Friday, April 1, 2016


العدد 14666 - تاريخ النشر 02/04/2014
تاريخ الطباعة: 01/04/2016

شخصية «البدون» في الرواية الكويتية
ميسى العثمان
">ليلاس سويدان
أكثر من رواية ظهرت في السنوات الماضية تناولت شخصية «البدون»، منها رواية «ارتطام لم يسمع له دوي» لبثينة العيسى، وكذلك رواية «سلالم النهار» لفوزية الشويش، إضافة إلى رواية «الصهد» للروائي والقاص ناصر الظفيري، ورواية «في حضرة العنقاء والخل الوفي» للروائي إسماعيل فهد إسماعيل، وغيرها من الروايات الكويتية الأخرى. شخصية «البدون» بكل ظلالها الاجتماعية والسياسية أثارت جدلا حول كيفية تقديمها، أو التعامل معها وتطورها داخل العمل الروائي، ذلك الجدل الذي يعكس إشكالية داخل وضع «البدون» نفسه وحمولته الرمزية.
بداية، تحدثت الروائية ميس العثمان عن رأيها في مصطلح «أدب البدون»، الذي بدأ البعض بتدواله داخل المشهد الثقافي الكويتي، فقالت:
- في حوارات عديدة نُسأل: ما رأيكم بأدب المرأة؟ أو أدب الرجل؟ وحينها أجيب بأنني أرفض هذا التصنيف القاسي، فكيف يمكنني قبول تصنيف جديد يحمل ربما ثلاثة وجوه من العنصرية؟! وما يسمى الآن بـ «أدب البدون» يحيلنا إلى مجموعة من المغالطات التي لا يقبلها من يدعي الثقافة، فمثلاً تصنيف الامر هكذا وكأن «البدون» شيء قائم بذاته، أمر غير إنساني، والبعض راح، لهذا التصنيف من الجماعة ذاتها، كي يميّز باعتقاده نفسه أو جماعته بأنهم في مستوى مختلف عن «أدب الكويتيين» مثلاً. وبالتالي، النأي بأنفسهم عن تهمة الجنسية والانتماء وغيرها.
بعض الصحافيين، ممن أحيانا يلبسون عنوة قبعة النقاد على صفحاتهم الثقافية، أساءوا إلى هؤلاء باستخدامهم هذا الوصف الغريب. الموضوع مشتبك سياسياً وليس أدبياً خالصاً، وهنا لا أريد أن أعطي رأيا في كيفية قبول أي أحد يدعي الثقافة والإبداع بمسمى كهذا في الحياة أولا ثم في المشهد الثقافي ثانيا، إنما أتمنى - كإنسانة - أن نفعّل مواقفنا من الأشياء والمسميات والبشر والاختلافات والخلافات، وليكن كل منا ساميا في كرامته وذاته ومعتدا بما يملك حقيقة لا ما يدعي امتلاكه، كي نصنع معا أدبا وفكرا وثقافة حقة، تقدمنا بأسمائنا لا بالأوراق الثبوتية، التي في الحقيقة نستخدمها للمعيشة والسفر والتنقل وليس في الكتابة والرأي.
صور تقليدية
الناقد د. علي العنزي قال:
- شخصية «البدون» وجدت في الرواية الكويتية، أو لم تثبت في بؤرة السرد الكويتي قبل عام 1995، عندما كتب ناصر الظفيري رواية «سماء مقلوبة» (تناول مقاساة مراهق من «البدون»، مولع بالشهوات، في مجتمع قاس تموج فيه الفتن). ومع تعمق الوعي لدى الظفيري، نجده يصدر في عام 2013 رواية «الصهد»، التي أظهرت إدراك الظفيري، بعد أن كتب وكتب، أنه كان مسرفا في التعاطي بتسامح، في «سماء مقلوبة»، مع المجتمع الكويتي، الذي يعاني من أزمة الهوية، وسوء التفاهم بين التاريخ المَحكي، والتاريخ المدون، فانعكست الاكتشافات الواعية المبددة للطمأنينة – بشكل أو بآخر – على شخصيات «الصهد»، التي كانت ككل أبناء المجتمع الكويتي مهمشة، بفعل الظواهر الاجتماعية والسياسية.
واعتبر العنزي أن رواية «في حضرة العنقاء والخل الوفي» للروائي فهد إسماعيل هي العمل الروائي الأول المؤصل لقضية تهميش «البدون»:
- هي رواية مؤلمة إلى حد الوجع تجاه هذه القضية، حيث يسرد إسماعيل مجاهدة أب من «البدون»، يدعى المنسي بن أبيه، بطل الرواية الراقد على هامش أحداثها، وهو يسرد مأساته لابنته زينب، كشهادة على زمن شارك فيه تحت مسمى «بدون»، معرفا ماهية وضعه الإنساني، كمهمش يُجرّ دائما من ياقته إلى ما لا يشتهي، حيث قُرر له اسمه ومسكنه وزيجته وطلاقه واسم ابنته وحتى تصنيفه قسرا كـ «بدون».
أما عن كيفية تناول الروايات الكويتية لهذه الشخصية فقال:
- هناك طبعا صور تقليدية لـ «البدون» نجدها عند إشارة سعود السنعوسي في «ساق البامبو» لـ «البدون»، ممثلا في شخصية غسان، الذي خدم في الجيش الكويتي لعقود، ومع ذلك فإنه لا يمتلك الجنسية. أيضاً كتبت فوزية السالم عن «البدون» في «سلالم النهار»؛ متحدثة عن فهدة التي لا تملك المال ولا الأوراق الثبوتية، ويتزوجها ضاري الكويتي الشهواني. وكانت من جانبها الأديبة باسمة العنزي قد تطرقت في روايتها «حذاء أسود على الرصيف» لإشكالية «البدون»، حيث الشاب العشريني «البدون» مهدي؛ الذي توقفت أحلامه عند وظيفة حارس أمن. وهناك كاتبة أخرى هي بثينة العيسى، كتبت سردا روائيا بليغا عن المهمشين «البدون» في رواية «ارتطام لم يسمع له دوي».
والحاصل أن أدباء الكويت توجهوا بمتلقيهم إلى محطات أحزان «البدون»، بكامل تقلباتها وتفرعاتها. وما «البدون» في أدبهم إلا إنسان عادي يريد أن يعيش، فقط، لكنه يعيش في حياة يومية قاحلة، ويرهقه الإحساس بأنه هامشي للأبد، ولربما رأى غالبية الأدباء أن السلطات الكويتية المتسبب الأول في مشكلة «البدون»، شريك في المسرحية المأساوية التي يعايشها «البدون»، كما تحاصر الكويتي المسؤولية كالفخ، حيث أنه لم يكتف بالصمت / الحياد، وإنما استثمر نفوذه أحيانا، لاستمرار المهمش تحت نير واقعه».
مهمشون.. وهوية
الناقدة سعاد العنزي قالت إن صورة «البدون» في الرواية الكويتية من أهم الصور التي بدأت تعيد انتاجها الرواية الكويتية بوضوح ودقة أكثر من الماضي، وصورة «البدون» تبدو واضحة وتعلن عن نفسها بكل جرأة وقوة وذلك لعدة أسباب:
- السبب الأول هو فكر المهمشين الذي انتشر في الآونة الأخيرة في الوطن العربي، أما السبب الثاني فهو الربيع العربي وما أحدثه من هزة قوية في تجاوز مناطق المسكوت عنه، والحفر في تاريخ الإنسان العربي والخليجي بحثا عن الخلل المشوه لتكوينه الإنساني ونسيجه الاجتماعي من حيث التصورات وتمثيل الآخر، وثالثا الاهتمام بالهوية الكويتية ومكوناتها تبعا لموجة الهوية والخصوصية السائدة في العالم.
ولو تساءلنا من الذي يكتب عن «البدون»؟ فسيكون الجواب اننا أمام منتج إنساني كويتي جمعي ينأى بنفسه عن هذا التقسيم العنصري بين مبدع كويتي و«بدون»، فرأينا أصدق من كتب عن «البدون» هم كتاب كويتيون، فباستثناء «صهد» لناصر الظفيري التي لم يتسن لي قراءتها، ولكن حسب الآراء حولها إنها رواية تعالج القضية بشكل منظم وعميق مثل ما طرحه د. أحمد عقلة العنزي حولها في حسابه في تويتر، ود. عبدالحكيم الفضلي، بقوله: «ناصر الظفيري كتب «الصهد» بأشياء ليس من بينها القلم، جعل من «شومان» أبا للجميع والتعيسة فضة أم الجميع إلى أن جعل منا «علي شومان». وليس هناك أصدق من هذه الكلمات في مدى تمثيل الرواية لأبناء هذه الفئة، أجد إن رواية «في حضرة العنقاء والخل الوفي» للروائي المتميز والقدير إسماعيل فهد إسماعيل هي الوحيدة التي قدمت رؤية عميقة عن فئة «البدون» وحفرت في تاريخ هذه الفئة وتحولات القضية منذ نشأتها مرورا بالغزو العراقي، حتى ما بعد الغزو العراقي. بقية ما كتب عن الموضوع هو تناول لقضية «البدون» بشكل عرضي، كون «البدون» شخصيات ثانوية في الروايات، ولم تكن بذاك العمق المطلوب، إضافة إلى تمثيلهم، وتمثيل مكونات المجتمع الكويتي السلبي والمنحرف عن منطقية الدلالة في رواية «سلالم النهار» لفوزية السالم.
«البدون» والفلسطيني
وبرأي سعاد العنزي أن عرض صورة «البدون» تم فيها الاستفادة بشكل كبير من المنتج الفلسطيني في عرض قضية الهوية الفلسطينية، والذي بدوره تأثر بالفكر العالمي للمهمشين والمحرومين من حق المواطنة.
والسؤال الذي يقفز بقوة هنا: هل «البدون» في سياقه الكويتي المحض مشابه للفلسطينيين واليهود فيما قبل؟ لا شك ان هناك تشابها بنيويا في المعاناة الإنسانية وآلية المطالبة في الحقوق واختلافا في تفاصيل البيئة المحلية وتعايش الشعوب بعضها مع بعض من دون أجندات سياسية، فلا يمكن أن يكون الشعب الكويتي كهتلر النازي، أو الإسرائيليين! أود أن أقول أخيرا، ويؤسفني أن أقول ذلك، إن الأدب في الكويت حظه قليل من حيث التأثير على شرائح المجتمع الكويتي، فإن كان هناك من مؤثرين في قضية «البدون» فهم الناشطون السياسيون من أبناء هذه الفئة، وعلى المثقف والأديب «البدون» أن يتحدث عن قضيته كتابيا في الأدب المكتوب، وفي الإعلام أيضا، فنحن نفتقد صوت الأديب الكويتي بشكل عام وليس «البدون» وحسب في التعبير عن قضايا المجتمع.
صورة مغايرة
ناصر الظفيري كاتب رواية «الصهد» وقبلها بسنوات رواية «سماء مقلوبة» اللتين تناولتا قضية «البدون»، قال:
- على الرغم من أن قضية «البدون» ليست حديثة وتعود إلى نصف قرن إلا أنها لم تشهد في البداية حضورا أدبيا، لأن الأدب بشكل عام في تلك الفترة يعاني البدايات ولم تنضج الحركة القصصية والروائية في الكويت إلا في الثمانينات من القرن الماضي.
لم يكن هناك روائيون «بدون» يتناولون القضية حتى قدم بعض الكتاب صورة لمعاناة «البدون» في بعض القصص القصيرة. وحتى هذه اللحظة ليس لدينا روائيون «بدون». وأضاف: الروايات التي ظهرت في هذا العقد كتبت بأقلام كويتية تعيش هموم البدون ملامسة واقعهم ومعاشهم ونتيجة ارتباط كتابها بحياة زملائهم «البدون» أو أقاربهم من «البدون». وهذه للأسف كتبت بصورة نمطية بعيدة عن تاريخ هذه الفئة وعلاقتها بالوطن كعلاقة ترتبط بنشأة الكويت منذ بداية قانون الجنسية الجائر وحتى اللحظة.
كانت الصورة، كما ذكرت في محاضرة عن هذه الروايات، صورة نمطية تمثل «البدون» انتهازي الفرصة يبحث دائما عن طريدة كويتية ممثلة في فتاة كويتية يريد الارتباط بها لتحسين صورته الاجتماعية والمعيشية. وحددت ثلاث روايات هي «ارتطام لم يسمع له دوي» لبثينة العيسى و«ساق البامبو» للسنعوسي و«في حضرة العنقاء والخل الوفي» لاسماعيل فهد اسماعيل. لم يكن ذلك بالتأكيد تهجما على الروايات المذكورة وانما لابتعاد النظرة عن واقع تاريخ هؤلاء الذين تم تقسيمهم اجتماعيا أولا ثم سياسيا الى «بدون».
وكنت أعمل منذ سنوا
سعاد العنزى
ناصر الظفيرى
على العنزى



جريدة القبس
 
http://beta.www.skedaddle.co.uk/ArticlePrint.aspx?id=955322&mode=print
 

No comments:

Post a Comment