مشاهدة النسخة كاملة : أهم ملتقيات المثقفين في الكويت.. إلى أين؟
مراقب
06-22-2009, 02:33 PM
إشكاليات« الثلاثاء».. من« حولّي» حتى« الضجيج»
أهم ملتقيات المثقفين في الكويت.. إلى أين؟
أفراح الهندال
إذا انطلقنا من كون «الملتقيات الثقافية» إشارة واضحة إلى مستوى الحراك الثقافي في أيّ مشهد؛ فإن الحراك في المشهد الثقافي الكويتي «بخير» بحضور الملتقيات الثقافية المتعددة التي سبق وتناولتها «أوان» في ملفٍ سابق بعنوان: «الملتقيات الثقافية تتجاوز أسوار المؤسسات» منتصف إبريل الماضي، ووعدنا بتسليط الضوء عليها بشكل فردي.
ولكن ماذا لو كان «التمرّد والغضب والرغبة في المنافسة ودحر الآخر»، هو مولـّد تلك الملتقيات ومُنشئها؟ ماذا لو جاءت الملتقيات بشكل نهائي لم يشابه «الصيغة التأسيسة» المعدة مسبقا، والمتفق عليها وبوجود خروج لأهم أعضائها؟ حينئذ سيكون للوضع ملامح أخرى من الضروري تناولها.. ولا نحصر هذه الإشارات في ملتقى محدد، وإنما سنتطرق إلى ما يتعلق بها مع الملتقيات تباعا.
أول الملتقيات التي نتناولها في سلسلة هذا الملف الثقافي هو «ملتقى الثلاثاء»، لقِدَمه.. وللحضور القويّ في تشكيلته من أدباء ومثقفين كويتيين وعرب بالدرجة الثانية -وهو ما يخالف المعمول به في بعض المؤسسات أو الملتقيات- ولأسباب ظهوره التي لم تخلُ من النزاعات والصراعات وحركات الانضمام والانسحاب والخروج عليه طوال مسيرته رغم انقطاعها فترة.
تآمر وتخريب..
تحدّث بداية الناقد والكاتب الكويتي محمد عبدالله السعيد محددا نشأة الملتقى، ولم يخل حديثه من الإشارة إلى بعض الحركات التي وصفها بـ «التآمرية والتخريبية»، إذ أنكرت دوره في إنشاء الملتقى، وأرجعت النشأة إلى الستينيات، فقال: «ابتدأ الملتقى في جمعية الفنون التشكيلية في العام 1996، ثم كان للأدباء إسماعيل فهد وطالب الرفاعي وليلى العثمان دور في انسحاب الفنان سامي محمد، مما دعا إلى انتقالنا إلى مسرح الخليج بترحيب من المخرج منصور المنصور ومجلس الإدارة، لكن ليلى وإسماعيل وطالب شكلوا ملتقى في بيت العثمان في نفس توقيت الملتقى وبنفس اليوم والساعة، وكان من ضمن الملتقى ناصر الظفيري ومجموعة صحفايين. لم يستمر هذا الملتقى بعد لقائه بليلى العثمان، وكان بحضور القاص السوري إبراهيم صموئيل، فتمت العودة جماعية إلى مسرح الخليج باستثناء ناصر الظفيري وبعض الطارئين، وبعد عام على إنشاء الملتقى تسلّمت راية التآمر أسماء أخرى، ومازال التآمر موجودا حتى اليوم، وازداد سوءاً بتجمع ثقافي يديره من يعتقد أن بإمكانه استباحة هذا البلد(...)، أما الملتقى فيجب أن يبقى، وطالما كان دخيل الخليفة فيه فهو بخير وإن عبث به شذّاذ الآفاق».
النشأة تسعينية
وعن الالتباس في موعد النشأة عند البعض، تتضح أسبابه بحوار سابق أجرته «أوان» مع الأديب إسماعيل فهد إسماعيل، إذ بيّن في حديثه مجموعة الملتقيات التي أنشأها وشارك بها قبل ملتقى الثلاثاء، ما سبّب التداخل الذي حصل في المعلومات عند البعض، قال إسماعيل: «كنت عضوا ومؤسسا لملتقيات أدبية عدة، منها ملتقى كان في مقهى «هاواي»، وكان معنا مريد البرغوثي ومحمد القيسي وخالد خشان وناجي العلي وفايق عبدالجليل، وشاعر اسمه حسن مبارك، ومعنا محمد عبدالله المسعود وفيصل السعد ومحبوب العبدالله إضافة إلى سميح سمارة وهاشم السبتي ومحمد الأسعد. كان عددنا يربو على العشرين، وكان شغلنا الأساسي تداول عملنا الإبداعي ومناقشة وإعطاء الرأي فيه، وكان لدينا متنفس للنشر وننجز ملفات ثقافية وننشرها، لكن ألصقت فيه تهمة بأنه ذو طبيعة سياسية، وتوقف بعد التحقيق معي، وفي البصرة تمخض عن مقهى «هاتف» ملتقى آخر، وغيره حتى عملنا ملتقى ببيت محمد أشكناني، وكان من أعضائه محمد السعيد ومسافر عبدالكريم».
إشكاليات لا تنتهي
ولفت الفهد إلى ما مرّ بالملتقى منذ البدء قائلا: «تواجه من خلال تلك الملتقيات أنماطا وشخصيات عديدة تتخذ مواقف مختلفة من الملتقى ذاته أحيانا، وبخصوص توقف نشاط ملتقى الثلاثاء، فهناك أسباب منها ما يعود إلى المكان، وقد عرض أكثر من مكان، وهناك إلحاح من جهات مختلفة لإعادته، وكل من كان يسأل كنت أجيبه بالقول «ابدأوا وأنا على استعداد»، فالملتقى فيه مسؤوليات من دعوات واستقطاع وقت».
وحول بعض الإشكاليات القديمة قال إسماعيل: «هناك من كان يقول: «إسماعيل استغل واستثمر ملتقى الثلاثاء ليكون واجهة له»، وهناك من يقول «لِمَ دعي فلان ولم يدع غيره؟»، وهناك شخصيات تدعى دون علمك، وما أردت حينها العلم عنها إلا احتراما، لكوني وفرت المكان، وهناك من يريد إعلاء صوته، وغير ذلك».
الإقصاء .. أول الأسباب
وعن السبب الحقيقي لنشأة الملتقى، قال الروائي ناصر الظفيري: «كان هناك غضب عام من دور الرابطة (المتنفس الوحيد للأدباء) من الدور العقيم الذي تمارسه، وانعدام نشاطها الأدبي والذي عليها القيام به، في تلك الأثناء تقوم بنشاط وحيد يوم الأربعاء باستضافة ضيف من الجامعة كي يلقي محاضرة، وكأنه يحاضر لمجموعة من الطلبة، أضف إلى أنها (أي الرابطة) رفضت إقامة أي نشاط يكون الشباب «البدون» أساسا فيه، فرفضت أمسيات شعرية وقصصية يكون هم نواتها، أستثني هنا دور الدكتور خليفة الوقيان والذي لم يكن عضوا في الرابطة، فقد احتوى مجموعة من الشعراء، وكان يلتقي بهم في ديوانية الرابطة كل يوم ثلاثاء، إذا لم تخني الذاكرة. كان العذر لدى القائمين على الرابطة أن الرابطة جمعية نفع عام تخضع لرقابة وقوانين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. هذا الموقف، مضافا إليه مواقف تجاه بعض الأدباء الكويتيين من سياسة الرابطة، حدا بمجموعة منهم أن تبحث لها عن متنفس أدبي غير خاضع لسلطة مؤسساتية أيا كانت هذه المؤسسة».
وجه ثقافي آخر
وأشار الظفيري إلى نقلات الأمكنة للملتقى، مشيدا بدوره في إيجاد وجه ثقافي آخر للكويت، إضافة إلى الدور المؤسسي، وأكمل: «كان الملتقى بلا شك يستفيد من المؤسسات الثقافية التي تدعو الضيوف على نفقتها ليلتقي بهم شباب الملتقى بعيدا عن البروتوكول الرسمي المصاحب لهكذا زيارات، ومن الأسماء التي أتذكرها واسيني الأعرج، الطاهر وطار، أحمد معلا، معجب الزهراني، صالح علماني وغيرهم. وأهم ما يميز ملتقى الثلاثاء أنه يتمتع بمساحة من الحرية قد لا تتوفر للمؤسسة الرسمية. كان الضيوف على سبيل المثال يتحدثون بلغة ثانية خلافا لما تمليه الأطر المؤسساتية، ومساحة الحرية المتاحة للأفراد أيضا أكبر هامشا من المساحة المتوفرة في المؤسسة، ولكن الإشكالية كانت في نقل الجو الثقافي إلى الشارع. حتى تتبنى مجموعة من الصحافيين تسجيل أعمال الملتقى ونشرها بما يسمح به النشر الصحافي الى الرأي العام، وهذه أعتقد كانت ميزة ملتقى الثلاثاء عن سواه، كما لا أنكر دور الأديب إسماعيل فهد إسماعيل، والأديبة ليلى العثمان في إنجاح الملتقى، فهما يرتبطان بعلاقات طيبة مع كثير من الأدباء العرب الذين حرصوا على اللقاء بهما، ذلك أتاح لنا -نحن الشباب- الاستفادة من هذه العلاقات الطيبة».
توقف الـ «مسعى»
وكما هو معروف؛ توقف الملتقى العام 2004 حتى عاد أخيرا بعد أربعة أعوام من التوقف مندمجا مع جماعة «مسعى»، ومن المهم توضيح التغيير الذي أصاب «مسعى» بعد انفراط الجماعة؛ إذ خرج أعضاؤها المؤسسون واحدا تلو الآخر بدءا بـ«محررة الموضوع»، وذلك بعد أربعة أشهر من المشاركة في بلورة الأفكار وصياغة بيان الجماعة، مرورا بعقيل عيدان وسعد الجوير (وهو من المؤسسين الأوائل لملتقى الثلاثاء كذلك)، لأسباب تنظيمية مختلفة، ليبقى الشاعر محمد النبهان (صاحب الفكرة الأساس للتكوين) مفعّلا لـ «الاسم» كدار نشر، وبذلك انتهى المشروع (الفكرة، المثال) وبقي بشكله التجاري مساندا لملتقى الثلاثاء ماديا، وقد أصدرت «مسعى» خمسة كتب قبل خروج عيدان والجوير منها، وباندماج «مسعى» مع ملتقى الثلاثاء كانت عودة الملتقى بدعم من أحد رجال الأعمال الكويتيين ليقام في فندق «سويس بل هوتيل بلازا» في مجمع المثنى، وليستقر أخيرا في منطقة الضجيج.
أهمية التواصل
ويبدو أن «الضجيج» لم يكن مجرد اسم للمنطقة التي اختيرت لاحتضانه، فالضجيج كان قائما منذ البدء كما أشار الأديب إسماعيل فهد، وكما أضاف محمد السعيد، الذي أنشأ فيما بعد ورشة السهروردي، وما أثاره هو فقْد الملتقى لبعض أعضائه ومنتسبيه بعد العودة الأخيرة، لأسباب لمّح إليها الأديب طالب الرفاعي (وهو أحد الممتنعين عن الحضور) في مقال نشره في الزميلة «الجريدة»، من ضرورة «خلق حالة إنسانية ثقافية بين الأجيال الشابة الواعدة، وبين أجيال سابقة عليها»، وحاجة الملتقى بـ «صيغته الجديدة» إلى «جهد منظم ومخلص لتجميع الشباب ولمّهم من حوله»، مؤكدا اعتماد الملتقى على اسم الأديب إسماعيل الفهد، ومشيرا إلى ذلك بالقول: «لا يكفي إنجاح مهمة الملتقى، بل يتطلب دراسة واعية ومخلصة ومتبصرة في الساحة الثقافية الكويتية، ومن ثم العمل على سدّ الثغرات والفجوات الموجودة فيها، وتقديم نشاط يعجز الآخر عن تقديمه لسبب أو لآخر، وأعني بذلك كون الملتقى متخلصا من أي قيود إدارية أو مؤسساتية».
ليؤكد في نهاية مقاله الإشكالية التي توصلنا إليها عبر هذا التحقيق، من وجود خلل في تواصل الأعضاء والمنتسبين فيما بينهم، إذ أشار إلى أهمية إيجاد «جلسة حوار ومناقشة آراء واقتراحات عموم رواد ومحبي الملتقى في بداية انطلاقه، فهو أمر مطلوب، ليعرف إسماعيل ورواد الملتقى ما الذي يدور في خلد الآخر، ويستطيعوا أن يقدموا وهجا ثقافيا طال انتظاره، وإلا فسيتحول الملتقى إلى لقاء أسبوعي يمر كما تمر أنشطة ثقافية كثيرة من دون أن يلتفت إليها أحد».
أسماء ممتنعة
افتقاد مبدأ التشاور وإقرار اللوائح وصياغتها بشكل جماعي وغيرها كانت أسباب امتناع البعض عن الحضور، كما يدور خلف الكواليس، فإضافة إلى السعيد والرفاعي تخلف الكاتب وليد الفضلي الذي أسهم في كتابة الورقة التأسيسية بشكل كبير في الاجتماعات الأولى لعودة الملتقى، والتي ضمت إضافة إليه الأدباء: دخيل الخليفة وكريم الهزاع ومحمد السعيد ومحمد جواد، إضافة إلى انضمام، فيما بعد، مجموعة من الشباب كمحمد المغربي ويوسف ذياب خليفة لكتابة اقتراحاتهم وضمان مشاركتهم بشكل أساس، كما كان للشاعر صلاح دبشة أيضا حضورا في المشاورات التالية، غير أن هذه الأسماء «الفضلي والمغربي ودبشة وخليفة وغيرهم» اختفت من المشاركة بعد استئناف الملتقى، ما يدفع إلى التساؤل عن الإشكاليات الكبرى والأساسية التي تدفع الفاعلين إلى الامتناع عن الحضور! وخاصة أن موعد استئناف فعاليات الملتقى، واعتماد الورقة التأسيسية لم يأتِ بعد موافقة أو اطلاع شامل للأعضاء كافة.
حرية.. استحياء.. وصاية
وبرصد آخر لنشأة الملتقى قال الشاعر والناقد المصري مختار عيسى: «كان ملتقى الثلاثاء الذي انبثق عن ملتقى الفنان الكبير سامي محمد منذ ما يقرب من عشر سنوات على يد الكاتب محمد عبدالله السعيد ومعه كريم الهزاع ودخيل الخليفة ونادي حافظ، ثم صلاح دبشة ومختار عيسى وإسماعيل فهد إسماعيل ومصطفى عطية جمعة وركان الصفدي وعباس منصور، ثم آدم يوسف والراحل محمد يوسف وعشرات من الكتاب والمبدعين العرب، نواة حقيقية لحركة ثقافية فاعلة، بعيدا عن تكلسات أصابت الجسم الثقافي نتيجة لعوامل ذاتية وجمعية في آن، واستطاع الملتقى في فترته الأولى في مسرح الخليج العربي بالكويت أن يكون مرتكزا للفعل الثقافي الإبداعي تحت سقف أعلى من حرية التعبير وحق الاختلاف، فقدم أعضاؤه نصوصا ودراسات ونقاشات كانت المادة الأكثر حضورا على الصفحات الثقافية، واستضاف فعاليات ثقافية وفكرية عالية، مثل المفكر اللبناني علي حرب وغيره، قبل أن ينتقل في مرحلة تالية إلى مقره الثاني بمكتب الروائي إسماعيل فهد، دار فيها العمل على «استحياء»، وبصورة شبه روتينية، لم تخرج عن كونها تجمعا لمجموعة أصدقاء نوعيين، وذلك قبل أن أغادر الكويت لعدة سنوات وأعود إليها لأجد الملتقى قد اكتسب حضورا أكبر وضم أعضاء جددا «دون أن تكون له الفاعلية السابقة»، ثم توقف لفترة ليعود في فندق سويس بلازا بالعاصمة بندوات مميزة قبل أن ينتقل إلى مقره الجديد في منطقة الضجيج».
وبيّن عيسى تطور إمكانيات الملتقى واستقطابه للأدباء، لافتا إلى فقده لأسماء مثل صلاح دبشة وعباس منصور، ووجود بعض المآخذ فأكمل: «ما يشوب المرحلة الحالية، والتي يمكن بالطبع تلافيها تتمثل في شكل من أشكال الاحتواء لـ«أسماء محددة»، وإقصاء أسماء أخرى، وفرض نوع من «الوصاية»، وإن لم يكن محسوسا بشكل كاف، يتمثل في مراقبة نصوص واختيار مسبق لما يقدم، وهذا ما ينافي ما درج عليه الملتقى منذ نشأته في انفتاحه على كل التيارات، ونبذه لأية توجهات إقصائية تأطيرية، مثل التي تعاني منها مؤسسات ثقافية في معظم البلاد العربية، فضلا عن عدم إعلان برنامج فصلي لفعالياته، بما يمكّن الأعضاء من الاستعداد والمشاركة الفعلية الفاعلة.
وأرى بشكل شخصي أن الملتقى ينقصه جانب التوثيق لما يقدم، بصرف النظر عما ينشر هنا أو هناك من متابعات صحافية، وأرى أنه من الضروري أن تكون للملتقى مطبوعة خاصة، وسوف أعمل قدر طاقتي على توثيق ما أستطيع عبر عدد خاص من المجلة التي أصدرها في مصر، أي الكتاب غير الدوري «ملتقى مرايا».
ضجيج الإشكاليات..
وبعد عرض تاريخ أهم ملتقى ثقافي للأدباء في الكويت، واستعراض أهم الإشكاليات التي واكبت بدايته، وما لحقه منها بعد عودته، يبقى التساؤل عن إمكانية بقاء الملتقى بالقوة التي بني على أساسها، فمقابل فقْد الملتقى لأسماء مهمة وفاعلة، ووجود اعتراضات وتحفظات من قبل البعض الآخر من المشاركين؛ تتيح حركات التغيير التي يجريها مجلس إدارة رابطة الأدباء أخيرا أفقا للأدباء، خاصة مع كسر الشروط التي دفعت إلى تكوين الملتقى من قبل، وأهمها: «إتاحة العضوية لكل أديب في الكويت راغب فيها، وفق معايير بسيطة»، فهل يحافظ الملتقى على الحلم الجميل الذي حققّه أم يكتفي بالـ«ضجيج» حضورا؟
http://www.awan.com/pages/culture/206890
أهم ملتقيات المثقفين في الكويت.. إلى أين؟
أفراح الهندال
إذا انطلقنا من كون «الملتقيات الثقافية» إشارة واضحة إلى مستوى الحراك الثقافي في أيّ مشهد؛ فإن الحراك في المشهد الثقافي الكويتي «بخير» بحضور الملتقيات الثقافية المتعددة التي سبق وتناولتها «أوان» في ملفٍ سابق بعنوان: «الملتقيات الثقافية تتجاوز أسوار المؤسسات» منتصف إبريل الماضي، ووعدنا بتسليط الضوء عليها بشكل فردي.
ولكن ماذا لو كان «التمرّد والغضب والرغبة في المنافسة ودحر الآخر»، هو مولـّد تلك الملتقيات ومُنشئها؟ ماذا لو جاءت الملتقيات بشكل نهائي لم يشابه «الصيغة التأسيسة» المعدة مسبقا، والمتفق عليها وبوجود خروج لأهم أعضائها؟ حينئذ سيكون للوضع ملامح أخرى من الضروري تناولها.. ولا نحصر هذه الإشارات في ملتقى محدد، وإنما سنتطرق إلى ما يتعلق بها مع الملتقيات تباعا.
أول الملتقيات التي نتناولها في سلسلة هذا الملف الثقافي هو «ملتقى الثلاثاء»، لقِدَمه.. وللحضور القويّ في تشكيلته من أدباء ومثقفين كويتيين وعرب بالدرجة الثانية -وهو ما يخالف المعمول به في بعض المؤسسات أو الملتقيات- ولأسباب ظهوره التي لم تخلُ من النزاعات والصراعات وحركات الانضمام والانسحاب والخروج عليه طوال مسيرته رغم انقطاعها فترة.
تآمر وتخريب..
تحدّث بداية الناقد والكاتب الكويتي محمد عبدالله السعيد محددا نشأة الملتقى، ولم يخل حديثه من الإشارة إلى بعض الحركات التي وصفها بـ «التآمرية والتخريبية»، إذ أنكرت دوره في إنشاء الملتقى، وأرجعت النشأة إلى الستينيات، فقال: «ابتدأ الملتقى في جمعية الفنون التشكيلية في العام 1996، ثم كان للأدباء إسماعيل فهد وطالب الرفاعي وليلى العثمان دور في انسحاب الفنان سامي محمد، مما دعا إلى انتقالنا إلى مسرح الخليج بترحيب من المخرج منصور المنصور ومجلس الإدارة، لكن ليلى وإسماعيل وطالب شكلوا ملتقى في بيت العثمان في نفس توقيت الملتقى وبنفس اليوم والساعة، وكان من ضمن الملتقى ناصر الظفيري ومجموعة صحفايين. لم يستمر هذا الملتقى بعد لقائه بليلى العثمان، وكان بحضور القاص السوري إبراهيم صموئيل، فتمت العودة جماعية إلى مسرح الخليج باستثناء ناصر الظفيري وبعض الطارئين، وبعد عام على إنشاء الملتقى تسلّمت راية التآمر أسماء أخرى، ومازال التآمر موجودا حتى اليوم، وازداد سوءاً بتجمع ثقافي يديره من يعتقد أن بإمكانه استباحة هذا البلد(...)، أما الملتقى فيجب أن يبقى، وطالما كان دخيل الخليفة فيه فهو بخير وإن عبث به شذّاذ الآفاق».
النشأة تسعينية
وعن الالتباس في موعد النشأة عند البعض، تتضح أسبابه بحوار سابق أجرته «أوان» مع الأديب إسماعيل فهد إسماعيل، إذ بيّن في حديثه مجموعة الملتقيات التي أنشأها وشارك بها قبل ملتقى الثلاثاء، ما سبّب التداخل الذي حصل في المعلومات عند البعض، قال إسماعيل: «كنت عضوا ومؤسسا لملتقيات أدبية عدة، منها ملتقى كان في مقهى «هاواي»، وكان معنا مريد البرغوثي ومحمد القيسي وخالد خشان وناجي العلي وفايق عبدالجليل، وشاعر اسمه حسن مبارك، ومعنا محمد عبدالله المسعود وفيصل السعد ومحبوب العبدالله إضافة إلى سميح سمارة وهاشم السبتي ومحمد الأسعد. كان عددنا يربو على العشرين، وكان شغلنا الأساسي تداول عملنا الإبداعي ومناقشة وإعطاء الرأي فيه، وكان لدينا متنفس للنشر وننجز ملفات ثقافية وننشرها، لكن ألصقت فيه تهمة بأنه ذو طبيعة سياسية، وتوقف بعد التحقيق معي، وفي البصرة تمخض عن مقهى «هاتف» ملتقى آخر، وغيره حتى عملنا ملتقى ببيت محمد أشكناني، وكان من أعضائه محمد السعيد ومسافر عبدالكريم».
إشكاليات لا تنتهي
ولفت الفهد إلى ما مرّ بالملتقى منذ البدء قائلا: «تواجه من خلال تلك الملتقيات أنماطا وشخصيات عديدة تتخذ مواقف مختلفة من الملتقى ذاته أحيانا، وبخصوص توقف نشاط ملتقى الثلاثاء، فهناك أسباب منها ما يعود إلى المكان، وقد عرض أكثر من مكان، وهناك إلحاح من جهات مختلفة لإعادته، وكل من كان يسأل كنت أجيبه بالقول «ابدأوا وأنا على استعداد»، فالملتقى فيه مسؤوليات من دعوات واستقطاع وقت».
وحول بعض الإشكاليات القديمة قال إسماعيل: «هناك من كان يقول: «إسماعيل استغل واستثمر ملتقى الثلاثاء ليكون واجهة له»، وهناك من يقول «لِمَ دعي فلان ولم يدع غيره؟»، وهناك شخصيات تدعى دون علمك، وما أردت حينها العلم عنها إلا احتراما، لكوني وفرت المكان، وهناك من يريد إعلاء صوته، وغير ذلك».
الإقصاء .. أول الأسباب
وعن السبب الحقيقي لنشأة الملتقى، قال الروائي ناصر الظفيري: «كان هناك غضب عام من دور الرابطة (المتنفس الوحيد للأدباء) من الدور العقيم الذي تمارسه، وانعدام نشاطها الأدبي والذي عليها القيام به، في تلك الأثناء تقوم بنشاط وحيد يوم الأربعاء باستضافة ضيف من الجامعة كي يلقي محاضرة، وكأنه يحاضر لمجموعة من الطلبة، أضف إلى أنها (أي الرابطة) رفضت إقامة أي نشاط يكون الشباب «البدون» أساسا فيه، فرفضت أمسيات شعرية وقصصية يكون هم نواتها، أستثني هنا دور الدكتور خليفة الوقيان والذي لم يكن عضوا في الرابطة، فقد احتوى مجموعة من الشعراء، وكان يلتقي بهم في ديوانية الرابطة كل يوم ثلاثاء، إذا لم تخني الذاكرة. كان العذر لدى القائمين على الرابطة أن الرابطة جمعية نفع عام تخضع لرقابة وقوانين وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل. هذا الموقف، مضافا إليه مواقف تجاه بعض الأدباء الكويتيين من سياسة الرابطة، حدا بمجموعة منهم أن تبحث لها عن متنفس أدبي غير خاضع لسلطة مؤسساتية أيا كانت هذه المؤسسة».
وجه ثقافي آخر
وأشار الظفيري إلى نقلات الأمكنة للملتقى، مشيدا بدوره في إيجاد وجه ثقافي آخر للكويت، إضافة إلى الدور المؤسسي، وأكمل: «كان الملتقى بلا شك يستفيد من المؤسسات الثقافية التي تدعو الضيوف على نفقتها ليلتقي بهم شباب الملتقى بعيدا عن البروتوكول الرسمي المصاحب لهكذا زيارات، ومن الأسماء التي أتذكرها واسيني الأعرج، الطاهر وطار، أحمد معلا، معجب الزهراني، صالح علماني وغيرهم. وأهم ما يميز ملتقى الثلاثاء أنه يتمتع بمساحة من الحرية قد لا تتوفر للمؤسسة الرسمية. كان الضيوف على سبيل المثال يتحدثون بلغة ثانية خلافا لما تمليه الأطر المؤسساتية، ومساحة الحرية المتاحة للأفراد أيضا أكبر هامشا من المساحة المتوفرة في المؤسسة، ولكن الإشكالية كانت في نقل الجو الثقافي إلى الشارع. حتى تتبنى مجموعة من الصحافيين تسجيل أعمال الملتقى ونشرها بما يسمح به النشر الصحافي الى الرأي العام، وهذه أعتقد كانت ميزة ملتقى الثلاثاء عن سواه، كما لا أنكر دور الأديب إسماعيل فهد إسماعيل، والأديبة ليلى العثمان في إنجاح الملتقى، فهما يرتبطان بعلاقات طيبة مع كثير من الأدباء العرب الذين حرصوا على اللقاء بهما، ذلك أتاح لنا -نحن الشباب- الاستفادة من هذه العلاقات الطيبة».
توقف الـ «مسعى»
وكما هو معروف؛ توقف الملتقى العام 2004 حتى عاد أخيرا بعد أربعة أعوام من التوقف مندمجا مع جماعة «مسعى»، ومن المهم توضيح التغيير الذي أصاب «مسعى» بعد انفراط الجماعة؛ إذ خرج أعضاؤها المؤسسون واحدا تلو الآخر بدءا بـ«محررة الموضوع»، وذلك بعد أربعة أشهر من المشاركة في بلورة الأفكار وصياغة بيان الجماعة، مرورا بعقيل عيدان وسعد الجوير (وهو من المؤسسين الأوائل لملتقى الثلاثاء كذلك)، لأسباب تنظيمية مختلفة، ليبقى الشاعر محمد النبهان (صاحب الفكرة الأساس للتكوين) مفعّلا لـ «الاسم» كدار نشر، وبذلك انتهى المشروع (الفكرة، المثال) وبقي بشكله التجاري مساندا لملتقى الثلاثاء ماديا، وقد أصدرت «مسعى» خمسة كتب قبل خروج عيدان والجوير منها، وباندماج «مسعى» مع ملتقى الثلاثاء كانت عودة الملتقى بدعم من أحد رجال الأعمال الكويتيين ليقام في فندق «سويس بل هوتيل بلازا» في مجمع المثنى، وليستقر أخيرا في منطقة الضجيج.
أهمية التواصل
ويبدو أن «الضجيج» لم يكن مجرد اسم للمنطقة التي اختيرت لاحتضانه، فالضجيج كان قائما منذ البدء كما أشار الأديب إسماعيل فهد، وكما أضاف محمد السعيد، الذي أنشأ فيما بعد ورشة السهروردي، وما أثاره هو فقْد الملتقى لبعض أعضائه ومنتسبيه بعد العودة الأخيرة، لأسباب لمّح إليها الأديب طالب الرفاعي (وهو أحد الممتنعين عن الحضور) في مقال نشره في الزميلة «الجريدة»، من ضرورة «خلق حالة إنسانية ثقافية بين الأجيال الشابة الواعدة، وبين أجيال سابقة عليها»، وحاجة الملتقى بـ «صيغته الجديدة» إلى «جهد منظم ومخلص لتجميع الشباب ولمّهم من حوله»، مؤكدا اعتماد الملتقى على اسم الأديب إسماعيل الفهد، ومشيرا إلى ذلك بالقول: «لا يكفي إنجاح مهمة الملتقى، بل يتطلب دراسة واعية ومخلصة ومتبصرة في الساحة الثقافية الكويتية، ومن ثم العمل على سدّ الثغرات والفجوات الموجودة فيها، وتقديم نشاط يعجز الآخر عن تقديمه لسبب أو لآخر، وأعني بذلك كون الملتقى متخلصا من أي قيود إدارية أو مؤسساتية».
ليؤكد في نهاية مقاله الإشكالية التي توصلنا إليها عبر هذا التحقيق، من وجود خلل في تواصل الأعضاء والمنتسبين فيما بينهم، إذ أشار إلى أهمية إيجاد «جلسة حوار ومناقشة آراء واقتراحات عموم رواد ومحبي الملتقى في بداية انطلاقه، فهو أمر مطلوب، ليعرف إسماعيل ورواد الملتقى ما الذي يدور في خلد الآخر، ويستطيعوا أن يقدموا وهجا ثقافيا طال انتظاره، وإلا فسيتحول الملتقى إلى لقاء أسبوعي يمر كما تمر أنشطة ثقافية كثيرة من دون أن يلتفت إليها أحد».
أسماء ممتنعة
افتقاد مبدأ التشاور وإقرار اللوائح وصياغتها بشكل جماعي وغيرها كانت أسباب امتناع البعض عن الحضور، كما يدور خلف الكواليس، فإضافة إلى السعيد والرفاعي تخلف الكاتب وليد الفضلي الذي أسهم في كتابة الورقة التأسيسية بشكل كبير في الاجتماعات الأولى لعودة الملتقى، والتي ضمت إضافة إليه الأدباء: دخيل الخليفة وكريم الهزاع ومحمد السعيد ومحمد جواد، إضافة إلى انضمام، فيما بعد، مجموعة من الشباب كمحمد المغربي ويوسف ذياب خليفة لكتابة اقتراحاتهم وضمان مشاركتهم بشكل أساس، كما كان للشاعر صلاح دبشة أيضا حضورا في المشاورات التالية، غير أن هذه الأسماء «الفضلي والمغربي ودبشة وخليفة وغيرهم» اختفت من المشاركة بعد استئناف الملتقى، ما يدفع إلى التساؤل عن الإشكاليات الكبرى والأساسية التي تدفع الفاعلين إلى الامتناع عن الحضور! وخاصة أن موعد استئناف فعاليات الملتقى، واعتماد الورقة التأسيسية لم يأتِ بعد موافقة أو اطلاع شامل للأعضاء كافة.
حرية.. استحياء.. وصاية
وبرصد آخر لنشأة الملتقى قال الشاعر والناقد المصري مختار عيسى: «كان ملتقى الثلاثاء الذي انبثق عن ملتقى الفنان الكبير سامي محمد منذ ما يقرب من عشر سنوات على يد الكاتب محمد عبدالله السعيد ومعه كريم الهزاع ودخيل الخليفة ونادي حافظ، ثم صلاح دبشة ومختار عيسى وإسماعيل فهد إسماعيل ومصطفى عطية جمعة وركان الصفدي وعباس منصور، ثم آدم يوسف والراحل محمد يوسف وعشرات من الكتاب والمبدعين العرب، نواة حقيقية لحركة ثقافية فاعلة، بعيدا عن تكلسات أصابت الجسم الثقافي نتيجة لعوامل ذاتية وجمعية في آن، واستطاع الملتقى في فترته الأولى في مسرح الخليج العربي بالكويت أن يكون مرتكزا للفعل الثقافي الإبداعي تحت سقف أعلى من حرية التعبير وحق الاختلاف، فقدم أعضاؤه نصوصا ودراسات ونقاشات كانت المادة الأكثر حضورا على الصفحات الثقافية، واستضاف فعاليات ثقافية وفكرية عالية، مثل المفكر اللبناني علي حرب وغيره، قبل أن ينتقل في مرحلة تالية إلى مقره الثاني بمكتب الروائي إسماعيل فهد، دار فيها العمل على «استحياء»، وبصورة شبه روتينية، لم تخرج عن كونها تجمعا لمجموعة أصدقاء نوعيين، وذلك قبل أن أغادر الكويت لعدة سنوات وأعود إليها لأجد الملتقى قد اكتسب حضورا أكبر وضم أعضاء جددا «دون أن تكون له الفاعلية السابقة»، ثم توقف لفترة ليعود في فندق سويس بلازا بالعاصمة بندوات مميزة قبل أن ينتقل إلى مقره الجديد في منطقة الضجيج».
وبيّن عيسى تطور إمكانيات الملتقى واستقطابه للأدباء، لافتا إلى فقده لأسماء مثل صلاح دبشة وعباس منصور، ووجود بعض المآخذ فأكمل: «ما يشوب المرحلة الحالية، والتي يمكن بالطبع تلافيها تتمثل في شكل من أشكال الاحتواء لـ«أسماء محددة»، وإقصاء أسماء أخرى، وفرض نوع من «الوصاية»، وإن لم يكن محسوسا بشكل كاف، يتمثل في مراقبة نصوص واختيار مسبق لما يقدم، وهذا ما ينافي ما درج عليه الملتقى منذ نشأته في انفتاحه على كل التيارات، ونبذه لأية توجهات إقصائية تأطيرية، مثل التي تعاني منها مؤسسات ثقافية في معظم البلاد العربية، فضلا عن عدم إعلان برنامج فصلي لفعالياته، بما يمكّن الأعضاء من الاستعداد والمشاركة الفعلية الفاعلة.
وأرى بشكل شخصي أن الملتقى ينقصه جانب التوثيق لما يقدم، بصرف النظر عما ينشر هنا أو هناك من متابعات صحافية، وأرى أنه من الضروري أن تكون للملتقى مطبوعة خاصة، وسوف أعمل قدر طاقتي على توثيق ما أستطيع عبر عدد خاص من المجلة التي أصدرها في مصر، أي الكتاب غير الدوري «ملتقى مرايا».
ضجيج الإشكاليات..
وبعد عرض تاريخ أهم ملتقى ثقافي للأدباء في الكويت، واستعراض أهم الإشكاليات التي واكبت بدايته، وما لحقه منها بعد عودته، يبقى التساؤل عن إمكانية بقاء الملتقى بالقوة التي بني على أساسها، فمقابل فقْد الملتقى لأسماء مهمة وفاعلة، ووجود اعتراضات وتحفظات من قبل البعض الآخر من المشاركين؛ تتيح حركات التغيير التي يجريها مجلس إدارة رابطة الأدباء أخيرا أفقا للأدباء، خاصة مع كسر الشروط التي دفعت إلى تكوين الملتقى من قبل، وأهمها: «إتاحة العضوية لكل أديب في الكويت راغب فيها، وفق معايير بسيطة»، فهل يحافظ الملتقى على الحلم الجميل الذي حققّه أم يكتفي بالـ«ضجيج» حضورا؟
http://www.awan.com/pages/culture/206890
مسامح كريم
06-29-2009, 04:48 AM
أهم ملتقيات المثقفين في الكويت.. إلى أين؟
الى الضجيج فى الكويت
الى الضجيج فى الكويت
vBulletin® v3.8.7, Copyright ©2000-2016, Jelsoft Enterprises Ltd.
No comments:
Post a Comment