Sunday, June 1, 2014

صخرة لأوطان صغيرة ... محمد جابر النبهان

صخرة لأوطان صغيرة ... محمد جابر النبهان
فضفضةأفق : الخميس 01 أغسطس 2002

" 1 "

" المنفى امرأة ساحرة الجمال . تلتفت إليك . تبتسم . ثم تضيع في الزحام "

لم تعد امرأة المكان الذي يطرد رجاله تغريني . ( سيزيف يضع صخرة العناء ويستريح عليها ، لم يعد مقلقاً أي فعل ازاحة يسير عموديا باتجاه لا يتقاطع وجهة الروح . سبع دقائق فقط هو ما يفصلنا عن كارثة بشرية محققة ، إن كانت هذه الدقائق السبع فعلاً قادرة على تأجيل وقوعها . سبع دقائق هي حصة العربي من القراءة سنويا ) . أقول لم تعد تغريني امرأة المكان الذي يطرد رجالة ، فأبحث عن حسناء في مكان آخر تشعلني التفاتتها قصائد جديدة حتى وإن غابت في الزحام .

" 2 "

ثمة هناك من يحاول تكسير رغبتي في استعادة وجه جميل أفتقده . أشعر أنني في حاجة للترميم ، مثل شارع متصدع في مدينة مملوءة بالضجيج . بغبار أسئلة متكررة . بأصوات رجال يسرقهم البحر . بالثكالى . بأطفال لا يلعبون في حارات ذكرياتهم الأولى . بالتهم الطائشة . بضحايا الفقر والأمية . بأبواق سيارات . باحتمالات العراك لأتفه الأسباب . بالرشاوى ووساطات اللعب على القانون . بالقانون / المحسوبية . بكائن ما يحاول سرقة تعبك بلا أتعاب . بكائن آخر يصعد على أكتافك لمجرد أنه يحمل في جيبه العلوي ورقة القداسة المدموغة بـ ( طائر أصلع يحتضن البحر ) وتوقيع ( سيدنا في الأعالي ) ...

مثل شارع متصدع تمر عليه سيارة فارهة مسرعة بجنون . تطير حصاة . تقع على رأس عابر ما . تشجه . يلتقطها . ينظر إليها بحقد ، ثم يعيدها للشارع !! .


" 3 "

الكتابة فعل احتجاج لا فعل إزاحة يا صديقي . ففي اللحظة التي أتخلص فيها من تبعات رحلة ثالثة عن وطن تخلص مني ثلاثاً في ورقة الإشعار الأول ، أتذكر أننا في الكارثة إلا سبع دقائق . من يقرأ إذا ؟ ليس هناك ما يمكن أن نخشاه ، سبع دقائق فقط – تصور – تفصلنا عن كارثة محققة . أتخلص ثانية من هكذا فكرة ، وأنزل للجانب الشرقي من النهر . أدخل بين شجرتين . المشهد في غاية الروعة – أتمناك حاضراً - : أطفال يطعمون فراخ البط المستحم نشوة في الماء ، نوارس – وأنت تحب النوارس – تلتقط ما أمكنها سرقته من أفواه فراخ البط ، صغير حيوان لا أعرف اسمه يمر من أمامي مسرعاً ، عصافير على شجرة . هناك أجد صخرة بين شجرتين . ألقي فوقها جسد لا تفصله عن الكارثة إلا سبع دقائق سنوياً في منتصف النهار الثالث .


" 4 "

عندما أركز بصري على نقطة معينة في وسط النهر بحيث أحاول اختراقها أشعر بأن كل هذا المشهد – بما فيه أنا والصخرة تحتي – يتحرك كسفينة نحو الجانب الغربي للنهر . أحرك عيني قليلاً نحو نقطة أخرى فتتوقف السفينة . تعجبني اللعبة . أتحرك .. ليس من السهل نسيان ماضٍ طويل من التعطيل على صخرة واحدة ، كان من الأجدى استثمار كل هذا الجهد المكبوت ، من الأجدى كتابة الإحتجاج الأول . معك حق ، سوف أطرد الفكرة للمرة الثالثة . رحيل ثالث كفيل أن يضعني بعيدا في الدقائق السبع المتبقية للكارثة ، أو يسفرني لمشهد الأطفال ، وصراخهم الجميل ، لفراخ البط المستحم نشوة في الماء ، النوارس ، صغار حيوانات لا أعرفها ، العصافير . أنقل بصري ثانية . يتوقف كل شيء . أودع ( أوطاني الصغيرة ) التي ربما تعنيني أكثر من رمل لم يعد لي وماء لا يغمس رأسي فيه برغبة راهب بوذي يكشف أسراره لمريديه ، حين تبدأ فقاقيع الهواء بالتناقص قليلاً قليلاً حتى الرمق الأخير هناك في الكارثة إلا سبع دقائق .

http://www.ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=499

No comments:

Post a Comment