الشعر والحرب ... محمد جابر النبهان
هل تستطيع القصيدة أن توقف الحرب ؟ الواقع يؤكد الإستحالة ، وإن حدث – ولو بمحض الصدفة – لتغير وجه التاريخ وما عليه من علامات فارقة ، ففي السابق كان بإمكان الشاعر أن يشعل حرباً ضروساً بقصيدة أو يخمدها بأخرى ، ذلك زمن مضى ، حين كان الشاعر هو الناطق الرسمي للقبيلة أو المعارضة على حد السواء . أما اليوم فلا يستطيع إلا أن يصرخ بكلمات تتلمس أبواب حرية ، مفقودة في عتمة غرف خالية إلا من صدى يتكسر على أبيات قصيدته أو مهدورة تحت أقدام العسكر ، الأمر الذي يدعونا للتساؤل عن دور الفن في تغيير الواقع – موضوع محورنا لهذا العدد ؟ عندما ألغت السيدة الأولى الأمسية الشعرية السنوية التي كان مقرراً أن تقام في البيت الأبيض لمناقشة أعمال ثلاثة من أبرز الشعراء الأمريكيين وهم أميلي ديكنسون ، لانكستون هيكز ، ووالت وايتمان ، بعدما وصلها قرار مجموعة من الشعراء على رأسهم سام هاميل Sam Hamill تحويل الندوة إلى مظاهرة شعرية ضد الحرب ، لم تلتفت السيدة الأولى إلى ما يمكن أن تقوله هذه القصائد خارج البيت الأبيض ، فهي " لا تؤمن أن الشعر يجب أن يستخدم للأغراض السياسية " ، وليقرأ الشعراء قصائدهم أو يتظاهر المتظاهرون فالحرب قائمة وإن أقيمت في يوم واحد وهو يوم أمسية البيت الأبيض الملغية قرابة 160 أمسية شعرية حول العالم . رغم ما للمثقف الغربي من صوت قد يصعد أحياناً فوق صوت السياسي إلا أن حاملة الطائرات لن تحول القصيدة مسارها ، فقد ينتصر الحرب على الشعر ، إنما ما هو مصير الشعر الذي أعلن حربه على الحرب ؟ قد لا يكون من شأن الشعر أن يوقف الحرب ولكن هل سيموت ويدفن تحت أنقاض جدران متهدمة أم ينهض من أكوام الرماد ليصرخ أقوى في وجه قاتلين اثنين ، الأول لا يلتفت إليه والثاني يلبسة خوذة ويلقيه في الساتر الأمامي . لم يستطع الشعر أن يوقف حرباً في هذا العصر وإن صرّح بالإدانة وأزعج السياسيين . لم تستطع قصيدة درويش أن تطرد المحتل من الأرض ، من الأسماء ، من غبار الكلمات العابرة رغم أنها استطاعت أن تزعجه في برلمانه ، كما لن يضر السيد الأول شيئا أن يصرح شاعر مثل سام هاميل بأنه سيغلق جهاز التلفزيون – كعادته دائما – عندما يظهر الرئيس بابتسامته البلهاء متحدثا عن القنابل التي ستسقط . فالحرب ستقع حتماً ، وربما قبل أن يتسلم البيت الأبيض ملفاً مطبوعاً يضم قصائد أكثر من تسعة آلاف شاعر يدينون الحرب ، ولا يتمنون – كلهم – أن تلقى قصائدهم في سلة مهملات السيدة الأولى . فالحرب وقعت أمس مرة أخرى .
http://www.ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=696
|
No comments:
Post a Comment