Sunday, June 1, 2014

شمس ذلك المساء ... ترجمة : ناصر الظفيري

شمس ذلك المساء ... ترجمة : ناصر الظفيري
دفاترأفق : الثلاثاء 01 أبريل 2003

ملف خاص .. ترجمات

قصة : وليام فوكنر
ترجمة : ناصر الظفيري

لا يختلف يوم الأثنين الآن فى ( جيفرسون ) عن أي يوم من أيام الأسبوع . الشوارع معبدة ومرصوفة وشركات الكهرباء والهواتف تجتث المزيد والمزيد من الأشجار المظلة ــ بلوط المستنقع , شجر القيقب , الخرنوب والدردار ــ لصنع مكانا للأعمدة الحديدية والتي تحمل عناقيد العنب المنتفخ والشاحب , ولدينا مصبغة المدينة والتي تبدأ جولتها صباح كل أثنين تجعل أكوام الملابس بسيارات زاهية الألوان مصنوعة خصيصا لذلك , الملابس القذرة لأسبوع كامل تفر كشبح خلف الأبواق الكهربية المنبهة والنزقة . مصحوبا بضجة تتضاءل للمطاط على الإسفلت كحرير يتمزق , وحتى المرأة الزنجية التي تجمع غسيل الرجل الأبيض على العادة القديمة , أصبحت تأخذ الملابس وتعيدها بالسيارة .

ولكن منذ خمس عشرة سنة خلت , في صباح يوم الأثنين تمتلئ الشوارع الهادئة والمغبرة والمورفة الظلال بنساء زنجيات وعلى رؤوسهن المنتصبة والمعممة أكوام الغسيل ملفوفة بملاءات بحجم حزمة القطن , تحمل هكذا بلا لمسة واحدة من أيديهن بين باب المطبخ لبيت البيض وحتى نقطة الغسيل بجوار كابينة الزنجي .

تضع ( نانسي ) كومتها على قمة رأسها وأثناء دوران الكومة تضع قبعة صياد من القش والتي ترتديها صيفا وشتاء . كانت طويلة بوجه حزين وغائر قليلا كما أنها فقدت أحد أسنانها . أحيانا كنا نرافقها لجزء من الطريق وقاطعين المرعى العشبي لنراقب الكومة المتزنة والقبعة التي لا تتمايل ولا تهتز , وحتى وهي تنحدر من الخندق وترتقى الجهة الأخرى وتنحني من خلال السور . كانت تنزل على يديها وركبتيها وتحبو من الفتحة , رأسها ثابت لا تتحرك والكومة ثابتة كصخرة أو بالون , ثم تنهض على قدميها ثانية وتكمل مسيرها .

أحيانا ما يقوم أزواج نساء الغسيل بجلب وإعادة الملابس , ولكن ( جيسس ) لم يفعل ذلك لنانسي , حتى قبل أن يأمره والدي من عدم الأقتراب من منزلنا , وحتى حين مرضت ( دلسي ) وجاءت نانسي لتطبخ لنا .

كنا حينها ومرات عديدة نذهب عبر السكة لكابينة نانسي ونأمرها بالمجيء لعمل افطارنا كنا نتوقف عند الخندق , لأن والدنا أخبرنا ألا تربطنا علاقة مع جيسس – كان رجل أسود ندبة شفرة أسفل وجهه – وكنا نرمي بيتها بالأحجار حتى تقترب من الباب , تميل برأسها من خلفه دون أن ترتدي ملابسها .

" ماذا تقصدون أنتم , تقذفون بيتي ؟ " تقول نانسي " ماذا تقصدون أيها الشياطين الصغار؟ ".

" والدي يقول لك أن تأتي لتحضير الافطار " قالت ( كادي ) " والدي يقول لقد مرت نصف ساعة الآن وعليك أن تأتي هذه اللحظة "

" أنا لم أدرس أي افطار " قالت نانسى " أنا ذاهبة لأخرج نومتي "

" أراهن أنك ثملة " قال جاسن " يقول والدي أنك ثملة . هل أنت ثملة , يا نانسي ؟ "

" من قال أنا أسكر " قالت نانسي " سأذهب لأخرج نومتى , أنا لم أدرس أي إفطار "

بعد لحظة نتوقف عن طرق الكابينة ونعود أدراجنا إلى البيت , وحين تأتى أخيرا يكون الوقت متأخرا جدا للذهاب للمدرسة . وكنا نظنه الويسكى حتى ذلك اليوم الذى أعتقلت فيه مرة ثانية وأخذوها إلى السجن مرورا بالسيد ( ستوفال ) . كان محاسبا فى البنك وشماسا فى الكنيسة البابوية , وبدأت نانسي تقول " متى ستدفع لي أيها الرجل الأبيض ؟ متى ستدفع لي أيها الرجل الأبيض ؟ لقد مر ثلاث مرات الآن منذ أن دفعت لي سنتا واحدا " طرحها السيد ستوفال أرضا ولكنها ظلت تقول " متى ستدفع لي أيها الرجل الأبيض ؟ لقد مر ثلاث مرات منذ ..." حتى ركلها السيد ستوفال على فمها بكعب قدمه وأبعده المارشال عنها وبقيت نانسي مطروحة على الطريق , تضحك . أدارت رأسها وبصقت الدم وأحد أسنانها " لقد مر ثلاث مرات الآن منذ أن دفع لي سنتا " قالت .

ذلك كيف فقدت سنها , وطيلة ذلك اليوم كانوا يتحدثون عن نانسي والسيد ستوفال , وطيلة تلك اليلة كل من يمر بالسجن يكاد يستمع لنانسى تغني تصيح . يكادون يرون يديها متشبثة بقضبان السجن وعدد كبير منهم يتوقفون على حافة السياج يستمعون للسجان وهو يطلب منها أن تصمت . لم تصمت حتى بزوغ النهار , حين سمع السجان اهتزازا واحتكاكا فى الأعلى وحين صعد الى هناك رأى نانسى معلقة من قضبان شباك السجن . قال إنه الكوكايين وليس الويسكي , لأن الزنجي لا ينتحر إلا إذا كان مليئا بالكوكايين , ولأن زنجيا مشبعا بالكوكايين ليس زنجيا على الإطلاق .

أنزلها السجان وحاول إسعافها ثم ضربها وجلدها . لقد شنقت نفسها بفستانها , لقد رتبت ذلك بشكل جيد ولكنهم حين اعتقلوها لم يكن عليها سوى الفستان ولذا لم تجد شيئا لتربط يديها ولم تستطع إطلاق يديها من رف النافذة . حين سمع السجان الضجة هرع إليها ليجد نانسي معلقة من النافذة عارية وبطنها متورم كبالون صغير .

حين كانت دلسي مريضة فى كابينتها ونانسي تطبخ لنا , كنا نرى مريلتها منتفخة للخارج . كان ذلك قبل أن يطلب والدى من جيسس الإبتعاد عن منزلنا . كان جيسس بالمطبخ يجلس خلف الموقد , بندبة الشفرة على وجهه الأسود كغرزة قذرة . كان يقول أن تلك بطيخة التي تحملها نانسي تحت فستانها .

" ولم تأت من كرمتك مع ذلك " قالت نانسي .

" من أي كرمة ؟ " قالت كادي

" أستطيع أن أجتث الكرمة التي أتت منها " قال جيسس .

" مالذى يجعلك تود الحديث هكذا أمام هؤلاء الأطفال " قالت نانسي " لماذا لا تذهب إلي عملك أنت تفعلها تريد السيد جاسن أن يمسك بك تحوم حول مطبخه , تتحدث هكذا أمام الأولاد ؟ "

" يتحدث بأى طريقة " قالت كادي " وأي كرمة ؟ "

" أنا لا أستطيع أن أحوم حول مطبخ الرجل الأبيض " قال جيسس " الرجل الأبيض يستطيع أن يحوم حول منزلي ولا أستطيع أن أرده . حين يدخل الرجل الأبيض إلى منزلي أكون بلا منزل . ولا أستطيع أن أرده ولكنه لا يستطيع أن يطردني منه لن يستطيع فعل ذلك ."

لازالت دلسي مريضة في كابينتها . أمر والدي جيسس أن يبعد عن المنزل . لازالت دلسي مريضة . منذ وقت طويل كنا في المكتبة بعد العشاء .

" هل أنهت نانسي عملها في المطبخ " قالت أمي " يبدو لي أن كثيرا من الوقت كان أمامها لتنهي غسل الأطباق "

" ليذهب كوينتن ويرى " قال والدي " أذهب وأنظر إن كانت قد انتهت , كوينتن ." قل لها باستطاعتها الذهاب للبيت "

ذهبت إلى المطبخ . كانت نانسي قد أنهت عملها . الأطباق بعيدة عنها والنار مطفأة . نانسي غاطسة فى المقعد , قريبة من الموقد البارد . نظرت نحوي .

" أمي تريد أن تعلم إن كنت انتهيت " قلت .

" نعم " قالت نانسي " لقد أنهيت كل شيء " كانت تحدق بي.

" ما الأمر ؟ " قلت " ما الأمر؟ "

" أنا لا شئ سوى زنجية " قالت نانسي " تلك ليست غلطتي "

حدقت بي , غاطسة فى المقعد أمام المقعد البارد , وقبعة القش على رأسها . عدت إلى المكتبة . إنه الموقد البارد وكل شيء , حين تفكر بالمطبخ دافئا ومزدحما ببهجة . ومع الموقد البارد والأطباق موضوعة جانبا , ولا أحد يريد أن يأكل بمثل هذا الوقت .

" هل انتهت نانسي ؟ " قالت أمي

" نعم يا أم " قلت

" وماذا تفعل ؟ " قالت أمي

" لا تفعل شيئا . لقد انتهت "

" سأذهب لأرى " قال والدي .

" ربما كانت تنتظر أن يأتى جيسس ليأخذها للبيت " قالت كادي

" لقد رحل جيسس " قلت " قالت لنا نانسي كيف استيقظت ذات صباح وكان جيسس قد رحل .

" لقد انتهى منى " قالت نانسي " رحل إلى ممفيس , أعتقد . ليتفاداهم لبعض الوقت شرطة المدينة , أعتقد .

" هم وأزيح " قال والدي " أتمنى أن يبقى هناك "

" نانسي ترعبها الظلمة " قال جاسن.

" وأنت كذلك " قالت كادي

" لست كذلك " قال جاسن

" قط مذعور " قالت كادي

" لست كذلك " قال جاسن

" أنت , كانديس " قالت أمي . عاد أبي

" سأرافق نانسي حتى السكة " قال " إنها تقول أن جيسس قد عاد.

" وهل رأته ؟ " قالت أمي .

" لا .. أحد الزنوج أرسل لها كلمات تقول أنه في المدينة . لن أتأخر ."

" وهل ستتركنى لوحدي لتأخذ نانسي إلى البيت ؟ " قالت أمي " هل سلامتها أغلى عندك من سلامتي ؟ "

" لن أتأخر " قال أبي .

وهل ستترك الأولاد دون حماية وذلك الزنجي حولهم "

" أنا سأذهب أيضا " قالت كادي " دعني أذهب يا أبي "

" وما الذى سيفعله بهم إذا لم يكن محظوظا تماما بامتلاكهم ؟ " قال والدي.

" وأنا سأذهب أيضا " قال جاسن .

" جاسن ! " قالت أمي . كانت تخاطب الوالد . تستطيع معرفة ذلك من طريقة لفظها الاسم . وكأنها تعتقد أن الأب يفكر بارتكاب الأفعال التي لا تحبذها وعرفت طيلة ذلك الوقت أنه كان يفكر فيه . بقيت صامتا , كنا نعلم أنا ووالدي أن والدتي تفضل بقائي معها إذا فكرت قليلا بالأمر لبرهة . ولم ينظر والدي إلي . كنت الأكبر . أنا في التاسعة وكادي في السابعة وجاسن في الخامسة .

" هراء " قال والدي " لن نتأخر كثيرا "

نانسي تضع قبعتها على رأسها . وصلنا السكة . " جيسس كان دائما طيبا معي " قالت نانسي " كلما امتلك دولارين كان أحدهما لي " . مشينا في السكة . " إذا عبرت هذه السكة فقط " قالت نانسي " سأكون على ما يرام حينها " .

كانت السكة معتمة دائما " هنا يرتعب جاسن فى الهالوين " قالت كادي .

" ليس صحيحا " قال جاسن

" ألم تفعل العمة راشيل شيئا حياله ؟ " قال والدي . العمة راشيل كانت عجوزا تسكن كابينة بالقرب من نانسي . لها شعر أبيض وتدخن الغليون وحيدة أمام الباب طيلة اليوم , لم تعد تعمل . كانوا يقولون أنها أم جيسس . وأحيانا تقول أنها أمه وأحيانا تقول أنها لا قرابة لها بجيسس .

" بل أنت كذلك " قالت كادي " أنت أجبن من فروني وأجبن من تي بي . أجبن من زنجي ".

" أليس بمقدور أحد أن يفعل شيئا معه ؟ " قالت نانسي " يقول أننى أيقظت الشيطان بداخله وليس ثمة شيء وحيد يطرحه أرضا ثانية ".

" حسنا لقد رحل الآن " قال والدي "وليس من شيء تخافينه الآن . لو أنك فقط تتركين الرجال البيض وشؤونهم ".

" تترك أي رجال بيض وشؤونهم ؟ " قالت كادي " كيف تتركهم وشؤونهم ؟ ".

" لم يذهب بعيدا " قالت نانسي " إنني أشعر به الآن فى هذه السكة . يستمع لكلامنا , لكل كلمة , يختبئ فى مكان ما , ينتظر . إننى لا أراه ولن أراه ثانية ولكن مرة أخرى بتلك الشفرة فى فمه . تلك الشفرة في الغرزة التي خلفه , في قميصه . وحينها لن أفاجأ أبدا ".

" إنني لم أخف " قال جاسن .

" لو أنك أحسنت التصرف لكنت بمنآى عن كل هذا " قال والدي " لكن كل شئ على ما يرام الآن من المحتمل أن يكون فى سانت لويس الآن . وربما لديه امرأة أخرى ونسي كل شيء عنك ".

" لو كان كذلك , فمن الأفضل ألا أعلم بالأمر " قالت نانسي " كنت سأقف على رأسيهما وكلما احتضنها , سأقطع يده . سأحتز رأسه وأشق بطنها .."

" اشششش " قال والدي .

" تشقين بطن من , يا نانسي ؟ " قالت كادي

" أنا لست خائفا " قال جاسن " أستطيع أن أعبر هذه السكة لوحدي "

" ياه " قالت كادي " لم لتجرؤ أن تضع قدمك عليها لو لم نكن معك ".

* * *

دلسي لا زالت مريضة , لذا كنا نصطحب نانسي كل ليلة إلى أن قالت أمي " إلى متى سيستمر هذا ؟ أنا أبقى هنا في هذا البيت الواسع فيما أنتم ترافقون زنجية خائفة "

ثبتنا سريرا متحركا لنانسي بالمطبخ . وفى إحدى الليالى استيقظنا على صوت . لم تكن تغنى ولا تبكي يصعد السلم المظلم . كان هناك نور في غرفة أمي وسمعنا أبي يهبط السلم الخلفي قادما من البهو ودخلنا أنا وكادي البهو كانت الأرضية باردة . أصابع قدمينا تتجعد بعيدا عنها أثناء سماعنا الصوت إنه يشبه الغناء ولا يشبه الغناء إنه الصوت الذي يصدره الزنجي عادة .

ثم توقف الصوت وسمعنا صوت والدنا يهبط السلم الخلفي , وذهبنا إلى رأس السلم ثم بدأ الصوت مرة أخرى فى ممر السلم ليس عاليا وكنا نرى عيون نانسي بمنتصف السلم مواجهة الحائط كانت عيناها كعيني هرة , عيني هرة كبيرة مواجهة الحائط ترمقنا وحين نزلنا السلم إلى حيث كانت تقف توقفت عن إصدار الصوت ثانية وبقينا متوقفين هناك حتى عاد والدي من المطبخ يحمل فى يده مسدسا . عاد مع نانسي إلى الأسفل ليعودا مرة أخرى بسرير نانسى .

فردنا السرير فى غرفتنا . بعد أن خبا الضوء فى غرفة أمي كنا نرى عيني نانسي ثانية.

" نانسي " همست كادي " هل أنت نائمة , نانسي ؟ ".

همست نانسي بصوت كان أوه أو لا , لا أعرف بالضبط . وكأنه لم يصدر عن أحد , كما لو كان يصدر من لا مكان ويمضى إلى لا مكان . حتى بدا الأمر وكأن نانسي ذاتها غير موجودة على الإطلاق . لقد حدقت بعينيها على السلالم حتى طبعتا على مقلي كما تفعل الشمس حين نغلق أعيننا وليس ثمة شمس ." جيسس " همست نانسي " جيسس ".

"هل هو جيسس ؟ " قالت كادي " هل حاول أن يدخل المطبخ ؟ ".

" جيسس " قالت نانسي.هكذا جيييييييييييييييييسس حتى تلاشى الصوت , كما يخبو الثقاب أو الشمعة .

" إنها تعني جيسس الآخر " قلت

" هل لك أن تريننا يا نانسي ؟ " همست كادي " هل ترين أعيننا أيضا ؟ ".

" أنا لست سوى زنجية ، " قالت نانسي " الله يعلم . الله يعلم ".

" ماالذى رأيته هناك المطبخ ؟ " همست كادي " ماالذى حاول الدخول ؟ ".

" الله يعلم , " قالت نانسي ، بإمكاننا أن نرى عينيها " الله يعلم ".

تحسنت صحة دلسي . طبخت الغداء " من الأفضل أن تستريحى يوما أو يومين " قال والدي .

" لأي شيء ؟ " قالت دلسي " لو تأخرت يوما آخر لأصاب المكان العث والتلف . أخرج من هنا الآن ودعني أقوّم مطبخي كما يجب "

طبخت دلسي العشاء أيضا . وفى تلك الليلة قبل حلول الظلام دخلت نانسي المطبخ .

" كيف علمت أنه عاد ؟ " قالت دلسي " أنت لم تريه "

" إن جيسس زنجي " قال جاسن .

" أنا أشعر به " قالت نانسي " إننى أحس أنه مستلق على الخندق ".

" الليلة ؟ " قالت دلسي " هل هو هناك الليلة ؟ ".

" دلسي زنجية أيضا " قال جاسن .

" هل أكلت شيئا ؟ " قالت دلسي .

" لا أريد شيئا " قال جاسن .

" هل تشربين القهوة ؟ " قالت دلسي . صبت فنجانا من القهوة لنانسي " هل تعلمين أنه هناك الليلة ؟ " كيف تعلمين أنه هناك الليلة ؟ ".

" أنا أعلم " قالت نانسي " إنه هناك ينتظر . أنا أعلم لقد عشت طويلا معه . إننى أعلم ما يدبره كما يعلم هو ذلك نفسه ."

" اشربى بعض القهوة " قالت دلسي . رفعت نانسي القهوة لفمها ونفخت فى الفنجان . تمط فمها كأفعى , كفم من المطاط , كما لو أنها نفخت كل اللون من شفتيها وهى تنفخ القهوة .

" أنا لست زنجيا " قال جاسن . " هل أنت زنجية نانسي ؟."

" أنا وليدة الجحيم , يا طفل " قالت نانسي " سأكون لاشيء قريبا . سأعود من حيث جئت قريبا ."

* * *

بدأت تشرب القهوة . وهى تشرب حاملة الفنجان بكلتا يديها , وأخرجت ذات الصوت مرة أخرى . صنعت الصوت فى الفنجان فسالت القهوة على يديها وثوبها . رمقتنا وعادت لتجلس هناك , كوعاها على ركبتيها تمسك الفنجان بكلتا يديها تنظر إلينا من خلال الفنجان المبتل , وتخرج الصوت .

" انظروا إلى نانسي " قال جاسن " نانسي لن تستطيع الطبخ لنا الآن . دلسي تحسنت الآن ."

" اششششش أنت " قالت دلسي . نانسي تمسك الفنجان تنظر الينا , وتخرج الصوت . كأنها اثنتان الآن احداهما تمسك الفنجان والأخرى تخرج الصوت . " لماذا لا تتركين السيد جاسن يتصل بالمرشال ؟ ". قالت دلسي . وقفت نانسي حينها ممسكة الفنجان بيديها البنيتين . تحاول أن تشرب بعض القهوة ثانية , ولكنها أسالت القهوة على يديها وفستانها , وضعت الفنجان . جاسن ينظر إليها .

" لا أستطيع بلعه ؟ " قالت نانسي " إننى أبلع ولكنه لا يمر إلى داخلي ".

" اذهبى إلى الكابينة الآن " قالت دلسي " سيحمل فروني سريرك وسأوافيك هناك قريبا "

" لا يستطيع زنجي أن يوقفه " قالت نانسي.

" أنا لست زنجيا " قال جاسن" أليس كذلك , دلسي "

"أعتقد لا " قالت دلسي . ونظرت إلى نانسي .

"لا أعتقد هذا . وما الذي ستفعلينه إذن ؟ ".

نظرت نانسي إلينا . نحونا نحن الثلاثة بوقت واحد " أنتم تذكرون تلك الليلة حين نمت في غرفتكم " قالت . أخبرتنا كيف استيقظنا مبكرين صباح اليوم التالي ولعبنا . كنا لعبنا بهدوء على سريرها حتى استيقظ والدي ليدعونا للإفطار . " اذهبوا واسألوا أمكم أن تسمح لي بالنوم هنا الليلة ," قالت نانسي " لا أحتاج للسرير , سنلعب أكثر ".

ذهبت كادي لتسأل أمي وجاسن ذهب أيضا ." لن أسمح للزنوج بالنوم فى الغرف " قالت أمي . بكى جاسن . ظل يبكى حتى هددته أمى بأن تمنع عنه الحلوى لثلاثة أيام إذا لم يتوقف عن البكاء . حينها قال جاسن أنه سيتوقف إذا ما عملت دلسي قالب الشكولاته . أبى كان هناك .

" لماذا لا تفعل شيئا حيال الأمر ؟ " قالت أمي " لماذا لدينا شرطة إذن ؟ ".

" لماذا تخاف نانسي من جيسس ؟ " قالت كادي . " هل تخافين أبي ماما ؟ "

" وماذا ستفعل الشرطة ؟ " قال أبي " إذا لم تره نانسي فكيف ستجده الشرطة ؟ ".

" إذن لماذا هى خائفة ؟ " قالت أمي .

" تقول إنه هناك . تقول إنها تعلم أنه هناك "

" ونحن ندفع الضريبة " قالت أمي " علي البقاء فى المنزل الكبير بينما ترافق امرأة زنجية للبيت "

" تعلمين أنني لا أضطجع فى الخارج حاملا شفرتي " قالت والدتي.

" سأتوقف اذا عملت دلسي قالب الشكولاته " قالت كادي.

طلبت والدتي أن نخرج وقال والدي إنه لا يعلم إذا ما كان جاسن سيحصل قالب الشكولاته أم لا ولكنه سيعلم ما الذى سيحصل عليه جاسن خلال دقيقة . عدنا الى المطبخ وأخبرنا نانسي .

" الأب يقول لك اذهبي الى البيت واغلقي عليك الباب , ستكونين بخير " قالت كادي. " بخير من ماذا , نانسي ؟ هل جيسس غاضب منك ؟ ". تحمل نانسي فنجان القهوة بيديها ثانية , كوعاها على ركبتيها . كانت تنظر فى الفنجان . " مالذى فعلته ليغضب منك جيسس ؟ ". قالت كادي تركت نانسي الفنجان من يديها , لم ينكسر لكن القهوة سالت منه , وجلست نانسي هناك يديها تشكل الفنجان . بدأت تخرج الصوت . ليس غناء وليس لا غناء . كنا نراقبها .

" أنت ," قالت دلسي " توقفى عن هذا الآن , ستجنين . انتظرى هنا سأذهب إلى فيرش ليرافقك الى المنزل " خرجت دلسي .

نظرنا الى نانسي . كتفاها يهتزان , لكنها توقفت عن اصدار الصوت .

" مالذى سيفعله بك جيسس " قالت كادي " لقد رحل بعيدا "

نظرت نانسي إلينا ." لقد مرحنا تلك الليلة التي أمضيتها في غرفتكم , أليس كذلك ؟ "

" ليس أنا " قال جاسن " أنا لم أمرح ".

" كنت نائما فى غرفة أمك " قالت كادي" أنت لم تكن هناك ".

" هيا نذهب الى منزلي ونمرح أكثر" قالت نانسي.

"أمي لن تسمح لنا ." قلت " ان الوقت متأخر ".

"لا تزعجها " قالت نانسي." سنقول لها فى الصباح . لن تمانع ".

" لن تسمح لنا " قلت.

" لا تسألها الآن " قالت نانسي . " لا تزعجها الآن ".

" إنها لم تقل أنه ليس بوسعنا الذهاب " قالت كادي.

" إننا لم نسألها " قلت.

" إذا ذهبت سأخبرها أنا " قال جاسن.

" سنمرح هناك " قالت نانسي." لن يمانعوا فقط إلى منزلي , لقد عملت كثيرا فى منزلكم . لن يمانعوا ".

" أنا لا أخشى الذهاب " قالت كادي " جاسن هو الخائف . سيشي بنا "

" لست كذلك " قال جاسن.

"نعم أنت كذلك " قالت كادي " ستشي بنا "

" لن أشى بكم " قال جاسن " وأنا لست خائفا "

" جاسن ليس خائفا من الذهاب معي " قالت نانسي ." أليس كذلك , جاسن ؟ ".

"جاسن سيشي بنا " قالت كادي . السكة مظلمة . عبرنا بوابة المرعى " أراهن لو قفز شئ من خلف البوابة سيصرخ جاسن "

" لن أفعل ". انحدرنا الى الأسفل . كانت نانسي تتكلم بصوت مرتفع .

" لماذا تتكلمين بصوت مرتفع , نانسي ؟ " قالت كادي.

" من , أنا ؟ " قالت نانسي ." استمعوا الى كوينتن وكادي وجاسن يقولون أنني أتحدث بصوت مرتفع ".

" تتكلمين وكأن خمسة منا هنا " قالت كادي " تتكلمين وكأن أبي معنا أيضا ".

" من أنا أتكلم بصوت مرتفع , سيد جاسن ؟ " قالت نانسي.

" نانسي تلقب جاسن بالسيد " قالت كادي.

" استمعو كيف يتكلم كادي وكوينتن وجاسن " قالت نانسي.

" نحن لا نتكلم بصوت مرتفع " قالت كادي " أنت من يتكلم كما يتكلم أبي ".

" اشششش " قالت نانسي . كانت تتكلم بصوت مرتفع ونحن نعبر الخندق ونمر من فتحة السياج حيث كانت تمر والملابس على رأسها . وصلنا إلى بيتها . كنا مسرعين إذن . فتحت الباب . رائحة بيتها تشبه رائحة المصباح ورائحة نانسي تشبه الذبالة . كأنما انتظرا بعضهما ليبعثا رائحتيهما . أشعلت المصباح وأغلقت الباب رافعة القضيب إلى الأعلى . توقفت عن التحذث بصوت عالي , ونظرت إلينا .

" ما الذى سنفعله ؟ " قالت كادي .

" ماذا تريدون أن تفعلوا " قالت نانسي .

" قلت سنمرح قليلا " قالت كادي .

هناك شئ عن بيت نانسي شئ تشم رائحته بالاضافة لرائحة البيت ونانسي . حتى جاسن شمها " لا أريد البقاء هنا " قال " أريد الذهاب إلى البيت ".

" اذهب إلى البيت " قالت كادي .

" لا أريد الذهاب بمفردي " قال جاسن .

" سنقوم ببعض المرح " قالت نانسي.

" كيف ؟ ". قالت كادي .

وقفت نانسي إلى الباب . كانت تنظر إلينا كما لو أنها كانت قد أفرغت عينيها . كأنها توقفت عن استخدامهما ." ما الذى تريدون فعله ؟ " قالت .

" قولى لنا حكاية " قالت كادي ."هل تعرفين حكاية ؟ "

" نعم " قالت نانسي .

" قوليها " قالت كادي . نظرنا إلى نانسي " أنت لا تعرفين أي حكاية "

" نعم " قالت نانسي " نعم أعرف "

جاءت وجلست على الكرسى أمام المدفأة . كان فيها بقايا نار . أشعلتها نانسي أكثر , حيث كانت متقدة . أحيت لهبا جيدا . وقالت لنا قصة . كانت تتحدث كما لو أن عينيها تنظر إلينا وصوتها يحدثنا ولا يمت لها بصلة . كأنها تعيش فى مكان آخر , تنتظر فى مكان آخر . كانت خارج الكابينة . كان صوتها فى الداخل وشكلها , نانسي التي استطاعت أن تنحني تحت سياج الأسلاك الشائكة تحمل حزمة الغسيل على رأسها كأنها عديمة الوزن كبالون , كانت هناك . ذلك كل شيء . " وهكذا كانت الملكة تتمشى حتى المنحدر , حيث يختبئ الرجل الشرير كانت تسير إلى أعلى الأخدود وتقول " لو أستطيع قطع هذا الأخدود " ما الذى كانت تقوله ......"

" أى أخدود ؟ " قالت كادي ." هل هو أخدود كالذى هناك ؟ " لماذا تريد الملكة الذهاب الى الأخدود ؟ "

" تريد أن تصل إلى بيتها " قالت نانسي . نظرت إلينا ." عليها أن تصل إلى بيتها عبر الأخدود بسرعة وتغلق الباب بالمزلاج " .

" لماذا تريد الذهاب إلى البيت وإغلاق الباب ؟ " قالت كادي .

* * *

نظرت نانسي إلينا . توقفت عن الكلام . نظرت إلينا . رجلا جاسن علقتا خارج بنطاله حيث كان يجلس فى حجر نانسي .

" لا أظنها قصة جيدة " قال " أريد الذهاب إلى المنزل ".

" ربما كان لدينا أفضل ". قالت كادي . نهضت عن الأرض ." أراهن أنهم يبحثون الآن ". اتجهت نحو الباب .

" لا ," قالت نانسي " لا تفتحي الباب ." نهضت بسرعة وتجاوزت كادي . لم تمسك الباب أو المزلاج الخشبي .

" لم لا ؟ " قالت كادي .

" عودي الي المصباح " قالت نانسي . " سنمرح , ليس عليكم أن تذهبوا ".

" علينا أن نذهب " قالت كادي . " إلا ذا مرحنا كثيرا " عادت هي وكادي إلى النار , إلى المصباح .

" أريد الذهاب إلى البيت ," قال جاسن . " أنا سأخبر."

" أعرف قصة أخرى " قالت نانسي . جلست قريبة من المصباح . نظرت إلى كادي , كما تنظر عيناك إلى عصا معلقة باتزان على أنفك . كان عليها أن تنظر إلى الأسفل لترى كادي . لكن عينيها تنظر هكذا , كما تنظر إلى عصا متزنة .

" لن أستمع إليها ," قال جاسن . " سأنفجر على الأرضية ".

" إنها قصة جيدة " قالت نانسي . " إنها أفضل من الأولى."

" عم تتحدث ؟ " قالت كادي . كانت نانسي تقف إلى المصباح . يدها على المصباح , مواجهة المصباح , طويلة وبنية .

" يدك على هذا المصباح الحار " قالت كادي " ألا تحسين بحرارته ".

نظرت نانسي إلي يدها على مدخنة المصباح . سحبتها بعيدا ببطء . وقفت هناك , تنظر إلى كادي , تلوي يدها الطويلة وكأنها مربوطة إلى خصرها بحبل .

" فلنفعل شيئا آخرا " قالت كادي .

" أريد الذهاب إلى البيت " قال جاسن .

" لدي بعض الفشار " قالت نانسي . نظرت إلى كادي ثم إلى جاسن ثم إلي وإلى كادي مرة أخري " لدي بعض الفشار ".

" أنا لا أحب الفشار" قال جاسن ." أفضل الحلوى ".

نظرت نانسي إلى جاسن . " تستطيع أن تمسك الكباس ".

لا زالت تلوي يدها , كانت طويلة وملوية وبنية .

" حسنا " قال جاسن ." سابقى قليلا إذا استطعت ذلك . كادي لا تستطيع الإمساك به . سأذهب إلى البيت ثانية إذا حملت كادي الكباس ".

أشعلت نانسي النار ." أنظر إلى نانسي تضع يدها على النار . ماذا دهاك يا نانسي ؟ "

" لدي فشار " قالت نانسي " لدي القليل " . تناولت الكباس من تحت السرير . كان مكسورا . بدأ جاسن بالبكاء .

" الآن لن نحصل على الفشار ." قال .

" علينا الذهاب إلى البيت على أية حال " قالت كادي " هيا يا كوينتن ".

" انتظروا " قالت نانسي " سأقوم بإصلاحه . ألن تساعدوني بإصلاحه ".

" لا أظننى أريد فشارا " قالت كادي " تأخر الوقت الآن ".

" أنت ستساعدني يا جاسن " قالت نانسي " هل تريد مساعدتي ".

" لا " قال جاسن ." أريد الذهاب إلى البيت ".

" اشش " قالت نانسي " اشش . راقبوا . راقبوني أستطيع أن أصلحه بحيث يمسكه جاسن ويكبس الفشار " .

أحضرت قطعة سلك وثبتت الكباس .

" لن يثبت جيدا " قالت كادي .

" سيثبت " قالت نانسي. " سوف ترين . أنت ستساعديني فى وضع الفشار."

كان الفشار أيضا تحت السرير . رميناه بالكباس ونانسي تساعد جاسن بإمساك الكباس فوق النار .

" لن ينضج " قال جاسن " أريد الذهاب إلى البيت " . " انتظر " قالت نانسي . " لقد بدأ ينضج وبعد ذلك سنمرح ".

كانت تجلس قريبا من النار . وكان المصباح مشتعلا عاليا حتى بدأ الدخان يعلو منه " لم لا تخفضينه قليلا ؟ " قلت.

" حسنا " قالت نانسي . " سأنظفها أنتم انتظروا . الفشار سيبدأ بعد دقيقة ."

" لا أصدق أنه سيبدأ ". قالت كادي . " علينا أن نبدأ بالذهاب الى البيت . سيقلقون علينا ".

" لا " قالت نانسي ." سينضج الفشار دلسي ستخبرهم أنكم عندي لقد عملت معكم منذ زمن طويل . لن يمانعوا أن تكونوا معي . أنتم انتظروا الآن سينضج في أي دقيقة ."

دخل الدخان فى عيني جاسن وبدأ بالبكاء . ألقى الكباس فى النار . تناولت نانسي خرقة مبتلة ومسحت وجه جاسن . ولم يتوقف عن البكاء .

" اششش " قالت . " اششش" ولم يسكت . تناولت كادي الكباس من النار .

" لقد احترق " قالت " عليك إحضار بعض الفشار , نانسي ".

" هل وضعت كل الفشار " قالت نانسي .

" نعم " قالت كادي . نانسي نظرت إليها . ثم أخذت الكباس وسكبت الرماد فى مريلتها وأخذت تفرز الحبوب , يداها طويلتان وبنيتان ونحن نراقبها .

" أليس لديك فشار ؟ " قالت كادي.

" نعم " قالت كادي " نعم , انظروا هذه هنا لم تحترق كل ما عليك عمله هو هذا ".

" أريد الذهاب الى البيت " قال جاسن . " أنا سأشي ".

" اششش " قالت كادي . كنا جميعا نصغي . رأس نانسي كان اتجه إلى الباب الموصد , عيناها امتلأتا بأحمر المصباح " أحدهم قادم " قالت كادي .

وعادت نانسي لتخرج ذات الصوت مرة أخرى , ليس عاليا , تجلس حول الموقد , يداها الطويلتان تتدليان بين ركبتيها . ماء وجهها المفاجئ بدأ بالخروج إلى سطح وجهها كقطرات كبيرة تحمل كل منها كرة صغيرة من ضوء النار مشتعلة حتى تسقط بعيدا عن ذقنها ." انها لا تبكي " قلت.

" أنا لا أبكي " قالت نانسي . عيناها مغمضتان . " أنا لا أبكي . من هناك ؟ ".

" لا أدري " قالت كادي . ذهبت إلى الباب ونظرت خارجا. " علينا الذهاب الآن " قالت . " ها قد جاء والدنا ".

" أنا سأشي " قال جاسن " أنتم أحضرتموني ".

لازال الماء يسيل من وجه نانسي . استدارت بمقعدها ." اسمع . قل له . قل له كنا سنمرح . قل له أننى كنت أعتنى بكم حتى الصباح . قل له أن يسمح لى بالذهاب معكم والنوم على الأرض . قل له لا أحتاج إلى سرير . سنمرح . تذكر كيف مرحنا آخر مرة ."

" أنا لم أمرح ," قال جاسن " لقد آذيتنى . وضعت الدخان في عيني. أنا سأشي ".

* * *

دخل الأب . نظر الينا. ولم تنهض نانسي.

" قل له " قالت .

" كادي جعلتنى آتي إلى هنا " قال جاسن " لم أكن أرغب ".

تقدم الأب إلى النار . نظرت نانسي نحوه ." ألن تذهبى لتقيمي عند العمة راشيل ". قال .

نظرت نانسي إلى الأب , يداها بين ركبتيها " إنه ليس هنا " قال الأب . " كنت سأراه . ليس ثمة روح فى المكان ."

" إنه فى الأخدود " قالت نانسي . " إنه ينتظر أسفل الأخدود ".

" هراء " قال الأب " هل تعلمين أنه هناك ؟ ".

" لدى العلامة " قالت نانسي .

" أية علامة ؟ ".

" إنها لدي . كانت موجودة على الطاولة حين دخلت . إنها عظم خنزير , عليها دم الحم , ملقية بجانب المصباح . إنه هناك . حين تخرجون من الباب أكون ذهبت ".

" ذهبت الى أين ؟ ". قالت كادي .

" أنا لست نماما ". قال جاسن .

" هراء ". قال الأب .

" إنه هناك " قالت نانسي . " إنه ينظر من النافذة الآن . ينتظر أن تذهبوا . ثم أذهب ".

" هراء ", قال والدي " أغلقي البيت ودعينا نأخذك إلى العمة راشيل ."

" ذلك لن يجدي " قالت نانسي . إنها لا تنظر إلى الوالد الآن, لكنه نظر إليها من الأسفل , إلى يديها النحيفتين الطويلتين . " إن إطفاءها لن يجدي نفعا ".

" إذن ماذا ستفعلين ؟ " قال الوالد.

" لا أعلم " , قالت نانسي " أنا لن أفعل شيئا . فقط أطفئها . وذلك لم يجدي شئيا . أظن أن ذلك يعنيني . أظن أن ما سأناله ليس أكثر مما هو لي ".

" ستحصلين على ماذا ؟ " قالت كادي " ماهو الذي لك ؟ "

" لا شيء " قال الوالد " أنتم جميعا يجب أن تذهبوا للنوم ."

" كادي جعلتني أحضر " قال جاسن .

" اذهبي إلى العمة راشيل " قال الوالد .

" ذلك لن يجدي " قالت نانسي . جلست بالقرب من النار , كوعاها على ركبتيها . " حين يكون حتى مطبخكم لن يجدي , حين يكون حتى النوم على الأرض فى غرفة الأطفال , وفي الصباح التالي أنا هنا , والدم ..."

" اسكتي " قال الوالد " اغلقي الباب واطفئي المصباح ثم اخلدي للنوم ".

" انني أخاف الظلمة " قالت نانسي " أخاف أن يحدث ذلك في الظلام ".

" هل تنوين البقاء جالسة هنا والمصباح مضاء ". قال الوالد. وبدأت نانسي تخرج الصوت ثانية , جالسة قبالة النار , يداها الطويلتان بين ركبتيها ." آه , اللعنة ," قال الوالد " هيا يا أولاد لقد فات موعد نومكم ".

" حين تذهبون إلى بيتكم أكون انتهيت " قالت نانسي . إنها تتكلم بهدوء الآن , وجهها يبدو هادئا كيديها " على أية حال لدي أموال كفني مدخرة عند السيد لفليدي ." السيد لفليدي كان رجلا قصيرا قذرا يجمع تأمين الزنوج , كل يوم سبت يمر أمام الكبائن أو المطابخ ليجمع خمسين سنتا . يعيش هو زوجته في فندق . ذات صباح انتحرت زوجته . كان لديهما طفل , بنت صغيرة. اصطحبها ومضى بعيدا . بعد أسبوع أو اسبوعان عاد وحيدا . كان لنا أن نراه يجول فى الأزقة والشوارع الخلفية فى صباحات السبت .

" هراء " قال الوالد . " ستكونين أول من أراه في المطبح صباح الغد ."

" سترى ما ترى , أعتقد " قالت نانسي . " ولكن الله هو الذى له أن يقول ما هو ."



* * *

لقد تركناها تجلس قبالة النار .

" تعالي وأغلقي المزلاج " قال الوالد. لكنها لم تتحرك. لم تنظر إلينا ثانية , تجلس بهدوء هناك بين المصباح والموقد . ومن مسافة فى الزقاق كان لنا أن نراها من خلال الباب المفتوح .

" ماذا يا أبي ؟ " قالت كادي " مالذى سيحدث ؟ "

" لا شيء " قال الوالد . كان جاسن على ظهر الوالد , لذا كان جاسن أطول منا جميعا . انحدرنا إلي الأخدود . نظرت إليه , هادئا لم أر الكثير حيث تداخلت الظلال وضوء القمر .

" لو أن جيسس مختبئ هنا سيرانا , أليس كذلك ؟ " قالت كادي .

" إنه ليس هناك " قال الوالد . " لقد رحل بعيدا منذ زمن طويل ."

" أنت جعلتنى أحضر " قال جاسن من عل وبدا الوالد برأسين على الأرض , أحدهما صغير والآخر أكبر " لم أكن أود ذلك ".

اعتلينا الأخدود , لازلنا نرى بيت نانسي والباب المفتوح , ولكننا لا نرى نانسي الآن , تجلس قبالة الموقد والباب مفتوح , لأنها تعبة . " لقد تعبت فقط " قالت " أنا لاشيء سوي زنجية وتلك ليست غلطتي ".

ولكننا نسمعها , لأنها بدأت حين خرجنا من الأخدود , وذلك الصوت لم يكن غناء أو لاغناء " من الذي سيعمل لنا الغسيل الآن يا أبي " قلت .

" أنا لست زنجيا " قال جاسن , عاليا وقريب من رأس الأب .

" أنت أسوأ " قالت كادي " أنت واش " لو أن شيئا قفز لارتعبت أكثر من زنجي ."

" لن أفعل " قال جاسن .

" كنت ستبكي " قالت كادي .

" كادي " قال الوالد .

" لن أفعل " قال جاسن .

" قطة خائفة " قالت كادي .

" كانديس " قال الوالد .
 

No comments:

Post a Comment