أفــق ، والمستحيل ... صالح النبهان
محور العدد .. المثقف والنشر الإلكتــروني الشبكة العنكبوتية !! .. لا أعرف أول من أطلق هذه المقولة / المصطلح ، ولكنني أقف دائما في حيرة من صدقها ، فبالرغم من أن الوهن أحد أبرز دلالاتها اللغوية ، إلا أنها استطاعت أن تنشر نسيجها الخرافي ليغطي مساحة هذه البسيطة بلا استثناء . ورغم أنني لا أملك إحصائية دقيقة لحجم انتشارها والاستفادة منها عربيا ، إلا أنني أزعم أنها باتت مقنعة بشكل لافت للنظر لكي يتعاطاها الإنسان العربي بشكل مشجع ومبشر ببعض الأمل مما يدل على أنها آخذة بالانتشار بشكل مطـَّرد ، وهذا ما يشكل أيضا أحد أهم ما يمكن الاستفادة منه عربيا في إنهاء القطيعة الثقافية بين شطري الوطن العربي من جهة ، ومن جهة أخرى باتت هذه الشبكة هي الأمل الوحيد المتبقي لنا كمثقفين في تلاقح الأفكار والرؤى . لقد استطاعت هذه الشبكة العنكبوتية تذويب الفروقات والحواجز الجغرافية التي رسمها لنا الأسياد والعبور دون جواز سفر أو تأشيرة دخول لا يمكن الحصول عليها بسهولة ، كما أنها أغنتنا عن بحلقة عساكر الحدود البغيضة والمشككة في النوايا مسبقا .. فإن وجدوا معك كتابا أو مجلة ثقافية أو حتى جريدة ، فهذه تهمة قد يكون أخف حكم فيها هو إرجاعك من حيث أتيت !!.. عندها فقط .. ربما كنت في يوم سعدك . ورغم أنني لازلت متفائلا في الإمكانيات الهائلة لهذا التواصل الثقافي العربي / العربي بأفقه الجديد والرحب ، والذي لا يقبل التأطير والمحدودية بما تفرضه إمكانيات هذه التقنية ، إلا أنني أشعر أحيانا أننا غير قادرين على القيام بتفعيل تلك الأدوار التي يجب أن نقوم بها من أجل خلق المزيد من التواصل ، ربما يرجع السبب لأننا لازلنا نشكك كثيرا بصدقية التعامل مع هذه التقنية ، ولكنني في ذات الوقت أرجع السبب المباشر إلى أن المثقف الحقيقي غير قادر حتى هذه اللحظة على تأمين متطلبات هذه التقنية ماديا ، فهو لازال مسحوقا منهك القوى ، لا يجد ما يسد به رمقه . فكان غياب الثقافة والمواقع الثقافية أحد أبرز ما يلفت النظر في هذا الانتشار المتسارع الخطى لهذه التقنية عربيا ، وكأن مواكبتنا للعصر تقنيا باتت حكرا على الأنشطة الثانوية فقط وبتمويل مغدق من أولي الأمر ، بينما الثقافة والفكر ودورهما الفاعل في بناء الأمم ونهضتها باتا في أسفل سلّم أولوياتنا الرسمية والشعبية على حدٍ سواء . في حياتنا الواقعية بعيدا عن هذه التقنية ، يقول الكثير من رؤساء ومدراء تحرير صحافتنا العربية أن الملف الثقافي والأدبي هو أول ما يمكن الاستغناء عنه في مواجهة المد الإعلاني مدفوع الأجر من أجل تأمين المساحة المطلوبة لذلك والمتزايدة باستمرار !! ، والغريب – والكلام لازال لأحد مدراء التحرير – أنّ لا أحدا من المثقفين والأدباء يسجل رأيا معارضا أو مستفسرا عن غياب الملف الثقافي أو الأدبي ، بينما لا نستطيع الاستغناء عن عمود واحد من صفحات الرياضة أو أخبار المجتمع والمحليات أو الزيارات الرسمية لأفراد وأعوان السلطة وإن تجرأنا على ذلك فستنهال علينا الاتصالات والاحتجاجات من كل صوب وحدب . في السنوات الأخيرة من القرن العشرين ، وهي التي شهدت قفزات متسارعة في هذه التقنية ، تداعت الكثير من الهمهمات العربية المحذرة بأن هذا الانتشار الهائل لاستخدام خدمات وتقنيات النشر الإلكتروني سيولد حتما منافسة للكتاب المطبوع بعد أن أخذ النشر الإلكتروني الغربي حيزا كبيرا من اهتمام وتفكير المثقف العربي وبات ينظر له بإعجاب شديد ، فهو – المثقف العربي – مازال ذلك المقموع والمؤطر داخل قوانين التكبيل والرقابة والمنع والمصادرة ، لذلك فهو يرى فيه خلاصه وحريته محليا أولا ، وثانيا هو وسيلته الوحيدة والسريعة في اختراق الحواجز الجغرافية المفروضة عليه عربيا . فما هو ممنوع هنا ، قد يكون مسموحا به على بعد خطوات منه ، وهكذا . لقد استطاعت هذه الشبكة وما واكبها من قفزات تكنولوجية هائلة في تحفيز الكثير من دور النشر والمؤسسات الثقافية العربية من أجل إنشاء مواقع إلكترونية ، الأمر الذي جعل النشر الإلكتروني في مواجهة حقيقية لوسائل النشر التقليدية ، فهو من جهة وسيلة سريعة ، ومن جهة أخرى مازال يتمتع ببعض حرية قد لا تكون متاحة للكثير من المطبوعات الورقية ، أدى ذلك بإحدى دولنا العربية التي سمحت بإدخال هذه التقنية مؤخرا باستقدام جهاز رقابيٍّ ضخم الإمكانيات التقنية والفنية وباهظ التكاليف أيضا لأنه يعتبر من التقنيات الذكية جدا من أجل مراقبة الشبكة محليا وعالميا وكأنها لم تكتفِ بمصادرة الكتب والصحف والمجلات على حدودها وبأيدي الجهلة من حراسها الحدوديين المنوط بهم حفظها من دخول أي فكر لا يناسب توجهاتها ، وكأن تعاطي الفكر والثقافة أصبح كتعاطي العقاقير المخدرة والسموم البيضاء . فهل شكل النشر الإلكتروني بعبعا لأنظمة الكبت والمنع والرقابة ، ربما ترى هذه الأنظمة أنه بات يشكل خطرا حقيقيا على أحقية وجودها واستمرارها ، فهي معذورة في ذلك بلا شك وفقا لمنهجها وسياستها !! لا أعتقد أن التوسع في أفق النشر الإلكتروني عربيا ودوليا أثر على حجم انتشار المطبوعات التقليدية ، فهذه دراسة ميدانية لوقع الصحافة في ستة وأربعين بلدا نشرتها " الجمعية الدولية للصحافة " تؤكد على ازدياد عدد الصحف العالمية من ( 7983 ) صحيفة عام 1996 ، إلى ( 8426 ) صحيفة عام 2000 ، كما ارتفعت نسبة نـُسَخ الصحف الموزعة في العالم بمقدار ( 4% ) ، بينما نرى أن شخصا كـ ( أوكرِنت – Okrent ) وهو رئيس تحرير " التايمز " اللندنية يؤكد أمام مدرسة الصحافة في كولومبيا الأمريكية على قناعته بأن " الصحافة الورقية ستؤول إلى الزوال بعد عشرين عاما من الآن " . في المقابل ، أجدني أبحث أحيانا في أدراجي المكتظة بالحنين عن رسائل بريدية متبادلة مع بعض الأخوة والأصدقاء المغتربين قسرا خارج حدود الوطن العربي ، أشعر بالدفء في تلمس أوراقها ، أشتمّ فيها عبق الصداقة والأخوة الخالصة . أجد بعضا من رائحة الطين الآدمي بين طياتها والذي أفتقده في غيرها بعد أن سرقتنا الشاشات الملونة والأحرف الجاهزة التي علّبت مشاعرنا في صناديق البريد الإلكتروني ، فهي لا تشعرني بإنسانيتي أبدا حين أقوم بحذفها تنفيذا لأوامر الموقع في ضرورة الالتزام بحجمٍ معينٍ للرسائل المخزنة ، وكأنني أعطيت إذنا لـ " عمال النظافة " في الشركات المزودة لهذه الخدمات بـ " كنس " مشاعري وإلقائها بعيدا تمهيدا للتخلص منها نهائيا مع كميات كبيرة جدا محذوفة من قبل الآخرين بكل ما تحتوي محصلة هذه الكميات من تناقضات غريبة قد لا تخفى على أحد . قبل أربعة عشر شهرا ، وضعنا كريم الهزاع في زاوية ضيقة جدا عندما أطلق فكرة مجلة " أفق " الإلكترونية كبديل لحلم لم يُحقق منذ سنين طويلة ، ورغم أن كريم الهزاع من المؤمنين بضرورة مواكبة العصر ، إلا إنه أراد أن يقفز على كل المعوقات – المادية والفنية – بفكرته هذه . كيف نستطيع أن نصدر مجلة ثقافية أدبية شهرية مستقلة توزع مجانية بالكامل عبر الشبكة العنكبوتية هذه بـِ / مائتي دولار فقط أو ربما أقل هي كل ما بحوزتنا ؟!! . كان تحدٍ صريحٍ لإرادتنا ، أسعفنا أننا نملك ثلاثة من أجهزة الحاسوب وبعض الإمكانيات الفنية المتواضعة . وأربكنا أننا نملك الكثير الكثير من الأعباء الحياتية . دمجنا الحلم القديم بمعاناتنا وهمومنا الشخصية ، وعجناه بما تبقى لنا من الإنسانية والحرية ، الأمل ، همنا الأكبر الذي يؤرقنا جميعا . فكان العدد التجريبي ، فالأول .. وهكذا أكملنا المسيرة بمساعدة كل الأقلام الحرة والشريفة التي ساندتنا ووقفت إلى جانبنا منذ البداية وما زالت تساندنا وتحثنا لتقديم المزيد . لقد كانت أربعة عشر شهرا من المعاناة الممزوجة بطعم التحدي والأمل في انتظار إصدار نسختنا الأولى الورقية .. ولكن كيف ؟!! http://www.ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=249 |
No comments:
Post a Comment