Friday, April 19, 2013

أدب البدون (1-2) د. نجمة إدريس



أدب البدون (1-2)
د. نجمة إدريس
najmaidrees@yahoo.com
نشر في 17, January 2012 :: الساعه 12:01 am  |   تصغير الخط   |   تكبير الخط
أدب البدون (1-2)
كما أن لقضية (البدون) أبعادها السياسية والاجتماعية، فإن لها أيضاً بعدها الأدبي الإنساني الذي يأتي انعكاساً مباشراً لتلك المعاناة المزمنة. وأدباء البدون هم شريحة من المخضرمين والشباب ممن وجدوا أنفسهم ضحية لمأزق (إداري/ سياسي/ إنساني)، وضحية لآبائهم – ربما – أو لظروف مرحلة تاريخية لاتزال مفتوحة على الاحتمالات.
يأتي في طليعة هؤلاء الشاعر سليمان الفليّح، الذي يمكن اعتباره عرّاب أدب البدون، فمعه يمكن تتبع البدايات الأولى للون من الشعر مكرّس للتعبير عن معاناة هذه الفئة، وإشكالية عيشهم على هامش مجتمع يشكك في استحقاقاتهم المدنية. وقد وجد سليمان الفليّح – كونه شاعراً – ضرورة توظيف أداة فنية يمكن من خلالها جعل تجربته الإنسانية أكثر شعرية وتأثيراً، فوقع اختياره على ظاهرة (الصعلكة) بجذورها التراثية وتشابهاتها الظرفية والنفسية. وتبدو (الصعلكة) أو استبطان حياة الصعاليك طريقاً لا مفرّ منه لشاعر مثل سليمان الفليّح يعيش تجربته الشعرية بمستوييها الفني والواقعي، ويراها ببصيرته الشعرية قدراً وواقعاً يتلبسه لا محالة، فيتخذها مطيته وأداته الوحيدة لبث معاناته واستهجانه لواقع ينبذه ويهمّشه.
يمكن اعتبار نص “البدو الرّحل” من ديوان (أحزان البدو الرحل) خير ما يعبر عن هذه المعاناة في شعر الفليّح فناً وموضوعاً. إنه نص يتفجّر بالشجن واللوعة، ويضجّ بذلك الروع وارتجاف الإنسان في انكساره ومراراته، وعذابات ارتحال قسري يتخذ بعداً روحياً ونفسياً أعمق مدى من بعده الواقعي. إن حكاية آخر جماعات البدو الرحل اللاجئين لبوابات المدن، معفرين بالحاجة والذل والفقر، تغدو في هذا النص أغنية فاجعة معذِّبة تعلن اندثار الصحراء وسقوط رموزها واندحار إنسانها:
ها قومي انحدروا من مرتفعات الماضي – شُهْب الأعين – /  تجلدهم ريح المستقبل نحو الواحات المأهولة بالأمطار
هاهم مثل جراد القحط القادم من آخر إقليم في الدنيا / جاءوا وانتشروا في هذي الصحراء الرملية مثل الأحجار
ها هم عند حدود الغيم الأزرق ناموا /  فتوسّد كل فقير منهم/ عوسجه
حلموا بالفجر وأبكاهم برق شقّ الظلمة “يشعق” / يتعرج في دائرة الأفق المغلق/  لكنه ما يلبث أن يخبو
فابتلّت من أدمعهم عند الفجر الريح/ الأرض/ الأشجار/ هاهم قاموا/ ساروا نحو تخوم المدن الكبرى
جوعى/ عطشى/  يستعطون الخبز اليابس والماء الآسن والنار
هاهم عند حدود المدن الكبرى محنيو القامات/ منكسرو الهامات/ ومشتملون بأسمالهمو الرثة لا تكسوهم/ إلا الأطمار
ها هم تجلدهم / كي تبعدهم/ عن أسوار المدن الكبرى/ خيالة جيش التتار
هاهم يضطجعون هنالك/ مثل الأخشاب المنخورة خلف الأسوار
هاهم ينطفئون هنالك/ عند حدود الغيم الأزرق مثل الأنجم/ كي يُسدل عن آخر أخبار البدو الرحل/ في هذا العصر ستار!
أما في مجال القصة القصيرة يمكن الاستشهاد بمثالين من ناصر الظفيري وعلي المسعودي. ففي نص قصصي للأول بعنوان: (الرحلة الأولى أخيرة) يعبر الكاتب فيها عن إشكالية الاقتلاع القسري من ألفة المكان/ الوطن والعلاقات والتفاصيل الحميمة التي يعتادها الإنسان، وما تخلقه من تشبث وتعلّق يصبح الاقتلاع معه مؤلماً حدّ الشجن:
“
لو وضعت النملة في أعظم قصور العالم لبحثت فيه عن ثقب تشم منه رائحة الرمل وأسمته وطناً… رئتاي تعودتا على رياح الكوس وهبوب الشمال وعيناي تعشقان كراسي قهوة شعبية… قلبي يطير لشرائط الضفائر الملونة في كل صباح”.
وحين تطأ القدمان أرض المنفى القسري حيث الغربة واللاوطن، لا يطل على الروح المتعبة غير القشعريرة والهواجس المرّة:
“
ماذا شربت؟ لا أتكلم. تنزل دمعة صغيرة تمسحها الممرضة الهادئة، تربت على كتفي وتمضي. لن يأتي أحد ليراني. من يعرفني هنا؟! ربما لو متُّ سيضعونني في كيس بلاستيك ويحرقونني كالنفايات. هل سيعرفون كيف يصلون عليّ؟ حتى الموت ملعون هنا. لو مت هناك يا أحلام… هناك الموت جميل… سأطل من فوق أكتاف أحبائي أمسح دموعهم… سيكون لي وطن صغير وأسمع صوت العصافير كل صباح تغني للموتى أغاني الحياة… وهنا أموت وحيداً غريباً”.
***
*
سليمان الفليّح: حصل على الجنسية السعودية وأقام فيها بعد أن ترك الكويت في السنوات الأخيرة.
*
ناصر الظفيري غادر الكويت إلى كندا، فهل أصبح مواطناً كندياً حقاً؟ أترك لكم الحكم على قلبه من خلال ما سبق.
                                                              
أدب البدون (2 – 2 )

24/1/2012

د. نجمة إدريس
najmaidrees@yahoo.com

في تتمة لما بدأناه في مقال الأسبوع الماضي حول استشراف أدب البدون، نمثل في مجال القصة القصيرة بعلي المسعودي ونصه “سيد المحو”. ولعل في العنوان ما يوحي منذ البدء بموقف بطل القصة من “وطن” يمحو وجوده ويتسيّد عليه بالاختيال والقسوة. هو الذي ما زال يعيش طفولة مرتعدة أمام خريطة معلقة في الفصل الدراسي، خريطة لم تعطه أمناً أو حلماً صغيراً يعيش عليه.
وإزاء تلك الضآلة أمام هذا “السيد”، يبدأ اللاوعي برسم صورة لهذا الكائن: “يفتح فمه عن أسنان ذئب شرس… ويلف ذيله حول العنق… ويطارد… ويطلق الرصاص!” إنه “السيد” الذي لن يرعوي عن محو أولئك النابتين في أنحائه وإبادتهم كما تُباد الكائنات القميئة. أليس هو “سيد المحو” كما دعاه الكاتب في عنوان النص؟! أليس هو الذي قدم له الكاتب في مطلع النص: “نصف الحيوان ونصف الإنسان، القوي الجبان، الذي إن كشفتُ عن اسمه أباح دمي”. وكيف سيكشف عن اسمه إلا بالكتابة، الأداة المثلى للتعبير عن الانسحاق والضياع: “وقبض على يدي بمخالبه وهو يصرخ بصوت متحشرج: ماذا تفعل؟، قلت: سأكتبك، قال: لن تفعل. كتبته، فمحاني!”.
***
أما منى كريم فتنتمي إلى الجيل الأصغر سناً بين الأدباء البدون. من مجموعتها الشعرية “نهارات مغسولة بماء العطش” نختار نصاً لعله الأوضح في رسم حالة الضياع والافتقار إلى الانتماء، وهو بعنوان: “وطن يقلقنا”:
أبحث عن وطن متسول/ ينتظرني عند عتبة الباب/ كي يطلب مني أشياء تدفئه
وطن يعوضني جوع الطفولة/ وأيام التشرد/
أذكر كيف كنتُ أمد يدي للأرض/ فتبصقني وتلف كل مدارات الدنيا،/ بحثاً عن كلمة تسقطني
فهل تلومونني عندما أضيع بين زحمة الآلام؟/ كم من الآهات تعبت مني/ غسلت أجسادها بالركام دون جدوى
***
جدتي كانت تقول لي إن الله يحبنا/ حينها أيقنتُ أن الجنة ستمتلئ بالزنابق/ ولكن متى سيحدث ذلك؟
هل عندما تنطفئ الأزقة المقيمة في قلوبنا؟ أم عندما يمزقنا الحنين؟
لمنى كريم مدونة إلكترونية تعلن من خلالها لأنها ناشطة في مجال الدفاع عن حقوق البدون، ونشر كل ما يتعلق بمطالبات هذه الفئة وأخبار تطورات القضية، بالإضافة إلى مساهماتها في برامج حوارية ومناظرات في أميركا وغيرها حول ذات الموضوع. وهذه مقتطفات من مقالات أدبية لها أثبتتها في المدونة:
“
إن دائرتي بلا ملامح، سلمها جدي لنا مشوهة بحماقته وعنتريته وجبن جدتي ورأسها المطأطئة. الدائرة خاصتنا غير صالحة للاستعمال البشري، دائرة: البرانيون/ المولودون خارج رحم الحياة.
لذلك أحاول أن أخلق منك دائرة جديدة علّني أدخل – بالتهريب – إلى الحياة عبر دفع حساب شايك الأخضر، وحل واجباتك، والتحدث بالنيابة عنك، وترتيب أوراقك، ودفعك إلى الابتسام …..
كلها محاولات فاشلة، محاولات تسخر مني لأن المفتاح بكل بساطة بيد المكان، المكان السادي، المكان المستحيل المركز الهامش الذي نسي أن يضعني في صرته حين دخل – بالتهريب – إلى الحياة!
***
“
لماذا يصنعون هم تماثيل نحاسية لأصدقائهم، وأصدقائي يذوبون كتماثيل الشمع؟ لماذا يلعبون الكلمات المتقاطعة بآلامنا ونرفع أصابعنا لنمنحهم الإجابة؟ لماذا يكونون هم “أبناء البلد” ونكون نحن “أبناء الكلب”؟ لماذا تنبش أمهاتنا القواميس منذ الصباح بحثاً عن شتيمة، وأمهاتهم يغرقون في لغة أخرى؟ لماذا يقتلون هم الوقت بالثقافة ونقتل نحن يأسنا بها؟ لماذا تعرف الآلة الحاسبة كيف تمنحنا 10 آلام مقابل كل فرحة، ومعهم تضيع الحسبة في عد الأفراح؟ لماذا عرفنا أن الحياة سلم وأمضينا بقية سنينها نعد ما تبقى من الصفر؟
لماذا أولد وتحت إبطي سجل بأخطاء سلالتي ويولدون هم بدفاتر مزركشة؟ لماذا لا أنام كل ليلة لأني أرى الحب نعمة أكبر مني… لماذا أرى العالم من غرفتي ويجولون هم البلاد بحثاً عن ما هو أفضل من غرفهم؟
لماذا لا نكون جميعنا هم… ونبقى نحن بلا وجود؟”.
***
•
علي المسعودي: حصل على الجنسية القطرية، وربما يعيش هناك أو في الكويت.
•
منى كريم: تقيم حالياً في نيويورك – الولايات المتحدة.



http://aljarida.com/2012/01/24/12427691/

No comments:

Post a Comment