قلب جديد لأبيض ... ناصر الظفيري
|
كانت سيارة الإسعاف تنتظر وسط الضباب الكثيف بالقرب من جناح الطائرة حين أنزلوه على سرير من الجلد مغطى بما يشبه الكفن الأبيض ، وأجهزة وأسلاك تعلّق بسرعة تنتهي بحقن تزرق في شرايينه . استطاع أن يلمح في الإغماءة المفاجئة لون أحمر يمتزج ببياض الضباب الكثيف ، وسمع صوت الطائرة تهم بالمغادرة . بعد ذلك لم يعِ ما يدور حوله . تركته الطائرة في مدينة ضباب كثيف وأكملت رحلتها إلى الوجهة التي اختارها والتي لم يحتمل قلبه الوصول إليها . فانهار في منتصف المسافة . اضطر قائد الطائرة أن يهبط " لإنقاذ حياة إنسان أصيب بنوبة قلبية " كما أعلن . استيقظ في وقت ليس له أن يحدده . وقت غامض كالحب ، مرن كالحم الحيّ ودبق كعجين التمر . وقت يجري خلفه لا أمامه . فكر أن الزمن يتمركز في نقطة لا تدور . والمكان يتكثف في غرفة ضيقة . جدرانها كقشر البيض . نظر إلى لوحة لميرو ببعدين . نسخة نقية تماثل التي تركها في غرفته . غرفة في مستشفى . غرف المستشفيات تتشابه كنهايات البشر . لكن أين ومتى ؟ ذلك مالا يعرفه . تخيل أن حربا تدور في الخارج . حربا يدرك سكونها ، حين تلوذ الناس بالحياة . توقع أن يفجر السكون صوت ما . صوت يتلو المعركة الأولى التي سقط فيها جريحاً مصاباً في ساقه . نقله رفاقه إلى هنا . وسيعودون ثانية لينقلوه إلى مكان أمين . أخرجوه من سرداب بارد مليء بجثث ترتجف من الخوف . عالجوه كيفما اتفق . تحسس ساقه . لم تؤلمه ، نظر إلى جرحه كان ملتئماً في منطقة من ساقه عليه آثار الكيّ . نظر من مستطيل الشباك البرونزي . أيقن أن تلك رواية قديمة أفزعته أياما في نومه ، صوت النار تأكل اللحم النازف لتخمده ، رواية غادرته منذ زمن طويل ولم يعد يتذكرها إلا في يقظته حين يلتقي رفاقه في المقهى الشمالي كل ليلة . يستمع لأشعارهم على رقع الجلد الآدمية . يتذاكرون عن عمد قصصهم كي لا تشغل منامهم . عبر ذلك المستطيل البرونزي والذي يطل على شارع خلفه البحر الذي تاه فيه طفلا في الخامسة من عمره حين اعتقد والده المنهمك بإعداد القهوة للرجال أنه مع أمه والتي انشغلت في حطب شجر العرفج مع رفيقاتها فاعتقدت أنه مع أبيه . حين افتقدوه انفض الجميع للبحث عنه ، كان يسير باتجاه البحر مرتدياً فردة حذاء وحاملا الأخرى . ويبكي ، ذلك ما يتذكره . أما لماذا اتجه إلى البحر فلم يستطع الرد على ذلك السؤال لصغر سنه ولم يستطع الرد عليه الآن وهو رجل لكنه يعرف أنه يكره البحر كما لم يكره مخلوقاً في حياته . بحر عرفه عن بعد . حين كان مقر النادي يقع على طرفه . تأتي إليه الفتاة التي قالت أنها بحثت عنه طويلا وأنها معجبة به . أحبها . لم يكن لديه لحظتها ما يفعله . وحين كثرت مشاغله وعدها أن يتزوجها يوماً ما . ولن يتزوج سواها . بقيت أمينة لوعده الذي لم يحافظ عليه ، مرت آلاف الأيام وكان دائما يقول أن يوم زواجها لم يأت بعد ، وما حافظ عليه هو الشق الثاني من وعده . بقيت المرأة التي أحبته في صباها تهبه كل شيء ، أحلامها ، جسدها ، أيامها وكانت تردد أنه عاشق مدمن ، يصحو ويسكر وأنا عاشقة أبداً بلا وعي . بحر شهد حواراً قصيراً بينهما أفسد كل شيء .. قال : سأترك هنا . لم أعد أحتمل . قالت : لن أحبك إلا هنا . قال : تعالي معي . قالت : لن أكون آمنة معك . اذهب لوحدك . افترقا . لم يحقدا . انتهت التجربة وبقي الحب . أصبحت ترتاد المقهى الشمالي . كانت تغيظه بالاقتراب من سواه . أغمض عينيه عن بحر مؤلم في حاضره وماضيه . وجه نظره إلى الجهة ، كان شباك صغير يطل على بساط أخضر ، ربما كانت تلك صحراءه في الربيع . وقبل أن يسرح خياله فيه مر أمام النافذة شاب أشقر يحمل قيثارته على كتفه ويتأبط شابة جميلة . ذلك ليس المجنون . المطرب الأشعث حافي القدمين يحمل عوده ذا الوتر الواحد يغني لحناً وحيداً بصوته الأجش البشع وهم يضحكون ورغم ذلك يسددون له أتعابه كاملة ثم يشبعونه ضرباً . ويستمر في الغناء . ذلك البساط الأخضر ليس صحراءه إذن ، تلك القاحلة والفاتنة والتي يدب فوقها بقدميه ويحرك شفتيه بصوت حيواني أليف فيندر " يربوع " من جحره وسط ذهول زميله الأجنبي الذي يقفز ضاحكاً مرتجفاً بخوف ، ثم يسأله بجدية : - قل لي فعلا ، هل كنتم تعيشون تحتها ؟! إن لم تكن تلك صحراءه ، فهل له أن يعرف أين هو الآن ؟ ومن هو الآن ؟ وحين دخلت عليه الممرضة تهلل فرحاً وسألها وهو ينظر لبياضها القاتل وعينيها الزرقاوين : هل أنت إنجليزية ؟ ابتسمت وأجابت : أنا ، لا . لكنك في بلاد تتحدث الإنجليزية ! أغمض عينيه واستسلم لحقنها وزرقة عينيها . ذات صيف ولهيب حارق يكاد يذيب الأدمغة . كان يردد : ليس بإمكاني أن أفكر هنا . وها هو هنا في أول خطوة باتجاه رحلته يرى أنها خيانة عظمى لكل شيء . سأل الضيفة ماءً . وتأمل وجه امرأه متقدمة في السن . أشاح بوجهه بسرعة ، وهو يعلم أنها ليست تلك الأم التي تحث أولادها على الخروج من هذا الجحيم . فصرخ بها : يجب ألا يفارقوه في محنته !! ثم اعتذر وقبل رأسها ، وقبل أن تصل المضيفة ابتسم لنفسه محاولاً اقناعها : إنني أفارقه في نعيمه !! لكن ذلك لم يكن كافياً ليمنع ارفضاض عرقه . تناول كأس الماء ثم سقط الكأس أمامه ليسقط ويده على قلبه ! بدأ الطبيب يسترجع معه تاريخ حالته . لم يكن قلبه يحمل سجلاً طبياً ، كان صلباً ، نقيا ككتلة من رصاص ، ولكن أحداً لم يفهم مالذي أتعبه ؟ في الظلمة الحالكة تأكد أن الخيال المحيط بغرفته لا يحتمل واقع غربته ، والشباك العريض الذي تخيله في النهار يطل على بحر ، كان يطل على شارع فضاء ، في جهته المقابلة بنايات عالية ، بدأت جلبتها تتصاعد شيئاً فشيئاً إلى ضوضاء لا تحتمل . أما شباك البساط الأخضر فليست وراءه سوى ظلمة في أعلاها ضوء أحمر وحيد اعتقد أنه منارة ميناء جويّ . أو ضوء أحمر غبي ليس إلاّ . وفي صراع الألوان لم يتغلب سوى هذا البياض القاتل في داخله وخارجه . الألوان . الألوان .شموع حبيبته العطرة التي تختار لونها من بنفسج وزهري تتناسب مع فساتين نومها . ألوان الورود الحمراء والبيضاء التي تملأ بها غرفته . ألوان اللباس الأصفر الذي استولوا عليه من مخازن البلدية ليعملوا على دفن هؤلاء الغرباء القتلى في المعركة الأخيرة . أكياس البلاستيك التي ملؤوها جثثا بلون اللحم الآدمي المزرق . ألوان سحب الدخان الرمادية وهي تسد زرقة السماء . زرقة بحر غارقة بزيت . ألوان انتهت إلى بياض . سرير . رداء . دهان . أهو لون ما قبل الموت ، لون الموت أم ما بعده ؟ الأيام تمر هنا كالنهايات . بسيطة ، ساذجة . ممرضة في أول الصباح . طبيب في نهايته . وجبات خفيفة . أقراص بيضاء وحمراء مستديرة . حقنة شفافة . حقنة كي ينام وهو يدرك ؛ إذا لم تأت النهاية الكبرى فستتكرر هذه النهايات الصغيرة . فما تبقى له . أن يعيش حياته بطريقة عكسية . يعيشها بدون ضجيجها الخارجي . ما يضايقه ، عدم وجود رزنامة في الغرفة . اعتاد في غرفته أن ينهض كل صباح ، يتجه إلى الرزنامة المعلقة على الحائط ويكتب عليها مواعيد يومه ، ثم يضع الورقة في جيبه ، كان ذلك يذكره أنه عاش يومه كاملاً . توقف ذلك الفعل أيام الحرب ، وها هو يتوقف الآن بسبب مرضه . لم تستطع رزنامته أن تلاحق أيام الحرب السريعة ، أما مرضه فلا يستحق سوى ورقة رزنامة واحدة . إنها تشبه الحياة مع امرأة واحدة . شيء ما يشبه الحقن . هذا الصباح تغير وجه الطبيب الذي اعتاد عليه . دخل رجل في الخمسين من عمره ، لم يتغلغل مشط في شعره منذ ولادته ، يضع نظارة سميكة . يرتدي بذلة بلون الرماد الطازج ويحمل بيده دفتر مذكرات . فتحه وضرب بقلمه عموديا على صفحة بيضاء . تحدث معه . كان يسأله عن حياته . أحس براحة للحديث عن أشياء يعرفها ، والرجل يسجل في دفتره ما يشاء من الحديث . لم يتحدث طويلا كما يشتهي . لاحظ أنه في حديثه أوغل كثيرا في الماضي ، تحدث عن أيام يعرفها ويحبها لكنه لم يعشها ، أيام تسبق ظهوره للحياة . أطبق الرجل دفتره . نقر بقلمه ثانية على غلافه . استدعى طبيبه وقال : يجب أن يعود من حيث جاء !! ثم أخفض نصفه العلوي باتجاهه : اسمع يا بني . هناك أشخاص لا يصلحون لكل الأمكنة . ارجع إلى جملك وصحرائك ! حملته سيارة اسعاف أخرى إلى طائرة . لم يكن الضباب كثيفا كما أول مرة . نسائم ناعمة تهب . ودعه الطبيب والممرضة . أوصاه أن يهتم جيداً بالجهاز المعلق إلى وسطه . وأن يستبدل بطاريته كل ... وأن .. وأن لاينسى الحقنة . لم يدرك كم من العمر أمضى هناك . لم يهتم بحسابه . فكر أن ينام .. هبطت الطائرة في المساء . لفحه السموم الساخن . أحس أنه أقوى ويستطيع أن يمشي من المطار حتى نهاية الأرض . فضل التوجه لأصدقائه في المقهى الشمالي . أصدقاؤه الشعراء الذين توقع أنهم لازالوا يكتبون قصائدهم على رقع جلدية من جلود النساء . كانت المرأة التي أحبته تجلس إلى جوار أحدهم . حين رأته نهضت مسرعة نحوه . احتضنته بقوة ولم يستطع أي من أصدقائه افلاته منها . أحست ببرودة جسده . تركته فسقط على الأرض . لم يفهم أحد سبب وفاته ، وما بقي منها أقوال ليست لأحد أن يؤكدها - لقد ضغطت على الجهاز فتوقف عن العمل . - رائحتها . لم يكن لقلبه أن يحتمل رائحتها . لكن تلك الأقوال لم تكن الحقيقة . فما حدث هو . هو . لا يمكن لي أن أقدم سبباً لذلك فما أملكه هو تخمين لا يختلف في حدسه عن تخمينكم أنتم !!
http://www.ofouq.com/today/modules.php?name=News&file=article&sid=438
|
No comments:
Post a Comment