إحالات
(1) الكتاب المشار إليه هو (( وحي الصحراء : صفحة من الأدب العصري في
الحجاز )) كما يرد لاحقاً ، و قد قام بجمعه كل من محمد سعيد عبد المقصود ز
عبد الله عمر بلخير و صدرت طبعته الأولى سنة 1355 من الهجرة و احتوى على
عدد من القصائد و المقالات و الأبحاث لكل من أحمد إبراهيم الغزاوي و أحمد
السباعي و أحمد العربي و أمين عقيل وأحمد قنديل و حسين سراج و حسين سرحان و
عبد الوهاب آشي وعبد القدوس الأنصاري عبد الحق نقشبندي و عبد الله عمر
بلخير وعلي حافظ و عمر صيرفي و عزيز ضياء و عبد السلام عمر و عمر حرب و عبد
الحميد عنبر و محمد بن سرور الصبان و محمد سعيد العامودي و محمد حسن فقي و
محمد حسن كتبي ، إضافة إلى دراسة كتبها محمد سعيد عبد المقصود خوجة تحت
عنوان (( الأدب الحجازي و التاريخ )) مهّدت لما جاء بعدها من المقالات و
الأبحاث و القصائد .
(2) يقول جامعا الكتاب في الكلمة التي صدرها به : يجد المتتبع للنهضات
الأدبية في الأقطار العربية صعوبة و شدة عناء عندما يحاول الكلام عن الحركة
الأدبية في الحجاز يوجه البحث و التنقيب إلى إضاعة الوقت للحصول على مستند
أو مرشد يستطيع بالنظر فيه لمس بوادر هذه النهضة الفنية ، للحكم عليها و
إعطاء صورة صادقة عنها للناطقين بالضاد و هواة الأدب العربي ، فيحاول أن
يجد لها أثراً في كتاب مؤلف أو صحيفة سيارة فلا يظفر بشيء اللهم إلا نفثات
مبددة في بعض الصحف و كتيبات غير صالحة لأن يحكم بها على نهضة أدبية في شعب
فتي ( 19 وحي الصحراء ) .
(3) أحال إليها محمد سعيد عبد المقصود في دراسته الأدب الحجازي و التاريخ (و حي الصحراء : 49) .
(4) حسين : الحياة الأدبية في جزيرة العرب : 47 .
(5) المرجع نفسه 45 .
(6) المرجع نفسه 26 .
(7) و حي الصحراء 128 .
(8) محمد عبد الله العوين : المقالة في الأدب السعودي الحديث 1 /166 .
(9) من مقال حسين خزندار : و حي الصحراء 184 .
(01) عبد القدوس الأنصاري : التوأمان (د) .
(11) تحدث محمد حسن عواد عن هذه الحملة التي واجهها عند إصداره خواطر مصرحة
فقال (( كان لكتابي الأول ( خواطر مصرحة ) صدى كبير تمثل بغضب عام من
الطبقات الحجازية بالذات .. فكتبوا عريضة مطولة رفعوها لمقام جلالة المغفور
له الملك عبد العزيز رحمه الله..يطلبون فيها أشياء غريبة كإعدامي أو سجني
لمدة طويلة من الزمن..أو نفي من المملكة نهائيا و أشياء أخرى غريبة .. كل
ذلك بحجة أنني تطاولت عليهم و قللت من قيمتهم بنقد أفكارهم و طرائق تعليمهم
و أنا مازلت شاباً صغيراً حيث لم يتجاوز عمري آنذاك الثامنة عشره )) عبد
الحميد مشخص ، محمد سعيد الباعشن : دراسات فكرية ، العواد : أبعاد و ملامح
ص24 .
(21) عبد الله عبد الجبار : التيارات الأدبية الحديثة في قلب الجزيرة العربية 231 .
(31) وحي الصحراء : 22.
(41) صدر كتاب ثقافة الصحراء :دراسات في أدب الجزيرة المعاصر عام 1412 - 1961 .
(51) سعد البازعي : ثقافة الصحراء 9 .
(61) المرجع نفسه ص 11.
(71) المرجع نفسه ص13 .
(81) جاءت عبارة عبد الله نور المشار إليها آنفاً في مقال له نشر في مجلة
اليمامة 20 محرم 1405 و ألقى الدكتور البازعي محاضرته التي حملت عنوان ((
ثقافة الصحراء : ملامح الهوية المحلية بكلية العلوم ، جامعة الملك سعود في
23 جماد الآخر 1406 .
(91) سعد البازعي : ثقافة الصحراء 12 .
(02) جاءت الدراسة الثانية في كتاب البازعي ثقافة الصحراء تحت عنوان (( ثقافة الصحراء : ملامح الهوية المحلية .
(12) البازعي : ثقافة الصحراء 10 .
(22) المصدر نفسه 32.
(32) سعيد علوش : أطروحة الثقافة الخليجية في نقد النقد الأدبي العماني المعاصر 37 .
(42) سعد البازعي ثقافة الصحراء ص 174 .
(52) المصدر نفسه 18 .
(62) المصدر نفسه 32 .
(72) لن أن نستشهد هنا بما جاء في مقدمة فصل ( بعض رموز الحداثة العربية و
ارتباط الحداثة المحلية بهم ) من كتاب ( الحداثة في ميزان الإسلام ) لعوض
القرني حيث يقول ( إن الولاء و البراء من أهم المؤشرات على اتجاه الشخص و
أن الأفكار و الأقوال تبقى مجرد نظريات حتى يصدقها أو يكذبها الواقع العملي
، و نحن في هذا البحث سنرى من هم الرموز و القدوة و الأسوة لدى الحداثيين
،و نحاول أن نذكر بعض جوانب اهتمام الحداثيين لدينا بتلك الرموز و نشير إلى
التوجهات الفكرية لتلك الأمور لنرى إلى أين يريد أهل الحداثة أن يجروا
بسفينة هذه البلاد ) ص85 و مع أن الكتاب قد صدر عام 1408 – 1988 أي بعد
إلقاء الدكتور البازعي لمحاضرته إلا أن ما جاء فيه هو بلورة للطروحات التي
كانت تواجه بها الصحافة في الصحف و في المنشورات و أشرطة الكاسيت و خطب
المساجد منذ منتصف الثمانينات .
(82) ثقافة الصحراء 10 .
(92) المصدر نفسه 145.
(03) المصدر نفسه 12 .
(13) المصدر نفسه 145 .
(23) المصدر نفسه 146.
(33) المصدر نفسه 145 – 148 .
(43) المصدر نفسه 32 .
(53) المصدر نفسه 10 .
(63) من قصيدة للخليج ألوانه الأخرى يا زياد .
مجلة اليمامة 27 جماد الثانية 1401 .
(73) محمد الثبيتي: تهجيت حلماً تهجيت و هماً : 101 .
(83) إشارة إلى ديوان رجلٌ من الربع الخالي لسيف الرحبي .
(93) يقول أمين نحلة :
يا واحة الصحراء كل خميلة إلاك في عيني قفرٌ مجدب
خلع اخضرارك آيتين على فمي فتصفحي الانجيل هل هو مخصب
استغفر الانجيل ، إن قصيدتي عربية كالشمس و هو معرّبُ
دفتر غزل : 94
(04) يقول محمد عبد الحي :
أدعوة إلى السفر ؟
أم عودة إلى الظلام الأرض و الشجر ؟
أم صوت بشري غامض يرجف كالسحلية الخضراء تحت خشبات الباب يبعثه من آخر الضمير مرّة عواء آخر الذئاب
في طرف الصحراء …
العودة إلى سنار : 33
(14) يقول محمد الأشعرى :
عبثاً نرسم صورة لخروج روحك من مداها
هل تفيد بلاغة التشبيه
أن يصير لكل قتلٍ أجنحة
ويصير كل دم تراقص خارج الجسد المصادر
واحةً و نخيل صحراء
و عشباً طائراً أو محبرة .
سيرة المطر : 31 .
(42) إيليا أبو ماضي : الخمائل
164. [/c]
__________________
قد نلتقي يوما ونغرّد !
Last edited by وردة الله; 06 - 08 - 2002 at 05:14 AM.
|
No comments:
Post a Comment