الكتابة الآلية : منطقة محرمة ... كريم الهزاع
|
في ظل الكونية الجديدة يعاني الإنسان من التشظي والضياع والصراع الروحي والفكري في البحث عن الكينونة أوالقبض على الحالة التي يريد .. كثيرا ما أجد نفسي أبحث عن فكرة لكتابة أفتتاحية العدد الجديد من مجلة أفق .. أظل أحاول ثم لا أجد سوى " الخرخاشة " ، تلك الفزاعة التي أنتبه لها الصديق صالح النبهان حينما يتعذر علينا وجود نافذة للخروج من حالة الأحتباس إلى " أفق " نحلم به ونراعاه ونتنفسه .. نظل نمني أنفسنا بأننا أناس غير عاديين .. بمعنى آخر " الإنسان الفنان " الذي لابد أن يجد له مخرجاً أو نافذة ربما من خلال المخيلة أو الحلم أو حتى الصراخ .. الفنان الذي يرى العجب من خلال الواقع ، فالعالم كله عنده يكتسب طابعاً شعرياً ، في ملصقات وإعلانات وقصاصات جرائد مجموعة صدفة تشكل شعراً . وكما يكفي انتزاع شيء من معناه لإطلاقه في الواقع ، كذلك الأفكار والصور المختلفة المتضاربة يحّور الفكر عن الواقع ويدخله في عالم آخر . وعن تريستان تزارا : " قد تكون شاعراً ولو لم تكتب بيت شعر واحداً ... فثمة قماشة شعر في الشارع أو في مشهد تجاري ، أو في أي ميدان آخر " . هكذا تصبح الحياة الكاملة حجة للشعر . يمكن الإنطلاق من حدث يومي : محرمة تقع على الأرض ، قد تكون لأحد الشعراء رافعة يحمل فيها العالم كله . ومن الاحتقار ، ما كان من التمرين الشعري لدى بول فاليري في مفهومه : " أن مبدأ الإلهام الكامل يتدمّر عند أقل شطبة قلم ، والغباء يمحو ما تغلفه الوشوشة الحميمة ، فما أروع الكتابة دون إدراك اللغة والكلمات ، ودون فهم هيكلية ما للأثر الأدبي من مدة ، ومن ظروف إنهاء . ولا مجال للكيف ولا الـ لماذا ... " . من هنا يرى السورياليون أن " التجويد هو الكسل " . ربما ما يقصده فاليري هو العفوية ، فإن الذي يمسك القلم ، يجهل ما سيكتب ، وما يكتب ، مما يكتبه حين يعيد قراءة ما كتب ، ويحسه غريبا عما اكتسب ، تحت أصابعه ، حياة لايملك سرها ، بعدما كان اعتقد أن ما كتبه لا معنى له . فهذا الـ " لا معنى له " . قد يكون في رسالة لا أهمية لها . أما في السوريالية ، فكل كلمة ذات وقع . ويتكون المعنى خارج الكاتب . ومجموع الكلمات يؤوّل إلى معنى معيّن . وفي التجربة السوريالية ، تتكون القصيدة ساعة كتابتها . وأهمية مضمونها في ما يقوله من مجهول ، لأجله يتحمس السورياليون . لذلك يعزل أراغون من ينكرون الإلهام ، لأنه هو يتمسك به لمضمون القصيدة السوريالية إذ على القارىء ألاّ ينتظر الفهم من القراءة الأولى . من هنا ، عليه أن ينسى كل ما اكتسبه من ثقافته المصطنعه ، وينغمس في مدّ الحياة الداخلية . وكما الكتابة الآلية ، تتيح القصيدة للإنسان ، أن يرى عالماً جديداً يوازي بين عناصره وعناصر العالم الخارجي وتتحد الداخلية والخارجية لتؤلف الوحدة الشعرية . هكذا ، يكون لاتحاد الشكل والمضمون – وهو المعيار الكانطي للجمال – أن يصبغ القصائد السوريالية الأصيلة . وعن لويس أراغون ، الضالع في بحث الأسلوب ، أن ثمة وسيلة – ولو صعبة - للتمييز بين النصوص السوريالية ، وفق قوتها وجدّتها . وهي كما الأحلام : يجب نَصُّها ببراعة . فالفكرة إذا تركت لذاتها ، تجتاحها الصور الغريبة التي يصرح أراغون أنه فقد " السيطرة عليها ، وصرنا عبيداَ لها " . وهكذا ، تبدو السوريالية ، بسحرها وطريفها ، شراً جديداً يوصل إلى حالات كما التي يولّدها إدمان الحشيشة ... من هنا تبدو الحياة كلها ملتجئة إلى نوع من النشوة المتحركة ، تزعزع المنطق ، وتفتح أبواب المجهول .. ومن هنا تغدو الكتابة الآلية أو العفوية صعودا للسوريالية منطقة محرمة يمنع الأقتراب منها في عالمنا الثالث حيث تـُحسب عليك كل كلمة قلتها أو لم تقلها في ظل اشكاليات تلقي النص وآليات التأويل والتربص بالآخر في ظل غياب الحرية ، لذا عليك أن تكتب بوعي كامل ، ولكنك أنت نفسك لا تدري هل أنت بوعيك الكامل أم لا ؟ . أتمنى معرفة ذلك .. إذ حينما يسألك أثنان : أين رأسك ؟ عليك أن تتحسسه .
http://www.ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=638
|
No comments:
Post a Comment