Friday, April 19, 2013

شعراء التهمت أوراقهم نار الغياب





                             من الجيل الذي فتح باب التفوق في القصيدة الكويتية
شعراء التهمت أوراقهم نار الغياب !
                 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
                النبهان نسي القلم وفرحان شرب مأساته والرديني تاه بغربته والصافي غاب يوم العيد
                 ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    
الوسط - كتب : كريم الهزاع
شهدت فترة التسعينيات ظهور جيل شعري مختلف عما سبق ، وقد أسس هذا الجيل ــ الذي غلب على ممثليه قضية البحث عن هوية ــ  أساليب وطرق كتابية لم تكن مطروقة أو مفضلة على الصعيد المحلي ، بدأها بإعلان القطيعة مع كل الأجيال السابقة ، وبدأ مناورة رائعة مع التجارب العربية المتقدمة ، متأثرا بأساليب شعراء كبار ، وفاتحا المجال لدخول قصيدة النثر من جهة ، وكتابة قصيدة التفعيلة بنفس خاص من جهة أخرى .
هذا الجيل الذي كان أغلب ممثليه من " البدون " ناضل ليثبت وجوده في ظل الضغوط التي كان يواجهها في المؤسسات الثقافية الرسمية على وجه الخصوص ، وعدم إمكانية النشر  في    الخارج لاسيما أن كثيرا من القائمين على الصفحات الثقافية لايثقون بظهور جيل مختلف عما سبق إذا ماتجاوزنا قضية التعالي التي كان يتسلح بها البعض منطلقا من نظرية  المركز والأطراف التي ابتدعها لمحاربة الأدب الخليجي ، وإن كان الأمر في النهاية انتهى بمصافحة رائعة بين أقطاب المركز وأطرافه وأصبح الأدباء الخليجيون يحظون بمكانة لائقة بين أشقائهم العرب في الفترة الأخيرة بعدما اكتشفوا أنهم بشر غير ملوثين بالنفط كما اعتقدوا في السابق .

جيل مغاير

الجيل التسعيني اجتهد ليثبت نفسه ، وتسلح أغلب أبنائه بفكر خلاق ، واتجه بعضهم يسارا ، بينما بقي البعض الآخر منطلقا من ذاته ناسفا الأفكار المعلبة ، لأن كل فكر إنساني ينبع من الداخل وليس الخارج ، وتميز من أبناء هذا الجيل دخيل الخليفة وعالية شعيب وصلاح دبشة ومحمد النبهان ونشمي مهنا وعلي الفيلكاوي وأحمد النبهان وسعد فرحان وفهد الرديني وعبدالعزيز النمر وسعد الدهش وسعدية مفرح والراحل علي الصافي ، الى جانب شعراء آخرين يكتبون النص الكلاسيكي وفي مقدمتهم رجا القحطاني ووليد القلاف وفهيد البصيري وماجد سيف . وانشغل أغلب هؤلاء بصقل تجربتهم وإصدار دواوينهم فضلا عن المشاركات المتقطعة في الأنشطة الثقافية المحلية خصوصا أن أغلبهم لايملك جناحين للمشاركة في أمسيات خارجية . تخلل ذلك نشر بعض النتاجات في الخارج لسعدية مفرح وعالية شعيب باعتبارهما مشهورتين في العواصم الثقافية  الكبرى القاهرة وبغداد وبيروت .
وشكل ظهور شبكة الانترنت والانفتاح التكنولوجي متنفسا رائعا لبعض أبناء هذا الجيل  وخصوصا ( البدون ) وكأن بيل غيتس ورفاقه  صنعوا أجنحة خاصة لهؤلاء فانطلقوا ينشرون نتاجاتهم في المنتديات الثقافية واكتسبوا علاقات واسعة ونشرت نتاجاتهم في الصحف والمجلات الكبرى مثل   ( العربي ، المدى ، الآداب ، أخبار الأدب .. الخ ) ..إلا أن اللافت ونحن في عام  2007 غياب بعض هذه الأسماء التي كانت فاعلة ونشطة في بداية ظهورها ، وكأنها هجرت المشهد الثقافي إلى غير رجعة إذا استثنينا الموهوب الراحل علي الصافي الذي سرقه الموت فجأة وهو في التاسعة والعشرين من عمره.

أسباب مختلفة

ولعل أسماء مثل أحمد النبهان ، سعد فرحان ، فهد الرديني ، سعد الدهش، فهيد البصيري ، ماجد سيف هجرت الساحة الثقافية لأسباب مختلفة إلا أن الملل و " التدمير النفسي " الذي عانى منه بعضهم كان بؤرة الهروب الى جانب أسباب أخرى لامجال لذكرها لم يستطع هؤلاء التغلب عليها . فالشاعر أحمد النبهان كان الأبرز بين زملائه بتجربته الغنية وأسلوبه المتفرد وثقافته الواسعة بالإضافة الى تمرده الذي كان يؤكد أنه شاعر من طراز خاص يستطيع دس قضيته بذكاء في نصوصه الملتهبة ، وأصدر النبهان ديوانا شعريا بعنوان ( الأب مفتتح سيرة ذاتية للولد ) عام 1999 لاقى ترحيبا جيدا من زملائه في منتصف التسعينيات وامتهن العمل الصحافي لفترة 9 سنوات في أقسام الفن والثقافة .. إلا أنه غاب فجأة !
والواضح أن أحمد النبهان صدم بالطريقة التي قوبل بها ديوانه الأول إذ توقع احتفاء أكبر على مايبدو إلا أن ماكتب لايتجاوز خبر الصدور ، رغم أن هذا الشاعر لديه ثقة بنفسه وبقدراته لاتجارى إلا أن ذلك ارتد سلبا على مايبدو ففقد ثقته حتى بأقرب أصدقائه واقتنع أن الشعر          " مايوكل عيش " !! وأن لاجدوى من كتابته . والأغرب أنه هجر حتى العمل في الصحافة مع أنه كان صحافيا موهوبا جدا . وقيل أن النبهان رد على سؤال عن استمراره في الكتابة من عدمه بالقول : " الآن لا أعرف حتى كيف يُمسك القلم ! "
و النبهان من مواليد الكويت عام 1969 وحاصل على الثانوية العامة بنسبة 89 %  ولم يكمل تعليمه رغم تفوقه لكونه من ( البدون )  وكان النبهان شارك في عدد من الأمسيات الشعرية المحلية فضلا عن مشاركته في مهرجان القرين الثاني .
                                           
                                                المجد للرصيف ..!
                           
الحالة المأساوية الثانية كانت مع الشاعر سعد فرحان الذي رأى الكل حينذاك أنه يتمتع بأسلوب خاص أقرب الى أسلوب الشاعر العراقي الكبير سعدي يوسف ، وكان الأصدقاء يرددون بين فترة وأخرى مقطعا يرثي فيه حال الفئة التي ينتمي إليها حيث يقول : " المجد للرصيف .. علمنا بأن نخاف .. لانخيف " إلا أنه تعرض الى أزمة عائلية لم تكن له يد فيها فانزوى راميا كل همه في العمل الصحافي ثم تعرض الى كارثة ابعدته عن الجو الثقافي بتاتا ، وفضل مجالسة صديق شكواه أحمد النبهان ثم اختفى عن الأنظار بشكل دراماتيكي تاركا الشعر بعدما فقد مخطوطة ديوانه وكل قصائده التالية وفضل النوم بعيدا عن عيون الأصدقاء . وسعد فرحان من مواليد عام 1966 وتخرج في جامعة الكويت عام 1989 .  وشارك في مهرجان القرين الأول .      

الحالة الثالثة كانت مع الشاعر فهد الرديني المولود في الكويت عام 1965 وهو الآخر كان متمكنا من نصوصه ويكتب العمودي بنفس جميل فضلا عن قصائد التفعيلة إلا أن كارثة الاحتلال العراقي للكويت فصلت فهد عن موهبته إذ قرر الهجرة الى الولايات المتحدة الأميركية لتعديل وضعه واستكمال دراسته رغم أنه اشترك في بعض الأمسيات التي تم تنظيمها في السعودية ومصر أثناء الاحتلال الغادر لبلده الكويت .. وهناك نسي الرديني أنه شاعر واكتفى بدراسته وعمله وأطفاله في ظل صعوبة العثور على كتب عربية .. ورأى فهد فيما بعد أن القطار فاته وأن أصدقاءه تجاوزوه واتبعوا أساليب كتابية جديدة ففضل الصمت واستكمال مشواره الدراسي وعمله الناجح . وإن بقي متواصلا مع أصدقائه في زياراته السنوية الى بلده الأصلي الكويت والكل يردد معه قوله : ( منتهى الدرب سيغدو أوّله .. ليس ينسى العش يوما بلبله ) .


خديجة لوحدها


الحالة الرابعة كانت مع  الشاعر الموهوب الراحل علي الصافي الذي رأى بعض النقاد أن ديوانه  " خديجة لاتحرك ساكنا " الصادر عام 1999 يؤكد تفجر موهبة شعرية تخط طريقا مختلفا ،     إلا أن القدر لم يمهل الصافي فرحل الى الدار الآخره تاركا خديجة لوحدها تندب حظها على كرسي متحرك .. وشكل رحيل الصافي صدمة في الوسط الثقافي حيث بقيت الصحف لأكثر من 10 أيام تكتب عنه في مساهمة إنسانية متفردة اشترك فيها حتى القراء .

والصافي هو (جرح الشعر ) الذي غاب في غفلة في أول أيام عيد رمضان وتحديدا في               8  / 1/ 2000 إثر حادث مروري مروع .. حاصل على الثانوية العامة  ولم يتمكن كرفاقه        من دخول الجامعة لتشابه الظروف رغم نسبته المرتفعة . وشارك في مهرجان القرين الرابع .


أما الشعراء سعد الدهش وماجد سيف وفهيد البصيري فقد أخذهم العمل عن الشعر ، ففي الوقت الذي انسحب فيه الدهش من الساحة الشعرية ومارس الكتابة للمسرح والتلفزيون ، انشغل ماجد سيف بالصحافة بينما صرف  فهيد البصيري جهوده على عمله كقيادي في وزارة الداخلية .




















 ( نصوص ) للشعراء

 *   العراء :


بيتيَ الطميُ والنومُ جارُ

مرّ بي عاشقٌ

راح يرسمُ أجنحة ً فوق نافذتي

فطار الجدارُ


* الســراب :


نصبنا له الصمتَ
نهرٌ على طرف البيت
حط ّ
ركضنا لكي نلمسه

فخـّــنا صارت اليابسه .
 

* أحمد النبهان

 
يقدحُ القلب َ بالقلبِ

أقداحه ُ الكائناتُ

رمى الريح َ خاتمهُ

فاستدارت اليه ِ الفـــلاة ُ


* الليل :

يجلسُ الآن قرب قوافله
ويفكــّــــر ُ
.....
ماذا سيفعــلُ في كل هذا النهار ؟

وماذا سيأكل في وجبة اليوم
 
من لحم قاتلـِـه ِ..؟









يرحلُ البحرُ إنْ لمْ يجدْ عابريه

من سيوف الحروب الفسيحةِ
عادَ...
يموت على جُدُر الحارة الضيقهْ
كالذبيحةِ
كان يشق نهير دم في
رمال الظهيرة و الطرق المغلقة.
كان يحرق عشب الحديقةِ
يبحث عن ريشةٍ و خيال مآتهْ
ويفتح للفلوات الغريمة سيرتهُ.

موحشاً يسحب الموت والذكرياتِ
ويذكرُ:
كان يُفتِّح جرح الحروب الفسيحةِ- ما الموت إلا
احتمالان- في ملكوت الغشاوةِ
منشطراً
صاعداً
خفقةً
خفقةً في اشتعال المكان
يسرِّحُ في الفلوات خيوليَ
في النسوة السمر سمراءَ
في الصوت صوت الذين انكسرْ
صوتهم بصداها
وفي الأصدقاء خياناتهم.

وينام قبيل الظلام على ربوةٍ خلف سور القرى
كالوليمةِ
يرقب طير البراري وليل القرى.

من وراء البيوت القديمة
كان يجئُ
يقص الحكايات عن ولدٍ قتل الجند والحاشيهْ
دس في العرش عود ثقابْ
أودع الفَرسَ الظلمات وغاب.

عادني اليوم موتك بين العرائش والغرباءِ
وعلقت روحي على سور كفيك، والخيلُ
مذبوحةٌ فيَّ، جئتك والخيل مذبوحة فيَّ
تصفن في قدميَّ الدروب التي أجَّلت عرس خطوكَ
أني مشيتُ
فإني أساقُ إلى ليلةٍ
في القلوب أضاءت سكاكينها.

صاحبي:
فك أزرار هذا الدم المتوثِّبِ
بي
صاحبي:
يرحل البحر إن لم يجد عابريه
وما شحَّ فيَّ رحيلٌ
ولم أقطع البحرَ
والموت في موجة قادمهْ.
ما تأخرتُ
لكنها الطريق الصافنه
تصل الموت بالمدن النائمهْ.
فسلام عليك وآنَسُ موتي مصادفةً
و سلام عليك إذا ما استتبَّ الظلامُ
وأنت تراقب قافلة الليل
قرب المدينة و الحتفِ
تندسُّ بين خطى العابرينْ
....................
...............
وتتوه .

علي الصافي
بكائية لامرأة ثلجية

حدّ توهّــجِ روحَين ِ احترقي
يا امرأة الثلج ِ
حزين ماء الموت ِ
بكاء الماء دخانْ ...
تحترقين تذوبين فيتسخُ الوقت ُ
امرأة الطين ِ
بتلّين ِ من اللوز ِ
وسهلَين ِ من الرمان ..
ترتحلين بك ِ
لا أملك ُ إلاّ أن أقف الآن
على طـرَف الهذيان...


سعد فرحان




No comments:

Post a Comment