Sunday, June 1, 2014

الإنترنت ، المنع ، المصادرة ... صالح النبهان

الإنترنت ، المنع ، المصادرة ... صالح النبهان
إضاءةأفق : الأربعاء 01 يناير 2003

قبل سنوات عديدة تردد مصطلح " القرية الكونية " أو " القرية الإلكترونية " إشارة إلى الروابط الإفتراضية الهائلة لتقنية الإنترنت التي ربطت العالم بأجمعه ، وبكل ما يحمل من تناقضات في مساحة صغيرة أشبه بالقرية .

الآن ، وبعد مرور عدة سنوات على إطلاق هذه المقولة أو هذا المصطلح أصبح من الظلم وصف هذه التقنية بالقرية الإلكترونية ؛ لقد تقلصت هذه المساحة حتى أصبحت بيتا مكونا من عدة غرف بلا أبواب تستطيع التنقل بينها دون أن تتحرك من مكانك ، وكأن هذا الجهاز السحري الذي أمامك يتلبسه مارد من الجن يأتيك بكل ما تريد قبل أن يرتدّ إليك طرفك .

وكل ما تريد هنا تعني شبكة ربط لانهائية من المعلومات المجانية التي تقدمها مواقع شخصية أو مؤسساتية مختلفة تـُحدَّث باستمرار دون المرور بمقصات رقيب أو بَحْلقة شك من حارس حدود يحرص على تفتيش نواياك أكثر مما يحرص على تفتيش أمتعتك . قد يكون هذا الرقيب أو ذاك الحارس معذورا لأنه ينفذ مهامه الوظيفية لا أكثر ، وقد يكون معذورا أكثر لأنه لا يعرف ما يدور حوله من ثورة تقنية تضحك من سذاجته ملئ شدقيها .

ربما اعتقد هذا الرقيب أو ذاك الحارس أنه يستطيع منع دخول مجلة ثقافية عبر صلاحيات كرسيه الوثير أو منفذه الحدوديّ المؤتمن على حمايته ، ولكن كيف سيبرر من وضعه في هذا المنصب الحساس والبالغ الخطورة تراجعه عن قرارات موظفيه والسماح لتلك المجلة بالدخول بعد اكتشاف أنها مقروءة وبالمجان عبر شبكة المعلومات " الإنترنت " ؟!

قرار حكيم طبعا أن يتراجع من بيده سلطة المنع والمصادرة عن بعض قرارات رقبائه وحرس حدوده ، ولكن القرار الأكثر حكمه هو أن يعي حقيقة عدم قدرته على شل الفضاء الإلكتروني وعدم السماح له بالمرور عبر رقعته الأرضية .

لازمتني حادثة مصادرة العدد الأخير (نوفمبر / ديسمبر) من مجلة الآداب البيروتية ومنعها من الدخول في بعض عواصمنا العربية "يحفظها الله" وأنا أتجول بين منصات عرض الكتب في معرض الكويت السابع والعشرين أجتر حزني كلما سألت ناشرا عن عنوان من عناوين قائمتي الطويلة والتي تتضخم يوما بعد يوم أدوّن على هامشها : " منع بسبب الرقابة " ؛ فهذا الفتات الذي سُمِح لنا بتناوله لا يسد جوعنا المستمر الذي لا يعترف بحدود الوصاية المفروضة على جسد الثقافة .. وفي المقابل ، تماماً ، هناك عشرات الآلاف لعناوين كتب الشعوذة الجديدة التي يروِّج لها أصحابها تحت عباءة الدين تنتهك حرمة ذلك الجسد طولا وعرضاً ؛ فهل كثير علينا أن نطالب ببعض الإنصاف في اقتسام جسد الوليمة الثقافية ؟! 

http://www.ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=589
 

No comments:

Post a Comment