Sunday, June 1, 2014

للموت اشتهاءات ... ناصر الظفيري *

لموت اشتهاءات ... ناصر الظفيري *
دفاترأفق : الأثنين 01 يناير 2001

السماء صافية .. ذلك اليوم الذي بدأ فيه الصيف يحشو ذاكرته بالقطن .. ويدخل القرية للمرة التي لا حصر لها . صيف جديد .. ابتداء كل شيء وانتهاء كل شيء .

فتح شباك الخشب وفاجأه مستطيل السماء الأزرق وغيوم ناعمة في طريقها للزوال .. تأمل هذا الفراغ الأبيض المترامي الأطراف ولم يكن حتى التقاء السماء بالأرض سوى زرقة صافية وأرض صفراء .

بانت الشمس من بعيد وكأنها مسندة على أعمدة الضغط العالي التي تقف بانتباه شديد فيما ترتعد أسلاكها تحت وطأة الكهرباء التي لا تسري بالقرية .

عصافير الصيف تجتمع أسرابا حافلة بالفوضى المنظمة وعازمة على هجرة خضراء .. ومن بعيد رجل مسن يعبر الصيف بعباءة من الصوف .

جلس على سريره الخشبي .. لم تتغير أشياء توقعها .. فها هو ذلك الشخص في ذات المكان .. توقع أن لا يكون هنا . نهض ليمسح عن البلاط مزيجا أبيض مصفرا وجافا ، وعاد ثانية إلى السرير .. وبدا الشباك مستطيلا من السماء العارية .

طرقت والدته الباب ولم يفتحه .. قالت :

- ألن تخرج ؟ .. إنه الضحى .

ثم سمع وقع أقدامها عائدة .. تأمل ساعته على الطاولة الخشبية الصغيرة بالقرب من السرير .. لم تكن تعمل .. كان يعرف ذلك .. فهي لم تعمل منذ ألقاها على الطاولة .. بقي جالسا على سريره يحدق في نافذة السماء ..

بدأت الظهيرة تسير مفعمة بالغرور وتلسع كل رأس حاسر أو قدم حافية . ثم انتابت عينيه فأحس بهالة من الضوء تمنع عنه الرؤية .. منذ متى وهو يراقب الصيف والشتاء وخيانتهما الصغيرة ؟ منذ متى وهو يراقب الصحو والمطر من نافذة السماء والخشب ؟؟

على سريره تغتاله الأسئلة الحمقى في أن يكون الذي يشتهي في المكان الذي يشتهي .. لكن كل شيء سيتغير وما عليه سوى أن يبدأ ثانية .. ورغم ذلك الانتظار لم يتغير في روحه هذا الصيف الطويل ..

نهض واقفا أمام الشباك ومستندا على حافته الخشبية ..

ورآه :

" يسير خلف جنازة والده .. كان صيفا – غير صيفه هذا – واجتمع الأهالي من أماكن بعيدة .. والجنازة تسير بالقرب من الدكاكين الخشبية باتجاه أعمدة الضغط العالي ، وهو يسير خلفها متهالكا وأحدهم يضع يده على كتفه ويكلمه .. آه .. لم يكن هو إذا الذي يتمدد في المستطيل الخشبي .. كان والده .. رغم أنه – صباح ذلك اليوم توقع أن توقظه والدته لتقول : إنك ميت يا بني !! لكنها قالت : مات أبوك .. ثم تكمل : لا تبك يا بني .. إن صحتك لا تحتمل البكاء .

وحين غادرت ضحك .. وخرج خلفها .. ربما كانت تلك المرة الأولى التي يخرج فيها في ذلك الصيف رغم أنه غير المرض ما يمنعه من الخروج ..

حين دخل غرفة أبويه ، رأى والده ممددا عل السرير .. محدقا في السقف .. يابسا كورقة خريف وباردا كطين مبلل . وقالت والدته : اربط رأسه .. هكذا تحت الذقن .. اسبل جفنيه .. وادعو له .. واحضر من يساعدك في غسله .

ركع إلى جواره وقبله على جبهته فسرت برودة الموت في شفتيه تحركها قوافل النمل ..

ترك والده ممددا على السرير وخرج يجري في الظهيرة حافيا .. أشعث الشعر .. جاحظ العينين وعلى شفتيه برودة الموت ثم سقط فجأة وامتلأ أنفه وثـُـقبا أذنيه بالرمال الملتهبة ..

حين أفاق كان وجهه غارقا في ماء أو عرق بارد ويسير خلف الجنازة باتجاه أعمدة الضغط العالي التي يسمع أنينها واضحا وأحدهم يضع يده على كتفه ويكلمه .

قالت والدته : إن والدك محظوظ يا بني .. كان قويا كالصيف وكريما كالمطر .. لم يعذبه الله .. سألني ماء وحين أحضرته كان قد مات ..

وأحس أنها تقصده وأن الله يعذبه بمرضه وموت والده ولم يعذب والده بمرض أو موت ابنه "

وضع يده على خاصرته حين بدأ الوحش الهلامي ينهش جوفه وازرقت شفتاه .. ضاق الهواء في رئتيه وارتجفت أطرافه .. وترك حافة الشباك وسال الزبد الأبيض المصفر من شدقيه واهتز واقفا نافر الشرايين .. أحس بدبيب آخر الحياة في شعر رأسه .. حاول أن يصرخ .. لم يكن هواء ويحمل صوته للخارج .. وامتدت شفته السفلى حتى رأي زرقتها وشعر أنه يرى عينيه بيضاوين كنهار الصيف .. هوى على الأرض وهو يرتجف ويسيل الزبد الأبيض المصفر على البلاط .

حين استكان قليلا سمع أنين أسلاك الضغط العالي !!

طرقت والدته الباب .. حاول أن يمد يده لقبضته لكنه لم يستطع .. قالت :

- ألن تخرج ؟ .. إنه عز الظهر .

ولم يسمعها أو وقع أقدامها عائدة .. واستمر الطنين في أذنيه وكأن جيوشا من الذباب استقرت في تجويفيهما ..

حين خرج عصرا من البيت رأى والدته تجلس في ظل عريش الخشب وتستند على أحد أعمدته الخشبية المربعة .. تخيط قماشا لا شكل له .

- ما هذا ؟

قال وجلس إلى جوارها ..

- لا أعلم .. إنني أقتل الوقت بإبرتي ..

- لن تقتلي شيئا .. هل معك نقود ؟

- كم تريد ؟

- أي شيء ..

وتركت العجوز قماشها وإبرتها وبدأت تحل عقدة في مؤخرة شالها الأسود مستعينة بأسنانها .. وبانت قطع المعدن من خلف القماش الأسود الخفيف ..

ناولته إحدى القطع المعدنية ثم أعادت العقدة حول الدراهم المتبقية ..

دسها في جيبه وخرج من البيت المقعي لوحده في طرف القرية .. فيما بقيت العجوز محدقة طويلا في زرقة السماء ..

سار متجها نحو الدكاكين الخشبية محاذيا عن بعد أعمدة الضغط العالي ولكنه لا زال يسمع أنين أسلاكها ونشيج الرجل المسن في قفصه الصدري الشاب ..

في إحدى المحلات سأله البائع بغلظة لا مبرر لها :

- ماذا تريد ؟؟

- لبن .

وتقاطرت أحرف الكلمة من شفتيه .

- هل معك نقود ؟

واهتزت يده وهي تمتد نحو جيب صدره وتخرج القطعة المعدنية .. ناولها الرجل وحين ارتجفت شفتاه تغيرت ملامح البائع الذي رفع غطاء الثلاجة الخشبية وناوله علبة لبن ..

مسح عنها قطرات الماء بكمه وفتحها سائرا في طريقه متتبعا ذلك الطريق الذي سارته الجنازة ذات صيف .. وسمع أصوات أقدامهم وصمتهم .. لمح المستطيل الخشبي الذي يرفعونه فوق أكتافهم وأحدهم يضع يده على كتفه ولم يتذكر كلماته .

عند باب المقبرة ألقى علبة اللبن الفارغة وانتبه أنها فرغت منذ فترة .. وخيوط بيضاء جافة على بياض ثيابه .. تردد قليلا عند الباب ثم دخل .. رأى شواهد القبور المنتظمة فوق رؤوس رجال ونساء وأطفال لا يستطيع الآن تحديدهم بدون هذه الشواهد .. ورأى شاهد قبر أبيه وقد تلته قبور كثيرة منذ ذلك الصيف الذي دفن فيه .. قرأ اسم والده على شاهد قبره وجلس إلى جواره .

و ... ...

" كان الموت يريدني .. لكنه لم يتعرف عليّ وكنت أريده .. أبي .. ماذا تركت لي ؟؟ اعذرني يا أبي . إنني لا أحبك " .

نهض إلى حجر ملقى على بعد وحمله بصعوبة . لاحظ أنه بحجم شاهد القبر إذا ما دفنه قليلا . أوقفه ملاصقا لشاهد قبر أبيه ودفنه حتى تطابقا معا . واختفى اسم والده وموته .. انتبه أن الرمل يغلي .. وأن يديه يابستان كورقة خريف وجسمه بارد كطين مبلل . تناول حجرا وكتب اسمه واسم أبيه على شاهد القبر الجديد وأحسّ بقافلة النمل تسير من شفتيه لتغطي جسده .. احتضن القبر وألقى بجسمه فوقه .

و ... ...

" أعذرني يا أبي .. ليس لأنني أحبك ولكنني أريد أن أرتاح معك .. ولا أعذب أحدا بعدي .. "

وأغمض عينيه .. ثم نهض ثانية وخلع عنه ثيابه .. نظر إلى شاهد القبرين وقرأ اسمه واسم أبيه وكأنه ليس كاتبهما .. تناول ثوبه ومسح الاسمين عن شاهد القبر الذي بدا عاريا مثله تماما ..

ضحك ثم استلقى

و ... ...

" هكذا أفضل يا أبي .. من سيذكرنا ؟؟؟

ووصمت كل شيء .. لكن أنين أسلاك الضغط العالي لم يتوقف !!

___________________

* صدر للكاتب :
- مجموعة قصصية بعنوان " وليمة القمر " 1990
- رواية بعنوان " عاشقة الثلج " 1992
- مجموعة قصصية بعنوان " أول الدم " 1993
- رواية بعنوان " سماء مقلوبة " 1995 

http://www.ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=50

No comments:

Post a Comment