Sunday, June 1, 2014

ولادة مؤسسة "جذور" في ديترويت

ولادة مؤسسة "جذور" في ديترويت
(جسر معرفي بين الثقافتين الأميركية والعربية)
أمال نوّار
(لبنان / أميركا)
ولادة مؤسسة "جذور" في ديترويت منذ عقودٍ يعاني الأدباء والمثقفون العرب في المهجر الأميركي افتقادهم ملتقى ثقافياً حقيقياً فاعلاً، يعزّز التواصل الإنساني والمعرفي في ما بينهم، ويشحذ طاقاتهم، ويدعم آمالهم وطموحاتهم في التعريف بإنتاجاتهم الأدبية والفنية في الوسط الثقافي الأميركي والعربي.
خمسة وثمانون عاماً مرّت على تأسيس الرابطة القلمية في نيويورك عام 1920. إبان هذه المدة، لم يخلُ المهجر الأميركي من بعض الرابطات العربية الأدبية، إلا أنّ أياً منها لم تحظَ بالحضور الثقافي المشرق والمتألق والمؤثر الذي وسم الرابطة القلمية، وخصوصاً أن أعضاءها كانوا نخبة من كبار أدباء العرب في القرن العشرين.
مع الأخذ في الاعتبار حقيقة أن الهجرة من البلدان العربية إلى القارة الأميركية خلال النصف الثاني من القرن العشرين، تفاقمت بعد حربَي 1948 و1967، ولاحقاً على إثر حربَي الخليج الأولى والثانية، وأن دوافعها تعدّت الظروف السياسية والاقتصادية إلى غايات معرفية تتعلق بالدراسة أو التدريس في جامعاتها، والإطلاع على ثقافتها، والاستفادة مما يمنحه فضاؤها من حريات على مستوى الفكر والسلوك والتعبير، فإن من المنطقي الإقرار إذاً، بأنّ عدد الكتاب والمثقفين العرب اليوم في هذه القارة ليس قليلاً، وأنّ ما أنتجوه من أدب مهجري، لم ينل على الأرجح ما يستحقه من اهتمام النقاد والقراء في ظل غياب أي فعل ثقافي جمعي. وعليه تبدو الحاجة الراهنة أكثر من ملحة إلى ملتقى ثقافي عربي ما، من شأنه استقطاب هؤلاء الأدباء الموزعين في جغرافيا واسعة، من أجل التبادل المعرفي، وتوظيف القدرات في عمل جماعي لا فردي، يطلق صوت الأدب العربي المهجري عالياً. بالإضافة إلى أنّ انهماك المثقف العربي في المهجر الأميركي بالواقع العربي الداخلي أكثر من انهماكه بواقع محيطه الفعلي، يجعل من مسألة ضرورة فتح قنوات مع الآخر مهمة شبه مستحيلة إنْ هي اقتصرت على مقدراته الفردية ولم تتضافر من أجلها جهود جماعية، منظمة وواعية، ومدركة أبعاد هذا الانفتاح، وقادرة على تحقيقه.
من هنا، يأتي الإعلان عن إنشاء "مؤسسة جذور الثقافية" اليوم، والتي كان أقيم لقاؤها التأسيسي في 26 تشرين الثاني 2005 في مدينة ديترويت من ولاية ميشيغان، ليكتسب أهمية بالغة. فهي من ناحية تساهم في ملء فراغ ثقافي حضاري عميق عبر إضطلاعها حاضراً ومستقبلاً بتلبية حاجات أدباء الجاليات العربية، وتحقيق أحلامهم المنشودة، وتتولى من ناحية أخرى، الكشف عن الجوانب المشرقة في ثقافتنا العربية، وكسر التابوهات، والدفاع عن هويتنا الحضارية في مكانٍ وزمانٍ لم يسبق أن تعرضت فيهما لهذا القدر من التشويه وسوء الفهم والتعتيم والإجحاف والدعاية المبرمجة، وخصوصاً في غياب تحرك دولي عربي منظم واع وجدي من شأنه وضع برامج وخطط فاعلة لمنع تفشّي أورام الإعلام الخبيثة.
أعضاء اللجنة التأسيسية لهذه المؤسسة هم: لطفي حداد، روائي وشاعر سوري يقيم في ولاية انديانا. فادي سعد، شاعر سوري يقيم في مدينة شيكاغو منذ عام 2000. أسس مع لطفي حداد مجلة المهاجر الإلكترونية التي تعنى بأدب المغتربين. جاكلين سلام، شاعرة سورية تقيم في كندا منذ عام 1997، عملت في الصحافة المهجرية في مدينة تورونتو، ولها نشاطات اجتماعية تخص قضايا المرأة، وأخرى أدبية متنوعة. محمد النبهان، شاعر كويتي يقيم في العاصمة الكندية، أوتاوا. أشرف على مجلة أفق الإلكترونية مدة ست سنوات، إلى حين توقفها عن الصدور.
ولادة مؤسسة "جذور" في ديترويت وكانت المؤسسة وجهت دعوتها لحضور مؤتمرها التأسيسي الأول، إلى العديد من الكتاب العرب المقيمين في أميركا الشمالية وكندا. وأثناء اللقاء تم توضيح رسالة المؤسسة ومشاريعها وأهدافها ومناقشة بعض الآراء والاقتراحات في ضوء إمكانات المؤسسة راهناً ومستقبلاً. وقد ضمّ الحضور وجوهاً مهجرية خلاّقة، من بلدان عربية عدة، نذكر من بينهم: محمود سعيد، روائي عراقي يقيم في مدينة شيكاغو، ولديه ما يفوق الإثنتي عشرة رواية، منها ما مُنع من النشر ومنها ما تُرجم إلى الإنكليزية والإيطالية، إضافة إلى ثلاث مجموعات قصصية آخرها مجموعة بعنوان "المنسدح" صدرت خلال العام الحالي في مصر. قيصر عفيف شاعر لبناني يقيم في مدينة مكسيكو، وهو مؤسس مجلة الحركة الشعرية التي تعنى بنشر الشعر الحديث، والترجمات الشعرية عن اللغتين الإنكليزية والإسبانية. لديه أربع مجموعات شعرية آخرها صدر عام 2004 بعنوان "اللغة والمدينة". منيرة مصباح شاعرة فلسطينية تقيم في مدينة شيكاغو، وتعمل حالياً أستاذة للغة العربية، وكانت قبل هجرتها تولت رئاسة تحرير القسم الثقافي في جريدة الرأي العام الكويتية. لها ثلاث مجموعات شعرية إضافة إلى كتاب بعنوان "حوارات وإشراقات" يضم مئة حوار مع مفكرين وسياسيين عرب كانت أجرتها أثناء عملها الصحافي. عبد الناصر مجلي، قاص وشاعر وروائي وصحفي من اليمن، يقيم في ولاية ميشيغان وله أربع مجموعات قصصية وإثنتا عشرة مجموعة شعرية، إضافة إلى روايتين تتناولان موضوعة عرب المهجر الأميركي منذ عام 1920 حتى 1994. وهو رئيس تحرير صحيفة الأمة التي تصدر باللغتين العربية والإنكليزية، وتوزع في كبريات المدن الأميركية. عبد الإله الصائغ، روائي وشاعر عراقي يقيم في مدينة ديترويت ويعمل أستاذاً جامعياً فيها. له إثنان وعشرون مؤلفاً بين الشعر والرواية. سنان أنطون، شاعر وروائي عراقي، يقيم في مدينة نيويورك ويدرّس في إحدى جامعاتها. صدرت له مجموعة شعرية ورواية بعنوان "إعجام"، إضافة إلى قيامه بتصوير فيلم وثائقي عن مأساة الشعب العراقي في ظل الإحتلال الراهن.
من أهداف "جذور" الرئيسية مدّ جسر معرفي بين الثقافتين الأميركية والعربية عبر الترجمة، والتعريف بالأدباء العرب المقيمين في الشمال الأميركي وكندا من خلال نشر أعمالهم الأدبية. أيضاً من أفكارها المطروحة، تعزيز التبادل الثقافي الحيوي بين أدباء المهجر وبينهم وبين الوطن الأم ، والعمل على تفعيل دورهم في ثقافة المهجر بحيث لا يبقون على الهامش. كذلك التعريف بأعمالهم من خلال ترجمتها إلى الإنكليزية أو تصديرها إلى بلاد العرب، والسعي إلى تكريم الأديب المهجري عن عمل أدبي ما، تكريماً لطالما استحقه وقصر عنه المهجر والوطن.
مشاريع عدة أيضاً تنضوي تحت لواء هذه المؤسسة منها:
  • موقع الأدب العربي المهجري "جذور" على الإنترنت، يعنى بثقافة المهجر، وبنشر أعمال الكتاب المهجريين وكل ما يتعلق بنشاطات مؤسسة جذور، على أن يضحي مستقبلاً موسوعة أدبية فكرية، ينهل منها الدارسون والمختصون والباحثون في هذا المضمار.
  • مجلة المهاجر، مجلة الكترونية، شهرية، تعنى بالأدب المهجري والأدب الغربي من أصل عربي والترجمات.
  • مجلة جذور، مطبوعة ثقافية دورية تهتم بالخلق العربي المهجري، عددها الأول سيصدر السنة المقبلة على أن يوزع في مختلف أقطار العالم العربي.
  • دار (مؤسسة جذور الثقافية) للنشر بالتعاون مع "الدار العربية للعلوم" في بيروت، تعنى بنشر كتابات أدباء المهجر الأميركي وتوزيعها في العالم العربي، وبذلك تساهم في حل واحدة من كبرى المعضلات التي يواجهها الكاتب المهجري.
  • رابطة الترجمة، تتولى قضية التبادل المعرفي بين الثقافتين الأميركية والعربية عبر ترجمة الكتب والدراسات والأنطولوجيات، والسعي إلى التعاون مع دور نشر أميركية تتولى طباعة ما قد يترجم من مؤلفات عربية إلى اللغة الإنكليزية.
من الجلي أن أهدافاً ونشاطات على هذا المستوى من الطموح والفاعلية والتنوع، لا بدّ أن تحتاج إلى مصادر تمويلية ضخمة تؤمن بمشروعها التنويري. وبما ان "جذور" مؤسسة ثقافية مستقلة لا تهدف إلى الربح، وغير مرتبطة بأي تيار سياسي أو ثقافي أو ديني، أعربياً كان أم أجنبياً، فإنّ إمكان قيامها بنشاطاتها المتنوعة وضمان استمرارها يعتمدان حالياً في الدرجة الأولى على مصادر تمويلية خاصة، متمثلة في تبرعات من أفراد أو منظمات ثقافية مستقلة وغيرها، على أمل وضع خطط مالية مستقبلية تضمن رفدها بما تحتاج إليه لتحقيق رسالتها الثقافية المشرقة، والأخذ بيدها لإبراز الوجه العربي الحضاري والأدب المهجري في أبهى تجلياته هنا في هذه القارة، وهناك في الأوطان الأم.
رغم الإقرار بوجود حاجة ملحة لإقامة مثل هذه المؤسسات الثقافية الفاعلة، إلا أن علينا عدم تجاهل ما حققه التقدم التكنولوجي في مجال الإتصالات من إنجازات تكاد تكون سحرية لفرط ميتافيزيقيتها، ويكاد يبدو معها الحديث عن عزلة الكاتب المهجري وافتقاده المناخ الثقافي الملائم، لا يخلو من المبالغة والدراماتيكية. فالتواصل الفاعل بين البشر لم يعد خاضعاً لشرط المسافات، والإنترنت جعلت من الكون غرفة، قد يكون في فضائها الإفتراضي كاتب مقيم في وطنه أقرب إلى كاتب مهاجر منه إلى كاتب آخر مقيم في البقعة الجغرافية نفسها. الإشارة إلى هذا الجانب المضيء في حياتنا المعاصرة، ترمي إلى التنويه بأن الزمن معنا ولو بدا أنه علينا، وتالياً لا بدّ لنا من الإستفادة من تقنياته العصرية بما تتيحه من إمكانات لتجاوز التركيز على مشكلات الكاتب المهجري وما قد يعانيه على المستوى الشخصي من عزلة وغيرها، إلى التركيز على مسائل أكثر إلحاحاً وتطلباً، منها مثلاً ما يتعلق بمدى صدقية الطاقات المتوافرة، ومدى جهوزيتها ومثابرتها وعزمها على العمل الجماعي المنظم الخلاق الذي من شأنه إنجاح مشاريع هذه المؤسسة، والمضي بمسيرتها إلى الأمام. فمن دون تضافر جهود الأدباء العرب المقيمين في المهجر على بقعة واحدة، ستبدو الجغرافيا بما تدعيه من قرب أو بعد في المسافات لا محل لها من الإعراب في غياب الإيمان والإرادات. فالعبرة ليست في صناعة أحلام تلامس الفضاء، إنما في اعتصار الطاقات والأقلام والأذهان ماءً سماوياً يعمّق جذورها في التراب.
عن النهار
2005 كانون الأول 9

http://www.jehat.com/Jehaat/ar/Mahrajanat/jathoor.htm

No comments:

Post a Comment