Sunday, June 1, 2014

محمد النبهان / كندا قراءة شخصية في مجموعة (موشور مبلل بالحروب)

سنان انطون: شاعر يغني في فسحة بين حربين
أرسلت في الثلاثاء 03 يناير 2006

محمد النبهان / كندا
قراءة شخصية في مجموعة (موشور مبلل بالحروب)
موشور مبلل بالحروب

1
[ كم هو ضَيِّق
هذا الممر الذي ينام
بين حربين
لكني سأعبره ]


في هذا الممر الضيق بالذات يعبر سنان انطون في مجموعته الشعرية (موشور مبلل بالحروب) الصادرة عن دار ميريت بالقاهرة – 2003، إلى قصيدة مختلفة لا تنشد ضمن "هذه المجرّة الكربلائية" السائدة، قصيدة خلفيتها الحرب، ولا أريد هنا أن أستخدم مصطلح (قصيدة حرب) كي لا أضع على القصيدة خوذة عسكرية وأسمّرها في زاوية قصية تتساقط فوقها القذائف والصواريخ ويدوس على هامتها الطغاة.
لا يستطيع اليوم أي شاعر عراقي أن يكتب قصيدة غير مبللة بالحروب أو صراخ الأرامل أو حتى رصاصة طائشة. يدخل الشعر بخوذة أو عاريا، يبقى في الثكنة أو يهرب صوب امرأة في المنفى، في كل الأحوال سيواجه الرصاصة، لكن أيهما الأقدر على الخروج منتصرا؟ من منهما القادر على قتل الآخر؟! سؤال أول لم أفكر به وأنا أقرأ نصوص هذه المجموعة، وقد لا يجيب عنه الشعر هنا، أو في أي مكان آخر، إذ ليس مهما – بالنسبة لي على الأقل – من يقتل الآخر في هذه المرحلة، أو لأقل أن مسألة القتل ليست واردة في ذهني الآن وقد أعود إليها. ثم أن الشعر غير معني بالإجابة على هكذا سؤال.. إنما السؤال الذي كنت أريده هو كيف ينظر الشاعر لهذه المواجهة؟ كيف يترجمها؟

2
في مراجعة سريعة لتواريخ النصوص في هذه المجموعة نجد أنها كتبت في السنوات 1989، 1990، 1991، 2002، و 2003. أي أنها كتبت في مرحلة الانتقال من حرب إلى أخرى، أي في هذا الممر الضيق جدا بين الحروب. 1989 بعد الحرب العراقية-الإيرانية، 1990 و 1991 بعد الغزو وحرب تحرير الكويت، 2002 و 2003 بعد الحصار الطويل والقصف المستمر وحرب تحرير العراق، كتبت في هذه الفسحة القصيرة جدا التي يستجمع بها سنان انطون كل ذاكرته وتجربة الحرب ويضعها في نصوص مركزة ومكثفة جدا (أغلب نصوص المجموعة هي مقاطع يمثل كل مقطع منها صورة واحدة تصل لشكلها المكتمل مع المفردة الأخيرة في النص إذ لا يمكن هنا تجزئة المقطع وتحويله إلى أسطر شعرية) وكأنه يلمها في ذهنه ويدفعها مرة واحدة. في هذه الفسحة التي يعبر عنها هنا:
[ يسيل لعاب الحرب
فيلهث الطغاة والمؤرخون
وتضحك تجعيدة
على وجه طفل
سيلعب في فسحة
بين حربين ] ص 29

3
الغد أيضا حرب. الحرب تولد من بطن حرب أخرى، الباب يؤدي إلى حرب، النافذة تطل على حرب، الأمهات في ذات الأماكن ينتظرن ويغزلن الأكفان لقتلى لم يولدوا بعد، اللحظة ئتن بالحرب القادمة من بعيد، الفسحة نفسها التي يلعب فيها طفل فتح عينيه على الحرب تعني أن حربا ستأتي:
[ يلعب الطفل
في حديقة الزمن
فتناديه،
من الداخل،
الحرب:
هيا ] ص 31

في نصوص سنان ثمة محارب/ شاعر/ عازف، عائد من الحرب/ الخراب/ الموت.. هذه المفارقة بين الحرب والأغنية؛ وتر الموت المشدود إلى آخرة مع وتر العود الحالم؛ ثمة خيوط/ خطوط أخرى ترتبط فيما بينها وتمتد في هذه المساحة التي تمثل عودة الحياة، أو على الأقل الإنتباه لحياة بعيدا عن قاموس مفردات الحرب، إذ أكثر ما تتضح هذه المفارقة في نص (امتدادات الأوتار) وإن كانت موزعة بشكل لافت في باقي النصوص، في هذا النص يوجد ثلاثة عشر وتر/ خيط تبدأ من امتداد السلم الموسيقي لسرير الغيب إلى امتداد الأوتار في آلة العود، إلى الحبل السري المعلق بضفة الفرات، إلى خيط الثوب/ الكفن الذي تلضمه الأم في عين الإبرة، إلى رف الحنين والذاكرة، إلى خط الحدود وسطوة التاريخ، إلى خيط الطائرة الورقية ترفرف بحرية خارج الزنزانة، إلى خيط مشد النهدين، إلى شعاع امرأة تقتلها الحرب الأخيرة، إلى السطر الأخير في مخطوطة تحترق، إلى سطر الوجع والأسماء، إلى مسار الهجرة، ثم تنتهي بخط/ امتداد الرحيل لوتر مصلوب في عود بعيد. هذه الإمتدادات كلها التي تلي أي حرب، أوتسبق حرب آتية، امتدادات تمثل فرصة للغناء، أو الخلاص (ربما).

4
السؤال الأول لايزال معلقاً بلا إجابة:
[ أي لغة
ستشرح للعود
أن ثماني سنوات
قضمت
عشر أصابع ]
هو نفسه المحارب/ المغني القادم في فسحة الحرب. الحرب: "سفر الخراب" كما يعبر عنها سنان، هذا الخراب الذي يطال كل شيء بما فيها أصابع العزف، يطال القصيدة، حين تكون ردة الفعل الأخرى بيانات نيئة وأغاني مشوهه، يصمت الشعر، أو أنه يبحث عن مساحة نقية للتنفس. الحرب تلد أخرى، والموت يسقط سخيا، والأقمار الاصطناعية ترصد كل حركة:
[ قمر يطل
على الرصافة
قمر صناعي
يحاور خبيراً
يجلس في قارة أخرى
سيقتل شاعراً
............. ]. ص 19

لا يبقى سوى هذه الفسحة الصغيرة، أو الممر الضيق بين حربين شرستين أن تولد القصيدة مكتملة بالرغم من الرصاصة القادمة.
لكن هل تستطيع القصيدة قتل الحرب؟!!
سؤال آخر لست معنيا بالبحث عن اجابته هنا أيضا.
---
* محمد النبهان: شاعر من الكويت مقيم في كندا
malnabhab@gmail.com
---
نشرت في كيكا 31/12/2005

 
روابط ذات صلة

تقييم المقال
المعدل: 3.75
تصويتات: 4


الرجاء تقييم هذا المقال:

ممتاز
جيد جدا
جيد
عادي
رديئ


خيارات

Associated Topics

قراءات

عفوا، التعليقات غير ممكنه لهذا المقال.

 جميع الحقوق محفوظة © 2005 . مؤسسة جذور الثقافية . php-nuke . تعريب وتطوير مجموعة أفق للتصميم 

انشاء الصفحة: 0.04 ثانية

No comments:

Post a Comment